مرام هواري: صفقات تحت الطلب!!

مرام هواري

                                                                                                                                                                             

فرصتكم الاخيرة..؟!!  بهذه الكلمات وبمصطلحات مزيفة واستعراض سافر للقوة وبأسلوب استفزازي لمشاعر الفلسطينيين, قدّم ترامب رئيس الولايات المتحدة الامريكية بصفته ملاك الرحمة متخفياً بعباءة الاحسان وكراعٍ مسؤول عن رعيته ووصياَ اميناَ على حقوق الدول وشعوبها “رؤيته الجديدة للسلام” من خلال صفقة اعتبرها هي الاكثر سخاءً في ظل غياب فلسطيني ومقاطعة رسمية وشعبية لها, فهي في نظرهم صفقة “تسليم واستسلام” فرضها عليهم من لا يملك لصالح من لا يستحق وبموافقة من لا قول لهم ولا تاريخ لشراء فلسطين اقتصادياً وتمهيداً لفرض سيطرتهم على الضفة الغربية الى الابد.

فتحت مظلة السلام والازدهار والانتعاش الاقتصادي وبجرة قلم قرر ترامب كأمر واقع لا محالة..! تصفية القضية الفلسطينية ” ظلماً بلغ من الوقاحة مداه” ضارباً بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية غير آبه بالرفض او الموافقة من احد في ظل صمت دولي عربي مريب, وكيف لا… وامريكا تقرر واسرائيل تصفق والانظمة العربية تهلل وتكبر واذا خانتها عروبتها تراها تشجب وتستنكر, حتى بلغت من الهشاشة حد لا يقبل منها حتى الاستنكار, فبات يُقضى في امرهم وهم غائبون…غير مدركين بأننا نحن السابقون وهم المستهدفون اللاحقون.

 

ففلسطين ليست بخير وزهرة المدائن تشتكي رهانها على الدول العربية والاسلامية الذي بات خاسراً, فأمست كمن يستجير الرمضاء بالنار..!! فلا عجب فصوت النفوذ والقوة واحياناً المال جعلت الانظمة العربية تتراجع للوراء وتسقط قلاعها واحدة تلو الاخرى في احضان الصهاينة لتصبح هي المعايير التي تُقاس بها حجم القوانين الدولية والعدالة والانسانية تماماً كما هو الحال في “شريعة الغاب” ففيها يعصف القوي بالضعيف والغني يدوس على الفقير, واصبحنا امام مال عربي متواطئ يمارس علينا الضغوط من كل جانب للتنازل عن الثوابت ولطأطأة الرؤوس للصفقة بجميع خطاياها. وبدون ادنى شك فان المصالح كانت ومازالت تلعب دوراً كبيراً في هذه الصفقة ” أفليس كل قوم عند قوم فوائد..!؟” فأوشكت ان تكون حقيقة وليست بخيال اخذه منحنى واقعي وحقيقي على الارض بعد ان ظننا انها مجرد حبراً على ورق فبات الإعداد لتنفيذها قاب قوسين او أدنى خصوصاً في ظل تطبيع وتطييع لم يسبق له مثيل من قبل انظمة وحكّام كان من المفترض ان يكونوا خط دفاعنا الاول, فباتت تغسل الاكثر بياضاً لصالح الكيان الصهيوني واشبه ما يكونوا سماسرة ومتعهدين ليسلموا بالسّلم ما لم يتم تسليمه بالحرب فكانوا كمن يجلب الدب الى كرمه..! من خلال علاقات باتت تأخذ في الاونه الاخيرة صفة العلانية, فأصبح اقصى طموحاتنا منهم الشجب والاستنكار وعقد المؤتمرات “الفلكلور الديمقراطي والمساحيق التي تحاول من خلالها تلك الدول تحسين صورتها الديمقراطية المزيفة”                                                                                              

 فها هي صفقة القرن باتت تعصف بالفلسطينيين وتضع قضيتهم في مهب الريح, فاسرائيل هي الصديق وصانعة السلام والهدف المنشود ولصالحها يتم فرض واقع جديد يساهم في دمجها بالكامل كحليف استراتيجي في قلب المنطقة العربية من النيل الى الفرات, لفرض هيمنتها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً. دمج ينتشلها من عزلتها العربية والعالمية, فقضية اسرائيل قضية وجودية “فإما تكون او لا تكون” فكان لابد من صفقة يتم نقلها بخطىً متسارعة من الورق الى الارض في محاولة انقاذ ما يمكن انقاذه, فالاندفاع خلف الرئيس الامريكي والاستسلام للاملاءات الاسرائيلية لا شك ان لها اسباب تتعلق بمشروعية تلك الدول واستقرار حكمهم والمحافظة على بقاء عروشهم, حتى بتنا رهناء للأجندة الدولية والعالمية, ولعلّ مشروع “نيوم” الذي اطلقه ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان والذي يمتد على اراضي دول محورية تتمثل (بالسعودية, مصر, الاردن), والتي تسعى من خلاله اسرائيل جاهدة وبدعم من السعودية ومصر ان تصبح ضمن هذا المشروع وتكون فيه طرفاً لتكتّل اقتصادي اقليمي لا يخضع لاي قيود قانونية وتستثنى منه انظمة وقوانين الدول الاعتيادية حيث يعتبر الكثير من المفكرين مشروع نيوم جزءاً من صفقة القرن, فهو مشروع اقتصادي استثماري يحمل بعداّ سياسياً بحتاً,  وتنازل عن سيادة مناطق مصرية مثل”تيران وصنافير” لصالح السعودية جزء من تطبيق خطة الصفقة,  الذي يعتبرها الامير محمد بن سلمان جواز سفر تضمن له الوصول الى الملكية حيث اصبح توليه لهذا المنصب مسألة وقت لا أكثر,  فها نحن الان امام حالة نفاق دولي وحملة علاقات عامة من قبل دول لا تجد حرجاً مما تعلنه من ازدواجية في المعايير وتآمر على الشرعية الدولية خانعين للمحتل يسبحون بحمده, وامام نفاق وازدواجية اعلامية سياسية عالمية تعمل جاهدة على اسكات اصوات لا يراد لها ان تُسمع تعمل على انصاف القضية الفلسطينية.

 

فالجانب المغري الذي تحاول من خلاله الادارة الامريكية تمرير صفقتها هو “التلويح بالجزرة ومعها العصا” داسّين السم في العسل كاشفة عن وجهها الحقيقي محذرين في حال تم رفضها”بالعصا دون الجزرة”

 .

وهذا ما دفعني للتفكير بصوت مرتفع حول ماهية  الخيارات التي قد تلجأ اليها امريكا في حال فشلت في إحداث تسوية للنزاع الفلسطيني-االاسرائيلي من خلال صفقة القرن.

فلا يخفى على احد القلق الفلسطيني-الاردني من عودة ترامب الى مطلب اسرائيلي قديم يتمثل”بالوطن البديل” كحل مستقبلي ونهائي للقضية الفلسطينية, فهل هو تهديد حقيقي ام مجرد فزّاعة تمارسه الادارة الامريكية  للرضوخ لإملاءاتها وشروطها, كما ان التهوين بالامر او التشكيك بمصداقيته ليس بالامر المقبول خصوصاً ان هذا الخيار ما زال متأصلاً في اذهان شريحة واسعة من المجتمع اليهودي, وكيف لا “وهم يريدون الجمل بما حمل” فمن وجهة نظر بعض المستشرقين ان من واجب الاردن ان يتحمل بعض من المسؤولية كجزء من اي اتفاق يتم ابرامه بين الاسرائيليين والفلسطينيين, فاسرائيل كانت ومازالت تسعى جاهدة الى تقطيع اوصال الضفة الغربية بالمستوطنات وفرض هيمنتها على القدس والإبقاء على غزة محاصرة ومعزولة عن العالم, وتعمل جاهدة على ايجاد جهة تعفيها من تبعات الاحتلال من خلال التوجه الى الاردن ومصر لتصدير ازمتها وان يكون الحل على حسابهم, الا ان السيناريوهات المطروحة التي تطفو على السطح بين الحين والاخر سواء تلك التي تتمثل بتسليم الضفة الغربية للاردن وقطاع غزة لمصر هي بلا شك سيناريوهات مرفوضة جملةً وتفصيلاً, فالدولة الفلسطينية باتت جزءاً من الرؤية الدولية للحل ومن حقائق المنطقة التي لا يمكن تجاهلها مهما حدث, كما ان مسألة الوطن البديل لا تشكل خطراً استراتيجياً على فلسطين وحدها بل على الوطن البديل اياً كان, وبغض النظر عن كل ما يحاك ضد القضية الفلسطينية فان الموقف الرسمي والشعبي الرافض لتلك الصفقة يجب ان يترجَم بوقائع حقيقية على الارض فالثبات امام الضغوط الهائلة وعدم التنازل عن ذرة من تراب فلسطين وترتيب البيت الفلسطيني بكافة فصائله هو اقصى ما تملك أيماننا.

فهذه فلسطين وهذا وطننا…         

كاتبة وباحثة سياسية 

                                                               

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here