مذكّرة “اسرائيل” الغامضة قلبت معادلات عمّان: هل اعتذرت حكومة نتنياهو فعلا؟ والسؤال لا يجيب عنه الا “جمانة”.. الاردن في مأزق المحاور والحلفاء.. بين اسباب تاريخية وبراغماتية في كبح الجماح مع ايران واردوغان رغم تراكم خذلان الحلفاء في الرياض وواشنطن.. جملة واحدة لبنس تشرح تفاصيل الصفقة..

NETANYAHU-AND-KING-ABDULLAH

برلين- “رأي اليوم” – فرح مرقه:

التعالي الكبير الظاهر في خطاب وزير الدولة لشؤون الاعلام والاتصال الاردني الدكتور محمد المومني حول ما قدمته حكومة نتنياهو للاردن، واستخدام مفردات من وزن “خضعت ورضخت وندمت” وغيرها، لا يمكن الا ان تكون مقصودة خصوصا من رجل دبلوماسي محنك من وزن المومني، فالرجل تصرف من منطلقين على الاقل: الاول انتقامي، مفاده ان عمان لم تنسى الطريقة “المحرجة جدا” التي استقبل بها رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو حارس السفارة القاتل، والثاني خبراتي، له علاقة بأن الرجل يعلم جيداً ان الشارع الاردني في قضية السفارة بحاجة للكثير من المعنويات و”البطولات” لهضم حادث السفارة أصلا قبل تسويق اعادة استقبال طاقم السفارة الاسرائيلية في عمان مجددا.

نجح المومني عمليا في الجانبين وضرب العصفورين بحجره، إلا ان حجره ذاته أيقظ عصافير كثيرة كانت على ذات الشجرة ولكنها ليست في مصلحة الحكومة التي يمثلها على الاغلب. فنص المذكّرة الخفي والمجهول حتى هذه اللحظة لا يزال مطلباً شعبياً وهنا تجد حكومة عمان نفسها مجددا في مأزق شعبي متعدد الاوجه، فالشارع فاقد للثقة في الحكومة تماماً من جهة، بينما الجهات المتعددة الاخرى لها علاقة بالفصام “غير المحتمل” الذي تسوّقه له حكومته بين موقفها من ملف القدس وبين حديثها عن استعادة محتملة للعلاقات مع اسرائيل.

مذكرة التي لم يرها إلا “جمانة”..

في الحديث عن نص المذكرة، ابتدعت الحكومة وسيلة جديدة هذه المرة لتسويق عدم نشرها وهو ان رئيسة تحرير صحيفة الغد جمانة غنيمات شاهدتها وكتبت مقالا حولها، وهنا قصة اخرى فالسيدة غنيمات شغلت وسائل التواصل الاجتماعي بدورها خلال اليومين الماضيين اعتراضاً على كونها الوحيدة التي رأت كتاب الاعتذار، الأمر الذي يفتح أيضاً بابا من الاسئلة اللامنتهية ليس حول اسباب عدم نشر غنيمات للمذكرة التي شاهدتها وحسب، وانما ايضا حول الاسباب الفنية التي جعلت الحكومة تثق مثلا في غنيمات بينما تتجاهل صحيفة الرأي شبه الحكومية تماما، وهنا ايضا “قصة أخرى” تتعلق بالثقة بين الحكومة واعلامها والشارع ونظرة هذه الاقطاب لبعضها البعض.

في الاثناء، تَظهر الحكومة الاردنية مجددا في حادثتي السفارة والقاضي رائد زعيتر في رواية “غير محبوكة”، يضربها الاسرائيليون في تصريحاتهم المتعالية بوضوح، فتارة تقلل اسرائيل من الاعتذار وشكله ومضمونه، وتارة اخرى تتحدث بتعالٍ عن “تعويض تم دفعه للحكومة الاردنية” فتضرب صورة الاخيرة في الشارع الاردني أكثر، وتارة ثالثة يعلن الاسرائيليون ما لم تعلنه حكومة الاردن عن اعادة فتح السفارة الاسرائيلية فتحرج “جارتها” المفترضة.

الاردنيون في الاثناء، عالقون بين رغبة جامحة في “عدم تصديق” الرواية الاسرائيلية- التي حاول الاسرائيليون فيها هذه المرة عدم تكذيب عمان علانية ولكنهم فعلوا في العديد من التصريحات من وزن “لم نعتذر لواشنطن لنفعل مع عمان”-، وبين حكومتهم التي بينهم وبينها ايضا ما صنع الحداد خصوصا والاخيرة قد كافأتهم على الموقف الصلب سياسيا في قضية القدس برفع يصفه المراقبون بـ “الجنوني” لأسعار السلع المختلفة، ما يعني نقل كثيرين من المتمسكين بنهايات الطبقة الوسطي لخط الفقر وبالتالي انهاكٌ اقتصادي جديد مضاف للخيبات السياسية.

الجانب الاسرائيلي، لم يتحدث عن مذكرة، ولكنه اكد انه “عوّض” الحكومة الاردنية، كما لم يذهب نحو اي حديث عن “تحقيق” او مقاضاة، واكتفى بالحديث عن “جمع معلومات” عن قتلة هم معروفون وكذلك ضحاياهم، الامر الذي لا يمكن انكار ان الاسرائيليين حاولوا هذه المرة ان يقولوه دون اي تصعيد مع الحكومة الاردنية، وكأنهم مضطرين لاقفال الملف الذي رفضوا اقفاله سابقا.

في التفاصيل المذكورة، لا يحتاج الامر لخبرة ابداً للحكم بأن يداً خفيّة ضغطت على جانبين متوترين لينزلا عن الشجرة بينما التباين بينهما اكثر بكثير من الاتفاق، وهنا طبعاً اليد امريكية الشكل والمضمون، ولعبت لعبتها اثناء تواجد وزير الخارجية الاردني في واشنطن ولقائه نظيره ريكس تيلرسون.

ماذا حصل في واشنطن؟

في العاصمة الامريكية يمكن فهم ما جرى مما “رواه” نائب الرئيس الامريكي مايك بنس في زيارته ملك الاردن الاحد، إذ تحدث الاخير عن كون واشنطن “تعمل على إنهاء مذكرة تفاهم لمدة خمس سنوات لدعم الاردن ودوره المحوري”، وهذا معناه ان المساعدات الامريكية لعمان لم يتم توقيعها بعد، وهي التي تعني لعمان الكثير، والتي قد تكون “كلمة سر” ومفتاحٌ لفهم التفاصيل “غير المحكيّة” في التقارب الفجائي بين عمان والاسرائيليين.

طبعا يمكن للمساعدات (وقيمتها تتراوح بين مليار دولار الى مليار ونصف) ان تكون ارتبطت بتفاصيل اخرى مثل الوصاية الهاشمية وتحويلها للسعودية وغير ذلك من جزئيات لا تقل اهمية لدى الاردن عن المساعدات ان لم تكن تزيد. هذا التفسير- مع تفاصيله المختلفة- الوحيد الذي قد يوضح الاسباب التي تصرف اثرها الاردن واسرائيل لانهاء ازمة ممتدة لشهور خلال ساعات، وهو ايضا ما قد يفسر عدم صدور اي تفسير “نزق” عن الاسرائيليين كالعادة.

في المقابل، ظنّت عمان ان “تباين الاجندات”- الذي ذكره الملك عبد الله الثاني ذاته- بينها وبين “اخوتها العرب” وشركائها الاستراتيجيين، قد يكون ضمن المعقول والمفهوم، وان بإمكانها العودة للداخل بينما تنتظر من المذكورين اتمام التفكير بحماية القدس والمقدسات، تحت الشعار الذي أطلقه الملك “فلسطين ليست مسؤوليتنا وحدنا”.

تباين أجندات.. ولعبة المحاور..

الاجندات المتباينة اياها، والتي لم تفد التحرك لاجل القدس في وقت الازمة، هاهي عمليا تتخلى تماما عن القصة الا من دفع بعض النقود لدعم “صمود اهلنا” في القدس، وهو الامر الذي قامت به الرياض في حركة هادفة الاستمالة لقياديين فلسطينيين للضغط تجاه تحويل الوصاية الهاشمية للسعودية وهو امر ما عاد ممكناً اخفاء مساعي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتحقيقه.

منافسة المرجعية المكيّة الممثلة بآل سعود مع المرجعية الهاشمية الاردنية بات صعب اخفاؤه، وهنا قد تنسجم الاهداف الدينية التشريفية عند بن سلمان مع تلك البراغماتية التي تتطلبها علاقته الاستثنائية بالادارة الامريكية ان لم تتفوق الاخيرة، والقصد ان الرجل لا يتطلع عمليا لحماية او رعاية للمقدسات قدرما يريد ان يكون العراب العربي لصفقة القرن او ما سمّي كذلك.

في الاثناء، يتطلع الاردن للحفاظ على السعودية كحليف استراتيجي ليس فقط خوفا من تصفية القضية الفلسطينية المرتبطة به عضويا بعيدا عنه، ولا لانه يرى في المحور السعودي الامريكي (والاسرائيلي والمصري لاحقا) مستقبلا للمنطقة، وانما لخشيته من المحور الاخر الذي مدّت فيه تركيا يدها لعمان ورافقتها طهران، فالاخر ايضا “متطرفٌ” بالنسبة لعمان، ولا يشبهها حتى في التفاصيل “الاندفاعية كثيرا” تجاه الازمة الاساسية المتعلقة بالقدس وفلسطين، وبهذه الجزئية تحكم الجغرافيا والديمغرافيا الكثير من التفاصيل.

أكثر من ذلك يحكم أيضا التفكير الاردني اطارين الاول متعلق بالحدود الشرقية والشمالية مع العراق وسوريا، وهما اللتان يهدد التقارب مع المحور الاخير (تركيا- طهران) بقيام حرب فيهما مع اسرائيل وهنا الحديث اكثر عن الحدود الشمالية، والاطار الثاني له علاقة بالتاريخ والارث، فالاسرة الهاشمية لديها خلاف مرجعي وديني فيما يتعلق بآل البيت مع طهران وكيفية التعامل مع النسب لهم، ولديها اكبر منه مع تركيا اردوغان ومرجعيتها العثمانية.

من هنا، تنكفئ عمان عمليّاً على نفسها وتعود للداخل محاولة بكل الوسائل ان تخرج من عنق الزجاجة الضيّق جداً هذه المرة، بينما يصرّ “الحلفاء على احراجها كثيرا، فتارة تعلن الرياض “دعم صمود الاهل في القدس” وتستضيف قياديين فلسطينيين لديها، وتارة يتحدث الاسرائيليون عن “اسف” وليس اعتذار، وعن دعم الحكومة الاردنية (وهو ما يعني عدم اعتراف حكومة نتنياهو بحقوق العائلات الاردنية التي فقدت ابنائها، وانما الامر استرضاءً للحكومة)، وتارة ثالثة يقول نائب الرئيس الامريكي انه لم يجد اي نقطة اتفاق حول موضوع القدس مع الملك عبد الله الا “الاختلاف” بالنظر اليها، ثم يذهب للكنيست الاسرائيلي ويلقي خطاباً مستفزّاً فيه..

عودة للمذكّرة الاسرائيلية..

في الوقت الذي ترى فيه عمان انها نزلت فيه عن الشجرة ولو دوليّا وامام الحلفاء في علاقاتها مع الاسرائيليين، وتسوّق انها قد حصّلت كل ما طلبته من الحكومة الاسرائيلية، تنشر وكالة رويترز نقلا عن مصدر دبلوماسي اسرائيلي أن وزارة الخارجية وجهاز الأمن الداخلي (شين بيت) سيراجعان البروتوكولات الخاصة بتصرفات الحارس وسلوكه “ويطلعان الأردنيين على النتائج”.

الامر الذي معناه بوضوح انه لن تتم اي محاكمة للحارس الاسرائيلي الذي قتل بصلافة ودم بارد اثنين من الاردنيين على ارضهم، وهو الامر الذي حصل وسيبقى مع من قتلوا القاضي رائد زعيتر قبل اربعة اعوام. فاسرائيل فقط حين يكون القاتل اسرائيليا والجثث موجودة وشاهدة والسلاح كذلك، تكون مضطرة لجمع المعلومات ومراقبة السلوك، في حين ان نظامها الجنائي المفترض به العدالة، سمح لها باعتقال الطفلة عهد التميمي لاسابيع- ولا تزال- دون اي جرم واضح، وهنا حكاية اخرى ايضا.

المذكرة الاسرائيلية وتداعياتها ايضا، لم توضح الية وكيفية التعامل الحكومي اللاحق مع السفارة الاسرائيلية التي اعلن الاسرائيليون انه سيتم اثرها فتح السفارة “فوراً” واستئناف عملها، بينما لا يزال الاردنيون من جانبهم ينتظرون ايضا من جانب بلادهم ان يتم شرح قضية “الصفة الدبلوماسية” الحاصل عليها “حارس” في السفارة في عمان، وينتظرون لاحقا ان يتأكدوا ان احدا غير السفير القادم- إن قدِم- لن يحمل الصفة الدبلوماسية في بلادهم مجاناً فيقتلهم دون عقاب ويقوّض ايقونة “امنهم وامانهم” التي لا يملكون سواها.

الى جانب ذلك كله، فتفاصيل اخرى في “الاعتذار” المفترض ظلت غائبة، فكيف تتعامل عمان اليوم مع حكومة استضافت مؤتمرا لاستبدال النظام الاردني الهاشمي وجمعت “معارضة باهتة” لذلك من اصقاع الارض، وكيف ستتصرف ازاء الاصوات التي تعالت في الكنيست الاسرائيلي بالتزامن مع تحركات سعودية مشبوهة تجاه القضية الفلسطينية، تطالب بسحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الفلسطينية.

بكل الاحوال، عمان مجددا قدمت تنازلا حقيقيا ليس للحكومة الاسرائيلية بالطبع، وانما عمليا للادارة الامريكية التي لا يبدو انها تقدّر ولو قليلا ما تفعله عمان، وهنا تجد الاخيرة نفسها في مكان لا تحسد عليه، يجبرها على التخندق في تحالفات تاريخية محبطة، ليس لانها الخيار الامثل، وانما الاسلم بالنظر لتطرف الخطاب- على اهميته- للمحور الاخر بالنسبة لعمان المعتدلة.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. لماذا لا يعرض نص الاعتذار الاسرائيلي على شاشات التلفزة ووسائل الاتصال المختلفه ليتسنى للشعب الاردني وغيره من الشعوب ان يعرف الحقيقه بعيدا عن التخمينات والجدل …بدلا من أن يخرج علينا وزير الإعلام الاردني وبعتذر عنهم

  2. اثار استغرابي استغرابك من قراءة جمانة غنيمات للمذكرة الاسرائيلية دون غيرها, هو ضل حدا مش عارف مين هي و شو بتمثل.
    و بالمناسبة وصف “المعارضة الباهتة” وصف باهت صراحة يا فرح, كانت باهتة منذ فترة وجيزة و لكنها اصبحت اشهر من نار على علم اليوم فهي حديث الشارع و المصيبة ان الناس يصدقون كلامهم المدسوس بكثير من الاكاذيب, فعلا انه السوشال ميديا اعطى مساحة لكل من هب و دب.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here