محمَّــد عبد الشافي القُوصي: زوال “إسرائيل” يسبقه زوال الاستبداد

محمَّــد عبد الشافي القُوصي

   لمْ أندهِش عندما سمعتُ أنَّ (إسرائيل) تُهنِّئ “الجامعةَ العربية” بِذكرى تأسيسها.

  ولمْ أندهِش عندما سمِعتُ أنَّ هناك اقتراحاً بمنح (إسرائيل) عضوية بالجامعة العربية!

  ولم أندهِش عندما قرأتُ أنَّ (الحاخام الأكبر) يُصلِّي لأجل أن يحفظ الربُّ الرئيسَ “السيسي”!

ولمْ أتعجّب من كلام (نتانياهو) بأنَّ “قطار السلام” قاربَ على وصول محطّته الأخيرة في ظلّ وجود أفضل نُخبة من الزعماء العرب!

     لمْ أتعجّب كثيراً من هذا كله؛ لأنني سمعتُ من الشيخ “محمّد الغزالـــي” رحمه الله- حكمةً رفيعة، لن أنساها أبداً، وهيَ: أنَّ “زوال إسرائيل لابدَّ أن يسبقه زوال الاستبداد”!

   يعني: أنَّ جراثيم الظلم لا تنمو ولا تتكاثر إلاَّ في وجود بيئةٍ موبوءة بالطغيان!

     فالاستبداد أصل كلّ فساد، وقد أخبرني أحدُ أطباء جامعة كمبردج: أنه -بعد نصف قرن مِن ممارستهِ لمهنة الطب- توصَّلَ إلى سببٍ جديد لموت الإنسان، ألاَ وهو الظلْــم!

    ذات مرة؛ كنتُ في صحبة الكاتبُ الكبير “محمد جلال كشك” بوسط القاهرة، وقد شاهدنا أحد ضبّاط البوليس، يَصفع “بائــع الكُتُب القديمــة” بحذائه، ويقول له بازدراء: نحن فوق كلّ القوانين .. والرئيس قال “لا نُريد ثقافــة ولا مثقَّفيــن في البلد”!

  فاشتاط وجهُ “جلال كشك” من شدّة الغيظ، ثمَّ همس في أُذُني، قائلاً: ربّما كنتَ تحلم أن تكون أديباً كبيراً، أوْ كاتباً مرموقاً في أرض الطغيان … فالنَّديم ماتَ منفيًّا، والمنفلوطي ماتَ كمداً، والمازني ماتَ مِن الجوع، والعقَّـــاد لمْ يُكرم في وطنِــه!

    قلتُ له: لكن الاضطهاد –يا أستاذنا- لا يُطفئ غضبَ المقهورين، ولا يُطفئ الثورات، بلْ يزيدها اشتعالاً. فهزَّ رأسه، وقال: صدقتَ صدقت، فالمُستبدُّ مِن أجبْن الناس، وما يُغريهِ إلاَّ سكوتنا عن جرائره!

    يقول الكواكبي: إنَّ ظُهور الطاغية مرهونٌ بوجود بيئةٍ فاسدة، ومجتمعٍ يسوده الجشع والاستغلال، وحالةٍ مِن الانفلات والفوضى، بحيث يُصبح الطاغيــة هو “المُنقِــذ” و”المُخلِّص” الذي يُعيد الأمنَ والأمانَ إلى البلاد … حتى يتوهَّم المخدوعون أنهم أمِنَوا على أنفسهم, وأموالهم!

    نعم؛ مَن يتأمل في حالة ظهور أيّ طاغية من الطغاة؛ سيرى ذلك جليًّا، وسيكتشف أوصافه الخَلْقيّة والخُلُقيّة، وسيرى أنه: مُشوَّهـ نفسياً، ومُغترِب عن ذاته وعن شعبه! وأنه يُحيط نفسه بعصابةٍ مِن المُتسلِّقينَ؛ الذين يُقدِّمونه باعتباره “أبــو الشعب”! وكثيراً ما يُصوِّرونه وهو يَحمِل الأطفال، ويُصافح الفلاَّحات، ويزور المصابين في المَصحّات، وغير ذلك من ألاعيب الطغاة، واستخفافهم بالشعوب! وسيكتشِف –أيضاً- بأنه جبانٌ لا يَشعر بالأمان رغم ترسانتهِ العسكريّة! ولا يتورَّع مِن استخدام كافَّة الحِيَل لحماية نفسه: كمراقبة الهواتف، والتعاون مع البلطجيّة، وحبْس مُعارضيه، وتحويل البلاد إلى شلاَّلات من الدماء!

     انظر كيف تغيّرتْ الدنيا حولنا، وانتقلَ العالَمُ مِن عصر التصنيع إلى عصر تكنولوجيا المعلومات، ولا يزالُ الإنسانُ العربي يُراوح مكانه مِن وطأة القهر والطغيان … فقد تَغلغلَ الاستبدادُ في مفاصل حياتنا منذ تاريخٍ طويل مِن ألوان الحُكْم العسكري والطائفي والمشْيخي!

    صار الوطنُ العربي معسكَراً … كلّنا مساجين داخل أسواره، نُحيِّي العَلَمَ صباحَ مساء!

     ونَهتِف سائر اليوم بالأغاني الوطنيّة في حُب القائد المُلهَم والزعيم الخالد!

      لكن ما عسىاها أن تفعل تلك الشعوب المغلوبة على أمرها أمام سطوة الاستبداد الذي عشَّشَ وباضَ وفرخَ في تلك المجتمعات؟!

  في منتصف التسعينيات؛ أخبرني أحد الزملاء الإعلاميين –حينما كان مندوب رئاسة الجمهورية-: بأنَّ حديقة القصر الجمهوري كانت تحتوي على جميع أصناف الطيور والأسماك والحيوانات الأليفة، لكن كان ينقصها “سُــلحفاة” فقط! وعندما أتوا بها من أدغال أفريقيا، وأحضروها للرئيس مبارك؛ هالهُ ثمنها الباهظ! فقالوا له: ذلك لندرتها، وصعوبة الوصول إليها.  وقالوا له أيضاً: إنَّ متوسِّط عُمرها قد يصل إلى أربعمائة سنة … فهزَّ الرئيسُ رأسه، وقال: “طيِّب احنا قاعدين هنا، وسنرى”!!

    والحمد لله؛ أنَّ “الطاغية” قد رحل إلى الجحيم، وبقيَتْ السلحفاةُ … ونتمنَّى بقاءها بعد هلاك آخِر مُستبدّ في أرض الكنانة!

    روى المسعودي في “مروج الذهب”: عن يحيى بن مصعب الكلبي، عن عبد المَلِك بن عُميْر، قال: دخلتُ القصرَ بالكوفة (سنة67 هـ) فرأيتُ رأسَ عُبيْد الله بن زياد على تِرسٍ بين يدي المختار الثقفي، والمختار على السرير، ثمَّ دخلتُ القصرَ بعد ذلك بأشْهُر؛ فرأيتُ رأسَ المختار على تِرسٍ بين يدي مصعب بن الزبير، ومصعب على السرير، ثمَّ دخلتُ (سنة 71 هـ) فرأيتُ رأسَ مصعب على تِرسٍ بين يدي عبد الملِك بن مروان، وعبد الملك على السرير … ولمَّا رأى عبد المَلِكُ مِنِّي اضطراباً، سألني عن ذلك؟ فقلتُ: يا أمير المؤمنين دخلتُ هذه الدار فرأيتُ رأسَ ابن زياد ….. (الخبر المذكور)!

      فوثَبَ عبد المَلِكُ على الفور، وأمر بهدم الطاق على المجلس .. وولَّى هارباً”!

    انظروا؛ كمْ سَقَطَ مِن القتلى بسبب هذا الكُـــرســي المشئوم؟ وكمْ مِن الدماء التي سالت فوق هذا الكُــرســي وتحته؟ انظروا إلى حجْـم الملاحم والمآسي التي خلَّفتها مقاعد الحُكْــم اللَّعينة؟

      وما مِن ظالمٍ أوْ مستبدٍّ إلاَّ سقط بطريقةٍ تُناسبه، ومأساةٍ جديرة به!

    كلّ الجبابرة صاروا إلى نهايتهم المحتومة دونما حاجةٍ إلى مُــؤلِّف عبقـري أوْ مُخــرِج مُحترِف أوْ مُمـثِّل موهوب؛ ليُعيد أداء تلك المشاهد!

      فمسرح الحياة أكثر ثراءً بالعِبَـر والدروس التي تُغنِي عن أيٍّ مِن ذلك!

     حسبنا أن نعلَم ما حدثَ في بلدٍ واحدٍ فقط من البلدان، مِن المآسي في سبيل هذا الكُرسي؟

  فالعبَّاسيون قتلوا “مـــروان” وانتزعوا الحُكْم مِن الأُمويين، لكن سرعان ما تآمروا على أنفسهم! فالمأمون قتل أخاه الأمين ليجلسَ مكانه! والمُتوكّل قتل أباهـ المنتصِر، ثمَّ اغتيل المتوكِّل بعده!

    وقد كَثُرت الدَّسائس -في عصور الانحطاط- فالحاكم كان بين شَـرَّيْن: القتل، أوْ العزْل! فالمماليك قَتَلوا آخِر ملوك الأيوبيين “تــوران شاه”، واختاروا عز الدين أيْبـك، فَحَكَمَهم إلى أنْ قتلوه! ليَخلفه ابنه المنصور نور الدين لمدة عاميْن فقط، ثمَّ قتلوه! واختاروا “سيف الدين قُطُــز”، فَحَكَمَهُم إلى أن تخلَّص منه صديقه “بيبــرس” وجلس مكانه! وهذا القاتل الأخير ثارَ عليهِ بعض الأُمراء، وخلَفه ابنه السعيد، لكنَّ أُمراء العسْكَر خلعوه غير آسِفين عليه! فخلَفه سلامش بن بيبــرس، وخُلِع بعد أربعة أشهُر! فخلَفه المنصور قــلاوون …. !

       وهكذا تَوالَــى دورانُ “الكُـرســي المشئوم” حتى العصر الحديث!

  فقد اغتيلَ المَلِك غازي الأول بطريقة بشِعة! ثمَّ اغتيلَ فيصل بن الشريف بعده مباشرة! وقُتل نُوري السعيد على يد عبد الكريم قاسم؛ الذي سرعان ما انقلبَ عليه عبد السلام عارف، وقد اغتيلَ هذا المُنقلِب، كما اغتيلَ بعده حَسن البَكْر على يد ابن أُختهِ صــدَّام؛ وقد سِيقَ الأخير إلى حبل المشنقة … ومازال “الكُرسي” يُواصِل دورانه، ويتوعَّد مَن يُفكِّر في الاقتراب منه!

     ولماذا نذهبُ إلى الماضي البعيد، فبالأمس القريب، شاهدنا سيناريوهات تساقط الأنظمة المستبدّة، ومصير الطغاة! فمَنهم مَن اغتيلَ من أعوانهِ وحاشيته الأقربين! ومَنهم مَن الْتفَّ حبلُ المشنقةِ حول رقبته! ومنهم مَن دِيس بالأحذيةِ والنِّعال! ومنهم مَن سِيقَ إلى السجنِ مُكبَّلاً بالأغلال! ومنهم مَن فرّ هاربا … والحبلُ على الجــرَّار!

     فما الذي يمكِن أن يُبدِعه الأُدباءُ مِن القصص والروايات والملاحم أكثر مِن هذا!

     ما الذي يُمكِن أن يُصوِّره الأدباءُ مِن المآسي والفواجع أكثر مِن الواقع ذاته!

     كل هؤلاء الطغـــاة لَمْ يرحلوا عبر صناديق الاقتراع، بلْ أُسقِطوا بالانقلابات والثــورات!

     الحقَّ الحقَّ أقول: إنَّ هذه الوقائع التي رويتُها لكم تُجيب على سؤاليْن معا:

 أولهما: السؤال الذي يتردّد على شِفاه الملايين منذ سنين بعيدة: لماذا تأخَّــرنا، وتقدَّمَ غيرنـــا؟ والثاني: كيف استطاعت “إسرائيلُ” أن تَهزم العرب وتفرِض سطوتها طوال تلك العقود السبعة؟!

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

4 تعليقات

  1. بل هناك قاعدة رياضية اسمها ” الخطان المتوازيان ” لا يلتقيان أبدا مهما تمددا إلى ما لا نهاية : مقارعة الاحتلال وفي نفس الوقت اجتثاث الطابور الخامس المتمثل في الاستبداد

  2. شكرا على مقالك الجميل . المنتصر هو الذي قتل أباه المتوكل بالتآمر مع الأتراك ، وليس العكس .

  3. اخشى ان تكون النذالة والاستكانة والخنوع مورثة جينيا عند العرب…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here