مرام هواري: العولمة في عين العاصفة!

 

 

مرام هواري

في الوقت الذي اصبح فيه العالم “قرية كونية” وبالأصح حارة “كونية” , علت اصواتٌ لم تكن لتسمع لولا الزائر المفاجئ الذي فرض نفسه على العالم بلا اذنٍ ولا استئذان, مستهدفاً دولاً كانت تظن بأنها في منأى عن هذا الوباء, محولاً البشر الى ارقام بتشخيص حي او ميت, اصواتٌ لطالما نادت بالديمقراطية والعدالة التجارية, شعارها ” الانسان اولاً” فبدت في الافق ملامح عاصفة قوية من التغيير عصفت بدولاً نخر اقتصادها الفساد والاحتكار واقصاء الاخر, كاشفة عن هشاشة الانظمة المعولمة منذرة بتغيير وقائع على الارض كنّا لوقتٍ ليس ببعيد نعتقد انها من المسلّمات, مبشرة بولادة عالم يهتم بانسانية الانسان واعلائها على ما سواها من اعتبارات, فبفضل هذا الفيروس الصغير اصبحت الشعوب اكثر تقارباً واعمق تواصلاً من ذي قبل, على عكس العولمة التي تقوم اساساتها على تكتّل القوى العظمى بجيوشها وانظمتها الاستبدادية والتي تسودها الطبقية والانقسامات الاجتماعية, وتنظر الى الاخر بدنيوية, نظام شقّ طريقه عبر انتهاكات صارخة لقوانين التجارة ومبادئ حقوق الانسان مما ساهم في توليد الكراهية والصراعات بين المجتمعات, فلربما “ضارة نافعة” ولربما “جائحة جامعة”.

ففي الوقت الذي كان العالم متعطشاً للتبادلات التجارية العابرة للحدود والقارات, فرض الجسم الخفي وبلمح البصر فلسفته على الجميع, مغلقاً الدول على نفسها قسراً او طواعية, مجبرها على ضبط حركتها وسكونها وفق ايقاع انتشاره, فباتت سياسة الابواب المفتوحة التي هي السبيل الاكثر نجاعة  لتسهيل تبادل السلع والخدمات عبر الحدود والقارات هي الطريق المختصر لرحلة هذا الفايروس لتلك الدول, مهدداً لها بالانفصال الاقتصادي.

فنظام العولمة مكّن الدول الصناعية العملاقة والشركات الكبرى والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية من فرض الديكتاتورية اللاانسانية شاقة طريقها عبر انتهاكات صارخة لقوانين التجارة ومبادئ حقوق الانسان, فمصالحها الاقتصادية فوق كل اعتبار سامحة لنفسها ولغيرها بافتراس المستضعفين من الدول بذريعة التبادل الحر وحرية السوق والتي يرى فيها البعض استعماراً غربياً اشد ضراوةً وشراهةً من اي غزو عهدته البشرية, فباسم العولمة وفتح الحدود التجارية بات غزو الشعوب واستهداف دياناتها وقيمها اكثر يسراً, كما ان سياسة الابواب المفتوحة لم تراعي ابداً حجم الدول النامية التي تدور في حلقات مفرغة من التخلف والفقر والتبعية, فقد حرصت الدول الصناعية الكبرى على ابقاء هذه الدول تابعة لها, مطيعة وطيّعة بعيدة كل البعد عن منحنى التقدم والتطور, وانما سوقاً استهلاكياً لبضائعها وتجارتها ومصدراً دائماً للمواد الخام والعمالة البشرية, املاً في ابقائها بعيدة كل البعد عن اية فرصة للتنمية والتقدم الصناعي والمنافسة التجارية الخارجية التي لا تستطيع اصلاً ان تجاريها ومساواة اقتصادها بالنظام العالمي الجديد, الذي فتح الحدود على مصراعيه وبلا قيود واضعاً تلك الدول في مواجهه مصيرية مع هذا التقدم الجائح, باحثة عن الحماية التجارية لتتمكن من مجاراة التطور النوعي والكمي والكيفي, لحماية اقتصادها المتهالك.

فما احدثه هذا الجسم المجهريّ من هزات ارتدادية, رادّاً الظلم على من ظلم جاعلاً الدول العظمى عاجزة امام الانهيارات المتلاحقة التي منيت بها على جميع الاصعدة وبالاخص الاقتصادية منها, ومسقطاً لأقنعة كانت تخفي حقيقة انسانية الدول الرأسمالية مع شعوبها ومع بعضها البعض, فصار عداد الاصابة لدولة من تلك الدول دافعاً لاحتفائية خافية إن طال احد الخصوم, فأصبحت تتحين الفرصة للانقضاض على جاراتها بالتراشق السياسي وإلباس ما اصابها من عدوى ارضية السياسة, فأي خلل في الدول الصناعية حتماً سيكون في مصلحة الاخرى لتكون هي القوة المسيطرة التي تأخذ بزمام الامور, مما خلق حالة انعدام الثقة بين تلك الدول, فالموجز الاهم لهذه العلاقات تتلخص” بالبقاء للاقوى اقتصادياً” معلنة وبلا حرج ان عدد سكان العالم بات مهدداً للتقدم الاقتصادي والازدهار, والحل يكمن بتوقف معدلات الولادة وزيادة معدلات الوفيات, ليستفيق العالم امام حقيقة صادمة ومؤلمة وخطراً يحدق بهم لربما كان الاكثر فتكاً من هذا الفايروس المجهريّ, مثبتين للعالم في كل لحظة بلا تهوين او تهويل كم هو رخيصاً انسانه..!!

كاتبة وباحثة سياسية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here