مراد الضفري: المثقف “النكافة” واغتيال خاشقجي: كيف احرجت السعودية حلفاءها “المثقفين”

مراد الضفري

هل لنا أن نتوقف قليلا عند حادثة اغتيال الصحفي جمال خاشقجي ونلتفتَ للخلف، لكل أولئك المثقفين، الذين تسابقوا إلى المنابر الإعلامية للدفاع عن النظام السعودي وتبرئته من دم الصحفي المغدور منذ اليوم الأول من هذه القضية؟ هل لنا أن نتذكر ذاك المثقف العراقي الذي ظل يصرخ متشنجاً على منصة قنوات إعلامية عربية مدافعاً عن السعودية التي يزعم أنها تتعرض لمؤامرة إقليمية، مُبخسّاً حدث اغتيال خاشقجي بوصفه “حدثَ شيء” ومُتسائلا لماذا نهتم بدم خاشقجي أكثر من دم العراقيين والفلسطينيين في محاولة لتمييع حادثة الاغتيال تلك والواقع أن الدم واحد والجُرم واحد والاستبداد واحد؟

هل لنا أن نتذكر ذاك المثقف الثاني “اللبناني” والثالث “المصري” والرابع “المغربي” وغيرهم من الذين استصدروا بسهولة كبيرة شهادة براءة للنظام السعودي من دم خاشقجي وألصقوا التُهمة بتنظيم الإخوان المسلمين وخطيبته تارة وبالمخابرات الإيرانية وحتى التركية تارة أخرى؟ قبل أن يُحرجهم النظام السعودي نفسه ويعترف بجريمته البشعة ويضعهم بالتالي في خانة “مثقف من درجة طبّال” في أعين المتابعين. لا أخفي قارئ هذا المقال، أنه حزَّ في نفسي أكثر، كوني من المغرب، ما جاء على لسان المثقف “المغربي” ذاك في جريدة إلكترونية مغربية شهيرة عندما قدح من عقله، أو من جيب من دفع له، نظرية مفادها أن خاشقجي حي وستتكشف مؤامرة ورائها “بيارق مزيفة” تتربص بالسعودية؟! ليكون هذا التصريح، بالنسبة لي، أغرب ما سمعته في درب إبعاد تهمة الاغتيال عن النظام السعودي. هل لنا أن نتذكر ببساطة، والذكرى تنفع الشعوب، كل هؤلاء المثقفين العرب الذين نزعوا عنهم ثوب العقل والنقد وقول الحق بل وحتى ثوب المروءة ليختاروا ثوب التطبيل للاستبداد؟ لنطرح السؤال المهم: أ بدافعِ الاسترزاق فعلوا كل ذلك؟ أم هناك أسباب أخرى؟

من المؤكد أن حادثة اغتيال خاشقجي أثارت النقاش فينا حول حرية التعبير في الوطن العربي ومدى قابلية الأنظمة العربية على تقبّل النقد والآراء المعارضة. لكن لو وسّعنا النظر في جوانب أخرى لحادثة الاغتيال سنجدُ أنها باتت تُساءلنا أيضاً عن وظيفة المثقف وإشكالية دوره في المجتمع. وعما إذا كانت المدارس والجامعات هي من تصنع المثقف بعُلومها وتعليمها أم دكاكينُ السياسة وبلاط الحُكّام من تتولى صناعتهم؟ وأي مدارس هذه التي تعلموا فيها ولم يفهموا عن “إدوارد سعيد” و”بيير بورديو” و”أنطونيو غرامتشي” و”هربرت ماركيوز″ وغيرهم من المُفكرين كيف أن صفة الوعي الاجتماعي ميزة المثقف الأساسية، التي تجعل منه أداة نقد لإظهار الحقيقة ومصدر إزعاج للسلطة المُستبدة لإفساد حفلاتها التنكرية واعياً (ذات المثقف) بالبونِ الشاسع بين المثقف العضوي الأصيل المدافع عن مصالح الشعب وحقوقه وبين المثقف التقليدي الذي يعيشُ في برجه العاجي المُشيّدِ بأموال الحُّكام.

قد نختلف في تفصيل الأسباب التي جعلت المثقف العربي موظفاً لدى الحَاكم أو في أفضل الأحوال جعلته مُحايداً كاثمَ الصوت. أسباب لا تتوقف عند بنية الاستبداد العميقة في المجتمعات العربية وضعف نفسية المثقف أمام عصا السُّلطة وإغراءاتها، ناهيك عن العمليات الجراحية التي أدت إلى عزل المثقف عن السياسي وإحداث القطيعة بينه وبين القاعدة الشعبية. لكن سنتفق أكيد أننا نشعرُ بعد احتجاجات الشارع العربي في سنة 2011 إلى الحاجة الماسة لطليعة مثقفة تُـقوّض الاستبداد وتقود نضال الشعوب لإعلاء صوت الحق وتأتي الآن حادثة اغتيال خاشقجي لتذكرنا بهذه الحاجة. فالتاريخ يُنبئ الشعوب بأن تخاف مُستقبلها إن كانت طليعتها المثقفة تلتزم الصمت والحيادية فما بالك إن كان مثقفوها يدافعون بشكل أعمى عن سُلطة مُجرمةٍ ويُجمِّلون نظاماً ينتهكُ حقوق الإنسان الأساسية ويغالطون الرأي العام؟!

وصية المرحوم جمال خاشقجي لنا في آخر مقال له كانت: “أَمَسُّ ما يحتاجه العالم العربي هو حرية التعبير” لكن هلا تساءلنا عمن سيدافع عن مشعل حرية التعبير هذه في وجه الحاكم المستبد والسلطة الطائشة وأوطاننا أصبحت تعجُّ بصحفيين يكتبون تحتَ الطلب وتحت الخطوط الحمر التي يرسمها الملك أو الرئيس أو الأمير، وجامعيون يتهافتون على وظائف السلطة الدسمة، وأدباء همُّهم الوحيد إنتاج نصوص ماتعة فقط باردة من المواقف ومن إزعاج الاستبداد، وإعلاميون همهم الأول تصدُّر شاشات التلفزيون في الوقتِ الذي يقبعُ فيه مناضلو الرأي والكلمة في السجون داخل الوطن، أما من هم خارجه فقد ينتظرهم “منشارُ الحاكم” يوما ما في قنصلية بلادهم!

في المغرب نطلق إسم “النكافة” على المرأة التي تتولى مهام تقديم العروس في ليلة العُرس وتقوم بمنحها منظرا أنيقاً جميلاً بغض النظر عن هيئتها الطبيعية بفضل مساحيق التجميل والتزيين وإلباسها أجمل الثياب. فما أشبه وظيفة المثقف العربي اليوم بوظيفة “النكافة”، رغم وضوح هذه الأخيرة وحربائية الأول. فهنيئاً للإستبداد العربي بكل مثقفٍ لهُ “نَكَافَة” ولا عوضَ على الشعوب!

كاتب وروائي من المغرب

Mourad.courriel@gmail.com

Fb/mourad.eddafri

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here