مختار غميض: الاختلاف في تحديد عيد الفطر..بين الرؤية والولاء

مختار غميض

مثلت ثلاثة أيام، هم الإثنان والثلاثاء والأربعاء، مثلت محل خلاف كبير بين البلدان الاسلامية هذه السنة، في تحديد يوم عيد الفطر من خلال تحري هلال شهر شوال.

وبناء عليه حدّدت بلدان عربية واسلامية عيدها عبر أمرين، هما الرؤية إذا ثبتت أو الاستئناس بالحساب..ويبدو أنه ثمة أمر ثالث لايمكن تفسيره إلا باعتبارات سياسية وطائفية.

بين المستبق والمتفق والمرتبك

باعتماد ثبوت الرؤية الحسيّة، كانت دولة مالي أوّل بلد أعلن مساء الأحد المنقضي، رؤيته لهلال شوال “في عدة مناطق” كما جاء في بيان اللجنة المختصة بتحري هلال شوال، معلنة يوم الإثنين عيدا للفطر، مستبقة بذلك كل الدول الإسلامية.

وفي مدينة تمير  السعودية تم الإعلان مساء الإثنين عن ثبوت رؤية هلال شوال وعليه أعلنت السعودية أن الثلاثاء هو أول أيام عيد الفطر. وتبعتها الإمارات، بناءا على دول الجوار، كما قالت، لتتبعهم قطر والكويت والبحرين، معتمدين الرؤية السعودية، وبذلك تكون الدول الخليجية قد توحّدت جميعا واتفقت على اعتماد يوم الثلاثاء، متبعة الرؤية السعودية.

دار الإفتاء المصرية أصابها الارتباك، فحددت العيد يوم الأربعاء لعدم ثبوت الرؤية، قبل إعلان وسائل إعلام مصرية مواصلة استطلاع ظهور الشهر من عدمه عقب صلاة العشاء، ما أثار جدلا في البلاد.

هذا الجدل انتقل إلى ليبيا، فرغم توّحد هيئتا الإفتاء شرق البلاد وغربها، على عدم رؤية الهلال وأن العيد يوم الأربعاء، تراجعا معا قبيل الإمساك، بعد تأكيد المجلس الأعلى للقضاء تلقيه شهادات تؤكد رؤية الهلال بمدن كسبها، وبني وليد وسرت.

وكذلك اتفقت الأردن وفلسطين مع مصر على يوم الأربعاء.

اتحاد غير متحّد

إذا، على عكس دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء سلطنة عُمان) التي اتفقت على يوم واحد، فإن دول إتحاد المغرب العربي اختلفت فيما بينها، فرغم ثبوت الرؤية بالجزائر في ولايتي ورقلة والوادي، وموريطانيا حيث تم رؤية هلال شوال مساء الإثنين في عدة مناطق، منها، ولاته ، كرمسين، كيفة، كَرو ، ودار النعيم.

وليبيا كذلك أعلنت متأخرا عيدها بالثلاثاء، لكن على خلاف الجزائر وموريطانيا وليبيا، استأنست تونس والمغرب (التي أخرت صيامها بهم بيوم) بالحساب ليعلنا كلاهما الأربعاء عيدا.

الفارق الكبير في تحديد عيد الفطر بين البلدان خاصة المغاربية، أثار تساؤلات عدة بشأن عدم توحيد يوم العيد، بين من لا يرى بضرورة توحيد ذلك بحجة اختلاف مطالع الأهلة في مشارق الأرض ومغاربها، وبين من يرى بعدم جواز الخلاف في الإقليم الواحد، فما بلك والخلاف في البلد الواحد أو اابلدين المتجاوريْن، فمثلا كيف لاترى لجنة رصد الأهلة بتونس هلال شوال وتراه ليبيا والجزائر ؟ وكيف لا تراه المغرب بينما تراه جارتاها موريطانيا والجزائر خاصة وأن بعض المدن حيث تم رصد الهلال هي بلدان حدودية لدولة لم تر هلال شوال ؟ فكيف أغمي على تونس والمغرب حتى يكملا عدة الثلاثين ؟!

إنه لا يمكن فهم ولا تفهم مثل ذلك الأمر، إلا إذا كان المبرِّر أو السبب سياسيا أو طائفيا وموغلا في التعصّب في الولاءات والتبعية وبطاعة ولي الأمر، فما كان ينبغي لجانب علمي وعملي أن يدخل في السياسة أو الدين، أليس من الجدير ب”من شهد منكم الشهر فليصمه”.

ففي اليمن والعراق (اللتين كانتا تحيي أعيادها في يوم واحد قبل غزو العراق وقبل الإطاحة بنظام صالح) ولبنان، اتبعت ديار الإفتار للطائفة السنية الرؤية السعودية، بينما اتبعت مرجعيات الطائفة الشيعية إيران التي أعلنت الإربعاء عيدا.

أما الانقسام السياسي في سوريا والسودان فقد جعل النظامين يحددان يوم الاربعاء عيدا، على خلاف قوى المعارضة السورية وقوى الحرية التغيير السودانية التي اختارت يوم الثلاثاء.

هذا الانقسام السياسي المغلف بالدين وهو منه براء، هو من حول ليبيا إلى طرابلس وطبرق، واليمن إلى عدن وصنعاء، وسوريا إلى دمشق وإدلب، فصار يوم العيد في البلد الواحد يومين إثتين، الأول عيد والثاني تتمة لشهر رمضان.

أعتقد جازما أن كل مسلم وأنا واحد منهم، يحدوه الأمل في وحدة الأمة اليوم قبل غد، ولو في الاتفاق على عيد يجمعهم، لكن الواقع يقول يشير إلى أن أغلب الذين اختاروا يوم الثلاثاء عيدا إمّا يجمعهم الولاء للسعودية كرمز للإسلام السني إذا جازت التسمية، أو العداء لها، والعكس صحيح لحدّ مّا (باستثناء سلطنة عمان، تونس والمغرب).

فكل الذين حددوا الأربعاء عيدا هم من الطائفة الشيعية وقد ذهبوا مذهب الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

أما السبب الآخر الذي قد يراه البعض عاملا للاختلاف في توحيد يوم العيد بين المسلمين فهو كيفية رصد الهلال بين العين المجردة وآلات الرصد المتطورة إضافة للعلوم الفلكية المتطورة، وهو كذلك يبقى تبريرا غير واقعي في بلدين متجاورين، نظرا لاقتراب المطالع وسرعة نقل المعلومة في عصرنا الحالي، اللهم ما إذا كان البلدان بعيدان.

الفلكيون..”الاستقلاليون”

بينما اتبعت دولتا تركيا وماليزيا الحساب الفلكي، وبذلك نأت بنفسيهما عن الجدل والتجاذبات نوعا مّا، (رغم أن عيدها وافق يوم عيد الفطر بالسعودية)، وهو الحساب الذي يعتبر ميلاد القمر الجديد كبداية لشهر جديد.

ومعلوم أنّ الحساب الفلكي لا يرتقي إليه الشك علميا، لكن تفسيرات المشرّعين تقول بالرؤية البصرية أي العين المجردة رغم كون النصوص الشرعية نصت على وسيلة الرؤية وهي حسية العين مع امكانية الاستعانة بمناظير فقط لتصفية الرؤية أو اعتلاء الأماكن المرتفعة.

وبالتالي تصبح الرؤية واضحة في تحديد ميلاد الهلال فلا اختلاف بين المناطق فميلاد القمر علميا ليس كظهوره بصريا بعد ميلاده، ومن منطقة لأخرى.

بل أثبت الفلكيون أن آلات الرصد التقني والرقمي قادرة على تحديد ميلاد القمر لمئات السنوات القادمة.

أمل في الوحدة..

اتفقت الدول الاسلامية المشاركة في مؤتمر جدة لتأسيس مرصد إسلامي موحد للأهلة لتحديد رؤية هلال أول الشهر، لكن رغم ذلك آصرت بعض الدول على سيادتها في تحديد يوم العيد !

ورغم الكشف مؤخرا عن مشروع سعودي لتحويل برج الساعة بمكة المكرمة إلى مقر للمرصد إسلامي للأهلة، لتحري رؤية الأشهور، اعتبارا من شهر رمضان القادم، فإن الأمل سيظل قائما على الأقل في جسر الهُوة التي تفاقمت هذه السنة بشكل غير مسبوق بين العالم الإسلامي في تحديد يوم  إفطارهم .

مع أن مسألة السيادة ستبقى واقعا يفرض نفسه  ولم تخف السعودية دائما اعتبار نفسها قائدة للعالم الإسلامي، وقد سبق لإمام الحرم المكي رئيس عام المسجدين الحرام والنبوي، عبد الرحمن السديس أن اعتبر السعودية والولايات المتحدة الأمريكية هما قطبا العالم في التأثير وهما من يقودان الإنسانية نحو السلم والاستقرار !

وإلاّ لماذا اختارت السعودية نفسها من دون بلدان العالم الإسلامي الأخرى والعديدة أن تكون مقرا للمرصد الذي قالت إنه الأول للعالم الإسلامي.

وعموما يبقى الأمل قائما في تقليص فجوة الاختلاف الذي أصبح خلافا مكشوفا فاضحا واضحا تحول إلى وسائل التواصل الاجتماعي بين الموطنين العرب في مشارق الأرض ومغاربها وحتى في البلد الواحد، وصل حد مجاهرة البعض بإحياء العيد بعيدا عن فتوى دار الإفتاء الراجع إليها بالنظر.

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ربما الهلال الذي شوهد في الجزائر انتابه شيئ من الحياء والخجل فتوارى عن انظار االشعب المغربي لذلك لمن يرى هناك ، وقل ذلك عن كل بلد ثبتت فيه الرؤيا ، وعن الذي لم تثبت فيه .. مصيبة هذه الامة انها متفقة على الا تتفق على اهم قضاياها الجوهرية . ولنا في صفقة بيع فلسطين ( صفقة القرن ) خير مثال .. فالعرب بين ساكت عنها وبين مروج ومنغمس فيها .. انها حماقات السياسة والتنافس الاعمى على النفوذ والهيمنة .. لو تدخل ” ترامب ” وابلغهم برؤية هلال شوال لاجابه عبيده وحشمه وأكدوا ثبوته حتى وإن لم تثبت .. امة تختلف عن جرم سماوي مادي يُرَى بالعين المجردة . كيف يمكنها ان تتفق او تتلاقى وتجتمع على غيره ؟!. سحقا لامة لا تصلح الا للفتن ولقمع شعوبها ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here