محمود كعوش: حقوق اليهود المزعومة.. “إسرائيل” تطالب بحقوق مزعومة لليهود في دول عربية وتتنكر لحقوق الفلسطينيين!! “إسرائيل” تطالب باستعادة هذه الحقوق المزعومة أو التعويض عنها!!

محمود كعوش

مستبقة الإعلان عن “صفقة العصر” الأمريكية المزعومة، “إسرائيل” تعيد إثارة مسألة “أملاك اليهود في دول عربية”!!

التقرير الذي نشرته “شركة الأخبار – القناة الإسرائيلية الثانية سابقاً”، في الخامس من كانون الثاني/يناير الجاري “عام 2019″، حول “ممتلكات وحقوق اليهود” المزعومة في دولتين عربيتين توطئة لنشر المزيد حولها في دول عربية أخرى، كان مثاراً للسخرية والاستهجان، أولاً، لأن هذا التقرير جاء اجتراراً مملاً لتقارير سابقة مماثلة، وثانياً، لأنه تضمن ادعاءات وأكاذيب ومغالطات لا صحة ولا وجود لها. فقد اعتادت “إسرائيل”، على إلقاء فقاعات وبالونات إعلامية بين الحين والآخر، تدعي من خلالها عزمها على مطالبة الدول العربية بدفع تعويضات مالية، مقابل أملاك تركها فيها اليهود الذين هاجروا منها!!

فقد ذكرت تلك “الشركة” “الإسرائيلية” الحكومية، أنّ تل أبيب قدّرت، من خلال عمليّات سريّة، “الممتلكات اليهوديّة” في ليبيا وتونس بخمسين مليار دولار، وسط تقديرات بوصول “ممتلكات اليهود” في الدول العربية إلى 250 مليار دولار. وكشفت الشركة أن الإعلان عن المبلغ الكلي سيتم قريبًا، وأن حصر “ممتلكات اليهود” في الدولتين العربيتين جاء ضمن الاستعداد “الإسرائيلي” للإعلان عن خطّة السلام الأمريكيّة الموعودة التي اختيرت لها تسمية “صفقة القرن”، أو كما نسميها نحن “صفعة العصر”، مضيفة أن تونس وليبيا ليستا إلا دولتين من دول أخرى “تسع منها عربية هي ليبيا، تونس، مصر، العراق، سورية، المغرب، الجزائر، لبنان، اليمن، إضافة إلى دولة إقليمية هي إيران” ، تجري إسرائيل” فيها عمليّات لحصر ممتلكات اليهود، من قبل شركة مراقبة حسابات دوليّة تعمل لصالح الحكومة الإسرائيليّة”.

ووفقاً لما ذكرته “شركة الأخبار”، فإن “عملية حصر ممتلكات اليهود في الدول العربية بدأت قبل ثمانية عشر شهراً بشكل سريّ، وإن الأموال “لن تعاد إلى اليهود من أصول عربيّة، إنما ستوضع في صندوق دوليّ خاص لصالح “إسرائيل”.

وكان “البرلمان الإسرائيلي – الكنيست” قد سنّ في العام 2010 قانونًا يلزم السلطات “الإسرائيليّة”، بتضمين كل مفاوضات سلام تجريها “إسرائيل”  مع الفلسطينيين والعرب بشكل عام موضوع “تعويض اليهود العرب عن ممتلكاتهم التي تركوها وراءهم قبل الهجرة” إلى فلسطين، لكن الفحص الشامل لتقدير هذه الممتلكات لم يبدأ إلا في فترة الثمانية عشر شهرًا المشار إليها سابقاً، على خلفيّة الإعلان المحتمل للصفقة – الصفعة الأمريكيّة المزعومة. وتدير وزيرة المساواة الاجتماعيّة، غيلا غملائيل، بالتعاون مع مجلس الأمن القومي “الإسرائيلي” ما أطلقت عليه تل أبيب تسمية “مشروع حصر ممتلكات اليهود العرب”.

وترجّح مراجع تاريخية، أن اليهود الذين “هاجروا” من الدول العربية إلى “إسرائيل” بين عاميّ 1948 و 1950، شكّلوا، في حينه، 42% من مجموع سكانها، وأنّ موجات الهجرة تلك شكّلت “لإسرائيل” المادة البشرية الخام اللازمة لإحلالها محل الفلسطينيين، الذين جرى تهجيرهم من قراهم ومدنهم، بعد أن نضبت ينابيع الهجرة الأوروبية. وشكّلت الهجرة من الدول العربية في تلك الفترة 47% من مجموع الهجرة اليهوديّة، وساهمت في مضاعفة عدد سكان “إسرائيل” اليهود، بعد أن زوّدتها بما يربو على نصف مليون مهاجر جديد. ونفّذت الحركة الصهيونيّة مئات عمليّات نقل اليهود العرب إلى فلسطين، مثل عملية “البساط السحري”، التي نقل بموجبها 50 ألف يهودي في 425 رحلة جوية من اليمن، و”بساط الريح”، التي نقل فيها 50 ألفًا، بينما نقل قرابة 113 ألف يهودي عراقي إلى “إسرائيل” بطائرات أمريكيّة في عمليّة أطلقت عليها تسمية “علي بابا”.

من الضروري الإشارة إلى أن كل المعلومات والمعطيات التي أوردها تقرير “شركة الأخبار” والتقارير “الإسرائيلية” الأخرى الخاصة بهذا الشأن هي معلومات ومعطيات “إسرائيلية”، تقف وراءها جهتان رسميتان، الأولى، هي وزارة المساواة الاجتماعية، أو وزارة المواطنين القدامى، كممثلة عن الحكومة “الإسرائيلية”، والتي تعمل على تركيز المعلومات والمعطيات حول “أملاك اليهود” في الدول العربية وإيران، والثانية هي مؤسسة تدعى “بيت الشتات” العبرية، ويعمل فيها باحثون “إسرائيليون” فقط.

“مساواة الضحايا بالمجرمين”

سعي “إسرائيلي” دؤوب لمساواة حقوق الفلسطينيين بما  اصطلح على تسميته زوراً وبهتاناً “حقوق المهاجرين اليهود” في الدول العربية!!

لوحظ في السنوات الأخيرة تزايد اهتمام “إسرائيل” بمسألة المطالبة بما سمى زوراً وبهتاناً “حقوق المهاجرين اليهود”. وترافق ذلك الاهتمام مع اقتراحات بإنهاء موضوع اللاجئين الفلسطينيين على قاعدة “مساواة الضحايا بالمجرمين”، وربط كل اتفاقية مستقبلية بشأن اللاجئين بمسألة الممتلكات المزعومة للمهاجرين اليهود. وعرفت السنوات الأخيرة الكثير من المؤتمرات والدراسات بهذا الخصوص، إلى جانب قيام “إسرائيل” بممارسة الضغوط المكثفة والمتلاحقة على الولايات المتحدة والدول الغربية لاتخاذ قرارات برلمانية تؤيد مسألة الاعتراف بما سمي “حقوق المهاجرين اليهود”.

ووفقاً لما جاء في بحث نشرته مجلة “البيادر السياسي” المقدسية الورقية التي كانت تصدر في مدينة القدس المحتلة ولم تزل تصدر بنسختها الإلكترونية للأستاذ “تيسير أبلاسي”، فإن الكونغرس الأمريكي أصدر في نيسان/أبريل 2008، قراراً حمل الرقم 185، اعترف بموجبه بحقوق اليهود الذين تركوا الدول العربية. وأشار القرار إلى أن أي حل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يكون مرتبطاً بتعويضات مشابهة لليهود الذين تركوا الدول العربية، وذلك كشرط لسلام عادل وشامل، حسب مفاهيم الكونغرس الأمريكي.

ورغم أن قرار الكونغرس لم يكن ملزماً، ولم يصدر عن هيئة دولية، إلا أنه أشرَّ إلى التوجهات الأمريكية التي تساوي بين الضحايا والمجرمين، وتطالب بتعويض المحتلين “الإسرائيليين”، إضافة إلا أنه، على عكس الحقائق التاريخية، ادعى أنه تم “طرد اليهود في الدول العربية بالقوة وسلبت ممتلكاتهم، وبالتالي لهؤلاء اليهود حقوق شرعية كلاجئين”، بينما لم يُشر الكونغرس الأمريكي في قراره إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين تم طردهم بقوة السلاح وجميع أساليب الإرهاب والإجرام واغتصبت أراضيهم وانتهكت أعراضهم ومنعوا من العودة إلى قراهم ومدنهم. وأذكر أن حزب “شاس” الذي يمثل اليهود الشرقيين المتدينين كان قد توجه في حينه إلى البرلمان “الإسرائيلي – الكنيست” بطلب عدم التوقيع والمصادقة على اتفاقيات سلام مع الدول العربية دون تعويض اليهود الذين تركوا البلاد العربية. وقد حظي اقتراح حزب “شاس” بتأييد الكثيرين، إلا أن الحكومة “الإسرائيلية” برئاسة مناحيم بيغن لم تصر على وجود بند يتعلق بالتعويضات لليهود في اتفاقية السلام. ويبدو أن التوجهات “الإسرائيلية” الجديدة هي نتاج الآلة السياسية والمؤسساتية “الإسرائيلية” التي تسعى بشكل مستمر ومتواصل للتصدي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ومنع إمكانية حلها حسب القرارات الدولية، وكلما تطور الحديث بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين تثير “إسرائيل” موضوع اليهود المهاجرين من الدول العربية كسلاح للقضاء على الحق الفلسطيني، بالادعاء أن الحل يتوجب أن يقوم على التبادلية السكانية.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يدعي بنيامين نتنياهو أن “سياسة الطرد” التي تعرض لها اليهود في الدول العربية التي كانوا يقطنونها، تأتي كتبادل سكاني مع الفلسطينيين، ولا يعترف نتنياهو وزمرته بطرد اللاجئين الفلسطينيين بل بالادعاء الرسمي لحزب التكتل – ليكود وهو أن السكان الفلسطينيين “تركوا قراهم ومدنهم بمحض إرادتهم”، ومثل هذا التبادل، كما يراه الكثيرون من اليهود، جرى حسب اعتقادهم في مراحل تاريخية مختلفة خلال القرن العشرين.

ويتذرع نتنياهو في مزاعمه “بالمقايضة التاريخية المتوازية تقريباً بين أعداد الفلسطينيين الذين طردوا من بلدهم والأعداد التي جلبتها الحركة الصهيونية من يهود الدول العربية، وكذلك الأمر بالنسبة للأراضي والأملاك التي تخلى عنها اللاجئون الفلسطينيون”، حسب ادعاءات الحركة الصهيونية مقابل الأراضي التي تخلى عنها اليهود “الذين فروا من الدول العربية”. وبناء على هذه المقارنة يقول نتنياهو أنه يتوجب على “إسرائيل” رفض تطبيق قرار العودة والتعويض الرقم 194، لكونها لم تسلب الشعب الفلسطيني أراضيه وحقوقه ولم تحوله إلى شعب من اللاجئين!!

ويشار إلى أنه في 4 تشرين أول/أكتوبر 1977، أي قبل مفاوضات كامب ديفيد، تم توقيع مذكرة تفاهم بين الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ووزير الخارجية “الإسرائيلي” في حينه موشية ديان جاء فيها أنه “يتم حل مشكلة اللاجئين اليهود والعرب وفقا للقواعد التي يتم الاتفاق عليها”، وقد مورست ضغوط على الرئيس الأمريكي بهذا الصدد حيث عاد وأضاف، بعد مفاوضات كامب ديفيد، في مؤتمر صحفي عقده في السابع والعشرين من تشرين أول/أكتوبر 1977، أن للفلسطينيين حقوقاً، و”هناك أيضاً لاجئون يهود لهم نفس الحقوق”.

وفي العام 1997 قرر حزبا العمل والليكود صياغة موقف مشترك من قضايا الحل النهائي مع الجانب الفلسطيني، وتم تشكيل لجنة مشتركة ضمت ممثلين عن تكتل الليكود “الليكود – تسوميت – غيشر” برئاسة ميخائل إيتان، وممثلين عن حزب العمل برئاسة الدكتور يوسي بيلين، وتوصلت اللجنة إلى ما سميّ في حينه “خطة اتفاق وطني حول مفاوضات الوضع الدائم مع الفلسطينيين”. وتم التطرق في وثيقة بيلين – ايتان إلى قضية “اللاجئين اليهود”، وأنه ستتم المطالبة “بحقوق وتعويضات اليهود الشرقيين في إطار حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين”. وتم التطرق ضمن بنود الوثيقة إلى إنشاء “منظمة دولية” يكون “لإسرائيل” دور فعّال فيها، بهدف تمويل التعويضات وتمويل مشاريع ما سمي “إعادة تأهيل اللاجئين الفلسطينيين” في أماكن إقامتهم، كذلك من خلال المنظمة الدولية المذكورة المطالبة “بحصول المهاجرين اليهود على تعويضات من الدول العربية”.

وفي حزيران/يونيو عام 2000، صرح الرئيس بيل كلنتون أنه “تمت إثارة قضية اللاجئين اليهود، وأنه لا بد من إنشاء صندوق دولي لقضية اللاجئين، وأنه يتوجب أن يتم تعويض اللاجئين اليهود الذين اصبحوا لاجئين بسبب الحروب التي وقعت بعد ولادة إسرائيل”. ومنذ تلك الفترة تحركت العديد من المؤسسات اليهودية بدعم رسمي لإبراز “مسألة اللاجئين اليهود” ضمن خطة عامة على المستوى الدولي بعد مؤتمر كامب ديفيد الثاني، ونشطت منظمات يهودية لهذا الغرض، و كان أهمها “JJAC”، مؤسسة العدالة لليهود من الدول العربية. وقد بدأ التحرك على المستوى الدولي في 11 تشرين أول/أكتوبر 2003، ونشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالاً بعنوان “هل اليهود الذين فروا إلى إسرائيل من الدول العربية لاجئون أيضا؟” وكان ذلك إيذاناً ببدء حملة إعلامية عالمية بهذا الخصوص. وقد بدأت هذه المنظمات بالعمل على استصدار قرارات من هيئات دولية وطرحت مشاريع قوانين على مجلسي الشيوخ – الكونغرس والنواب الأمريكيين للحصول على اعتراف رسمي من الإدارة الأمريكية، ونجحت في الحصول على القرار رقم (185 HRES) الذي صدر في 27 نيسان/أبريل 2008، ووافقت عليه لجنة العلاقات الخارجية بعد عام من تقديمه تقريباً. وكان عضو مجلس الشيوخ جيرالد نادلر Jerrold Nadler الذي قدم المشروع قد صرح قائلاً “ببساطة لا اعتراف بحقوق اللاجئين الفلسطينيين دون الاعتراف بحقوق اللاجئين اليهود، الذين يفوقون عدد اللاجئين الفلسطينيين”!!

والقرار الحكومي “الإسرائيلي” 1263 منح في حينه الوزير رافي إيتان “حزب المتقاعدين” مسؤولية الاهتمام بقضية ما يسمى باللاجئين اليهود، والعمل على استعادة الممتلكات اليهودية المزعومة. وأشار الوزير إيتان في حينه أن في نيته العمل من أجل التوصل إلى قرار حكومي يقضي بأن أية مباحثات بشأن اللاجئين يجب أن تكون على قدم المساواة بين حقوق اليهود “اللاجئين” واللاجئين الفلسطينيين، وضمن ذلك برزت الادعاءات بأن “هنالك تفوقاً عددياً للاجئين اليهود” المزعومين، وأن عددهم “يفوق عدد اللاجئين الفلسطينيين، بحيث أن عدد الفلسطينيين اللاجئين هو 650000 تقريباً بينما اليهود عددهم 865000 تقريباً، وبناء على ذلك فالممتلكات اليهودية أكثر بكثير من ممتلكات الفلسطينيين، وبالتالي فاليهود يستحقون تعويضات اكبر”. وليس ذلك فحسب إنما يتوجب تقديم المساعدات “لإسرائيل” لآنها قامت بحل “مشكلة اللاجئين اليهود واستيعابهم”، والأهم من ذلك ضرورة استصدار قرار دولي بهذا الصدد، وهو ما تعمل الحكومات “الإسرائيلية” جاهدة للحصول عليه، بحيث يتم الاعتراف دولياً باليهود الشرقيين كلاجئين والنفاذ للنصوص الدولية يعني منح “إسرائيل” حق عدم تنفيذ القرار 194 تحت ادعاء التبادلية وعدم قدرتها على استيعاب المزيد من السكان لمحدودية قدراتها بينما هناك مساحات واسعة من الأراضي في الدول العربية يمكن توطين الفلسطينيين فيها.

وفي ظل هذا الوضع تواصل الحكومات “الإسرائيلية” ضغوطها على الجانب الفلسطيني بادعاء ضرورة تعويض اليهود الشرقيين أو ربما بالمقابل تراجع الجانب الفلسطيني عن “حق العودة” وتصفية القضية ضمن إطار الدويلة الفلسطينية المقطعة الأوصال والمنزوعة السلاح والسيادة، هذا إن رضيت “إسرائيل” بذلك، وتصبح الدول العربية التي تركها السكان اليهود “بمحض إرادتهم” عرضة للضغوط الدولية لاستيعاب الفلسطينيين عوضاً عن دفع تعويضات لليهود الشرقيين، وستصبح لدى الحكومات “الإسرائيلية” تكتيكات جديدة للتلاعب بأوراق المفاوضات، والمطالبة باعتراف عربي وفلسطيني بيهودية الدولة يدخل ضمن هذه التكتيكات!!

استغلت “إسرائيل” الاحتلال الأمريكي – الغربي للعراق، لتدعي حقوقاً لليهود فيه!!

يوم تعرض الوطن العربي لزلزال سقوط بغداد بقبضة الاحتلال الأمريكي – الغربي الغاشم، رأى الخبراء والباحثون “الإسرائيليون” في ذلك الحدث الجلل نهاية لآخر العراقيل والعقبات التي كانت تعترض الغزو الدبلوماسي “الإسرائيلي” للعواصم العربية. فالنظام البعثي في العراق، بكل ما كان يمثله من توجه وطني وقومي، شكل على الدوام أحد أهم الموانع العربية الحقيقية والصادقة التي حالت باستمرار دون تطبيع وتنظيم التعاملات والعلاقات العربية – “الإسرائيلية” وفق المنظور الاستراتيجي للصهيونية العالمية في الوطن العربي.

في حينه التقت رؤية هؤلاء مع رؤية أقرانهم العرب، الذين أجمعوا بدورهم على أنه ما كان للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن أن يغزو ويحتل العراق لو لم يتوفر التطابق بين أفكاره والأفكار التوراتية والتلمودية لرئيس الوزراء “الإسرائيلي” أثناء عهده آرئيل شارون، ولو لم يحصل التوافق بين المشروعين الأمريكي و”الإسرائيلي” الخاصين بالوطن العربي. وبمعنى آخر، فإن جورج بوش الابن يوم اتخذ قرار الغزو والاحتلال أراد من وراء ذلك تمكين الولايات المتحدة من تحقيق استراتيجيتها الاستعمارية الجديدة في شقها المتعلق بالوطن العربي وتحسين بيئة البقاء “لإسرائيل” والارتقاء بمكانتها الجيوستراتيجية فيه.

وعلى خلفية ذلك، حصل التغلغل “الإسرائيلي” داخل العراق في ظل حماية أمريكية، واتخذ أشكالاً ووجوهاً مختلفة تفاوتت بين الأنشطة الاقتصادية والتجسسية والاستخباراتية والتدريبية والاستشارية والدينية والدبلوماسية. وقد ساعدت التسهيلات التي قدمها “الشركاء” العراقيون الذين عادوا الى العراق فوق ظهور الدبابات الأمريكية على تنامي وتصاعد وتيرة ذلك التغلغل، بحيث مكنت “الإسرائيليين” من تنفيذ جزء كبير من مشروعهم داخل العراق في وقت أقصر مما توقعوا. فبعد أقل من شهرين على سقوط بغداد وتحديداً في شهر حزيران/يونيو 2003، تمكنت “إسرائيل” من إقامة سفارة لها دون الإعلان عن ذلك. وعمل في تلك السفارة التي احتلت أحد قصور “المنطقة الخضراء” أكثر من 750 دبلوماسياً وعنصر استخبارات ورجل أعمال كانوا يزاولون مهامهم بجنسيات أمريكية وأوروبية مختلفة. وكانت قوات الاحتلال الأمريكية تقوم على حراسة تلك السفارة والإشراف على أمن العاملين فيها.

ووفقاً لمعلومات سربتها الحكومة “الإسرائيلية”، فإن المقبور آرئيل شارون قد فكر بتسمية سفيره الأول لدى العراق بعد تشكيل حكومة إبراهيم الجعفري والمصادقة عليها من قبل الجمعية الوطنية العراقية. وقد وقع اختياره في حينه على وزير البنى التحتية في حكومته بنيامين بن أليعاز لتولي تلك المهمة. وبن اليعازر كما نعرف هو “إسرائيلي” من أصل عراقي، ولد في مدينة البصرة وهاجر الى “إسرائيل” في خمسينات القرن الماضي مع آلاف اليهود العراقيين. ووفقاً لذات المعلومات، فإن إقامة علاقات دبلوماسية بين العراق و”إسرائيل” كانت على وشك أن تتحقق، لأن الإدارة الامريكية قررت في حينه فرض تطبيع العلاقات فيما بين البلدين كشرط أساسي لدعم وحماية حكومة الجعفري، وذلك استناداً لقانون إدارة الدولة العراقية الذي أقره الحاكم المدني السابق بول بريمر ووقعه مجلس الحكم العراقي في 8 آذار 2004!!

ويوم تعمدت سلطة الاحتلال الأمريكية اسقاط تمثال الرئيس الأسير صدام حسين في إطار مسرحية هوليودية للدلالة على سقوط بغداد، نجحت تلك السلطة في لفت الأنظار عن عمليات النهب والسرقة والتخريب المنظمة التي طالت جميع البنى التحتية للدولة العراقية. وهي حين فعلت ذلك، قصدت التعتيم على ما كانت تقوم به مجموعات تابعة لجهاز “الموساد الإسرائيلي” من سرقة لتاريخ وثقافة وحضارة العراق. فعلى سبيل المثال لا الحصر، تمكنت إحدى تلك المجموعات بالتعاون مع رجال الاستخبارات الأمريكية “سي.آي.إيه” من السيطرة على أكبر مكتبة يهودية أثرية في العراق، كانت محفوظة في مبنى المخابرات العراقية ونقلتها بطائرة خاصة من مطار صدام حسين الى تل أبيب، وكانت المكتبة التي تضم تحفاً نادرة لا تقدر بثمن من كتب التوراة والتلمود والقبالة والزوهار المخطوطة على لفائف البردى وجلد الغزال يعود تاريخها الى أكثر من 2500 سنة، محفوظة في العراق منذ السبي البابلي لليهود. ومنذ ذلك اليوم وحتى تاريخ انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية، عاث “الإسرائيليون” في العراق فساداً ما بعده فساد، من قتل واغتيال العلماء وأساتذة الجامعات ورجال الدين، الى تعذيب الأسرى والمعتقلين، وصولاً الى محاولة طمس المعالم التاريخية والثقافية والحضارية لكثير من الأماكن والمواقع العراقية، بما فيها مدينة بابل نفسها. وجرى كل ذلك تحت سمع وبصر قوات الاحتلال وبتسهيلات منها.

لذا لم يكن مفاجئاً ولا غريباً بمكان قيام “الإسرائيليين” بتطويع جميع الأدوات والوسائل المتاحة لهم من أجل تكريس تغلغلهم داخل العراق، بما في ذلك المطالبة بتفعيل قانون إدارة الدولة العراقية وبالأخص الفقرات المتعلقة بـ “حق اليهود العراقيين المهجرين في العودة الى العراق والمطالبة بأملاكهم الموجودة فيه”. لما لا وقد سبق لهم أن استغلوا وجود بول بريمر في العراق كحاكم مدني معين من قبل الإدارة الأمريكية للحصول على جوازات سفر عراقية مكنتهم من التنقل فيما بينه وبين “إسرائيل” بيسر وسهولة. وبعد ذلك تمكنوا من الحصول على بطاقات مكنتهم من المشاركة في الانتخابات التي جرت في 30 كانون الثاني/يناير من عام 2005. وقد جرى كل ذلك على خلفية تلك الفقرات التي تم تفصيلها على مقاسات “إسرائيلية”، في اطار خطة لتحويل العراق الى قاعدة عسكرية أمريكية – “إسرائيلية” مشتركة في قلب الوطن العربي.

ولعل ما عبر عنه السلوك “الإسرائيلي” على هذا الصعيد، عكسه وقتها إعلان هيئة دعاوى الملكية العراقية التي تشكلت بموجب القانون المذكور عن أنها بصدد النظر الجدي في اعادة أملاك اليهود العراقيين الذين غادروا العراق في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات من القرن العشرين “الماضي” ضمن موجات الهجرة الى فلسطين التي تزامنت مع قيام دولة “إسرائيل” بموجب قرار دولي جائر، وهو ما عنى أن “الإسرائيليين” قد بدأوا بتفعيل القانون ووضعه موضع التنفيذ العملي. فقد تلقت الهيئة الدعوى الأولى بهذا الشأن من امرأة “إسرائيلية” من أصل عراقي تُدعى بان موريس بشارة، طالبت فيها باستعادة أرض في منطقة الكرادة الشرقية داخل بغداد، كانت قد باعتها بعد الولادة القيصرية “لإسرائيل”.

وبالرغم من أن البت بدعوى بشارة بدا أمراً مستحيلاً بسبب التقادم الزمني وانتقال ملكية أرضها الى عدد من العراقيين بموجب عقود بيع قانونية ومبالغ مالية معلومة مما جعلها مخالفة لقوانين الملكية العراقية، إلا أن الهيئة وجدت نفسها مضطرة تحت ضغط “قانون بريمر” للنظر فيها، الأمر الذي كاد أن يهدد بفتح الباب على مصراعيه أمام 120 ألف يهودي عراقي يحملون الجنسية “الإسرائيلية” للمطالبة بأملاكهم السابقة في العراق. وفيما لو تحقق ذلك، لا قدر الله، ما كان مستبعداً أن يُعاد توطين هؤلاء فيه من جديد بدعوى استعادة أملاكهم!!

وفي الوقت الذي كانت “إسرائيل” تمعن في التغلغل داخل العراق المحتل الذي رغبت إدارة الاحتلال الأمريكية في جعله “نموذجاً يحتذى به في الوطن العربي” بذريعة “حقوق اليهود” فيه، تسابق أعوانها في الكونغرس لاستصدار قانون أنكر على الفلسطينيين حقوقهم في وطنهم. والأسوأ من ذلك أنها عملت على مصادرة ما أمكنها من الحقوق المتبقية لهم في أراضيهم التي احتلت عام 1967، تحت سمع وبصر العالم أجمع، بما في ذلك العرب حكاماً ومحكومين.

يهود عراقيون يجددون المطالبة بالتعويض عن “خسائرهم وأملاكهم”!!

هذا وتداعت أصوات اليهود العراقيين في الآونة الأخيرة، إلى مطالِبةً الحكومة العراقية و”إسرائيل” بتعويضهم عن خسائرهم وأملاكهم التي تركوها عند تأسيس دولة الاحتلال المزعومة. وفي بداية القرن العشرين، كان يهود العراق يشكّلون مجموعة ناشطة اقتصادياً وثراءً وعماداً للطبقة الوسطى، لكن معظمهم نزحوا بشكل جماعي بعد قيام “إسرائيل” عام 1948، بعدها أُقرّ قانون “إسقاط الجنسية” عمن غادروا من دون تنسيق مع الحكومة، كما صدر قانون آخر يقضي بتجميد أموال المغادرين.

وتدعم حكومة الاحتلال مطالبات اليهود بالعودة إلى أملاكهم، ووصف إميل كوهين، اليهودي العراقي الذي عاش أسلافه بمدينة البصرة، المطالبات بأنها مسألة سياسية لا أكثر.

وتعتبر عقارات اليهود في العراق من العقارات المتميزة بموقعها التجاري في بغداد ومختلف المحافظات العراقية، لكن أغلبها – وبحجة “الاستثمار”- استحوذ عليها مستثمرون تابعون لأحزاب متنفذة بالحكومة، بحسب ما كشفه مصدر في أمانة العاصمة.

وقال مصدر من “أمانة بغداد”، طالباً عدم الكشف عن هويته، لأسباب أمنية: “أغلب عقارات اليهود تقع بأماكن تجارية متميزة في بغداد؛ ما شجَّع الكثير من المستثمرين الذين يرتبطون بأحزاب متنفذة، على استئجار تلك العقارات من أمانة بغداد بأسعار رمزية”، مؤكداً أن “مدة استئجار تلك العقارات تجاوزت 20 عاماً”.

وأضاف المصدر لـ”الخليج أونلاين”: إن “من أبرز تلك العقارات منطقة التوراة الواقعة على ضفاف نهر دجلة، وتحتوي على بيوت وأسواق وخانات، ومراكز ثقافية ودينية، بعضها مختوم عمرانياً بنجمة داود، التي تدل على أنها تعود لعائلات يهودية”.

كما أشار إلى أن “عدد أملاك اليهود (12.736) عقاراً، موزعة في عموم محافظات العراق، تم تمليك 2066 عقاراً لبعض الوزارات والدوائر ذات العلاقة”.

ومن ضمن تلك العقارات والمنازل التي استأجرها أحد المستثمرين، منزل أول وزير مالية في الدولة العراقية، اليهودي حسقيل ساسون، والذي لم تعتبره “أمانة بغداد” ضمن المنازل التراثية، رغم أن عمره تجاوز قرناً كاملاً.

المراقد والمزارات التابعة للطائفة اليهودية في جنوبي العراق لم تَسلم هي الأخرى من التجاوزات؛ فقد استولت المليشيات على “مرقد النبي عُزير” في محافظة العمارة، و”مرقد نبي الله ذي الكِفل” بمحافظة بابل جنوبي بغداد، ليكونا تحت سيطرة الوقف الشيعي، والبعض الآخر تحول إلى مقرات خاصة بالمليشيات .

وفي السياق ذاته، أكد رئيس ديوان الوقف الشيعي السابق، صالح الحيدي، في تصريح صحفي، “عائدية مرقد نبي الله ذي الكِفل، الواقع بمحافظة بابل، إلى ديوان الوقف الشيعي”.

ولقي هذا الموضوع تعليقات من سياسيين عراقيين، فقد أكد القيادي في تحالف “سائرون”، بزعامة مقتدى الصدر، رائد فهمي، في 24 أغسطس، دعمه كل مواطن عراقي انتُزعت جنسيته ظلماً، وضمن ذلك اليهود الراغبون في العودة إلى العراق.

وقال فهمي في تصريح صحفي: “من حيث المبدأ والقيم، نحن مع إعطاء الحقوق لأي مواطن عراقي، وضمن ذلك اليهود”، لكنه أضاف: إن “توقيت المطالبة بإعادة الجنسية العراقية لليهود الذين غادروا العراق غير مناسب”.

وبيَّن أن “الظرف السياسي الحالي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار عندما تناقَش قضية كقضية اليهود، من أجل معرفة الأشخاص الذين يطالبون بحقوقهم وإعادة الجنسية لهم؛ لإبعاد أي ضرر عن النسيج العراقي”.

ودعا فهمي إلى حوار مجتمعي حول هذا الموضوع، والتوصل إلى نتائج عقلانية بعيداً عن التشدد.

وقال الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، في الثاني من يونيو الماضي، تعليقاً على مطلب عودة اليهود العراقيين: “إذا كان ولاؤهم للعراق فأهلاً بهم”.

ويُذكر أن الطائفة اليهودية في العراق كانت تشكل نسبة أكثر من 2% من مجموع السكان العراقيين في عام 1947، وهذه النسبة انخفضت بشكل كبير جداً عام 1951 بعد هجرتهم إلى “إسرائيل”.

معلومات “إسرائيلية” مغلوطة حول اضطهاد العرب لليهود بهدف إثارة الرأي العام

نشير إلى أن الحكومة “الإسرائيلية” أطلقت في الأول من كانون الأول/ديسمبر 2016، على لسان المتحدث باسمها “أوفير جندلمان”، بيانات مغلوطة حول عدد اليهود في الدول العربية قبل هجرتهم إلى فلسطين المحتلة لتتهم الدول العربية بمعاداة اليهود ومصادرة ممتلكاتهم دون مستندات أو وثائق رسمية تثبت صحة تلك المعلومات. وقال “جندلمان” في حينه أن “إسرائيل تستذكر في ذلك اليوم مصير أكثر من 850 ألف يهودي طردوا من الدول العربية وإيران خلال القرن العشرين”. وادعى أن ذلك اليوم يمثل “ذكرى مأساة اليهود الذين أجبروا على ترك منازلهم والدول التي عاشوا فيها لمدة لا تقل عن ألف سنة، بسبب ديانتهم اليهودية فقط”. كما ادعى أنه “تم حرمان الكثير من اليهود من أملاكهم، كما عانوا من العنف والاضطهاد”، مضيفاً أن “قضية نفي جميع الطوائف اليهودية عن الأراضي العربية تعتبر جزءا مهما لا يتجزأ من التاريخ اليهودي المعاصر”، مشيرا إلى أنه “عند إقامة إسرائيل كان يعيش في الدول العربية وإيران ما يزيد عن 850 ألف يهودي، وأن هناك أرقاما أخرى تشير إلى أن عدد اليهود يقترب من مليون نسمة”!!

وادعى “جندلمان” أن “حوالي 259 ألف يهودي هربوا من المغرب في منطقة شمال أفريقيا، و140 ألف يهودي من الجزائر، و100 ألف يهودي من تونس، و75 ألفا من مصر و38 ألفا من ليبيا، إضافة إلى نفي 135 ألف يهودي من العراق، و55 ألف يهودي من اليمن، و34 ألفا من تركيا، و20 ألفا من لبنان و18 ألفا من سورية، بينما أجبرت إيران 25 ألف يهودي على المغادرة”. وادعى أن العراق شهد في شهر حزيران/يونيو عام 1941 اضطرابات سُميت بالفرهود “استهدفت الطائفة اليهودية التي عاشت فيه لمدة 2600 عام، خاصة في العاصمة بغداد. فالجنود والغوغاء اعتدوا على اليهود وقتلوا 179 بريئا وجرحوا أكثر من 2100، وأصبح 242 طفل يهودي أيتام. وزاد في الادعاء أنه في عام 1948 ورداً على قرار الأمم المتحدة 181، الخاص بتقسيم فلسطين، شرّع العراق قانوناً اعتبرت الصهيونية بموجبه جريمة. وأوغل “جندلمان” في القول أن “آلاف اليهود أبعدوا من وظائفهم الحكومية وقيّمت منازلهم بأقل من %80 من قيمة منازل جيرانهم العرب، وما بين 1948 و 1951 هاجر أكثر من 120 ألف يهودي من العراق “لإسرائيل” ليبدأوا حياة جديدة، وهكذا فقدوا هويتهم العراقية وبعد ذلك املاكهم.

أما عن مصر، فقد زعم “جندلمان” أنه “خلال أربعينات القرن الماضي ازداد حجم عدوانية المصريين ضد الطائفة اليهودية التي كان عددها تقريبا 80 ألف نسمة، وشرّعت مصر، على حد زعمه، قوانين قيّدت الإمكانيات لتشغيل اليهود، وأمرت الحكومة بأن تنحصر الأسهم بالشركات التي كانت مصرية خالصة، وبعد سحب الجنسية من اليهود فَقَدَ الكثير منهم أشغاله وأعماله”. وقال إنه “خلال حرب عام 48 اُعتقل يهود كثيرون وتم إرسالهم إلى مخيمات خاصة بتهمة التعاون مع دولة عدوة، مدعيا قصف معبد يهودي ومنازل ومحلات وقُتل أو إصابة العديد من اليهود”، ومضيفاً أن “14 ألف يهودي هاجروا من مصر خلال تلك الفترة”. وزاد في الادعاء قائلاً أنه “في الفترة بين 1948 و 1958 فرّ أكثر من 35 ألف يهودي من مصر. ولم يكن الاضطهاد المستمر السبب الوحيد لهذه الهجرة بل أيضا العواطف الصهيونية وإرادة اليهود للعيش في دولة إسرائيل الصغيرة”.

ومفرطاً في تقديم معلوماته المغلوطة حول اضطهاد اليهود العرب في دولهم، زعم أن 38 ألف يهودي أجبروا على الهجرة من مصر بين 1956 و1968، أي في فترة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، “لينجو من أشكال الظلم النظامي بما في ذلك المصادرة الحكومية للبيوت والمحلات والاعتقالات الاستبدادية”.

أما بخصوص يهود اليمن فقد ادعى “جندلمان”، أنهم “واجهوا أسوأ اضطهاد لهم في عام 1947، حين قرر اليمنيون في مدينة عدن الإضراب لمدة 3 أيام احتجاجا على القرار الاممي 181 الخاص بتقسيم فلسطين، وقد اتخذ الاحتجاج طابعاً عنيفا أدى إلى ذبح أكثر من 80 يهودي واغتنام ما يزيد عن 100 محل يهودي واحتراق منازل ومدارس وكنس يهودية”، مضيفاً أن “ما شهده اليهود هناك كان من أعنف الاعتداءات التي شهدتها الطائفة اليهودية في العالم العربي”. وزاد في القول أنه “كحل إبداعي للخروج من الظروف المأساوية التي عاش فيها اليهود اليمنيون قامت الحكومة “الإسرائيلية” بعملية خاصة بين عامي 1949 و 1950 نُفّذت عن طريق طائرات أمريكية وبريطانية حيث نُقلت الطائفة اليهودية من اليمن “لإسرائيل”. ونتيجة لهذه العملية نجا اكثر من 47 ألف يهودي من الاضطهاد اليمنى وبدأوا حياتهم الجديدة في وطنهم إسرائيل”.

وعاشت الطائفة اليهودية في ليبيا البالغ عددها 37 الف نسمة لمدة تزيد عن 2300 عام متمتعين بثقافة مزدهرة. وخلال الحرب العالمية الثانية بعث النظام الليبي أكثر من 2000 يهودي لمعسكرات اعتقال في الصحراء، مما أدى إلى موت المئات منهم. وبعد الحرب ونتيجة ازدياد العواطف القومية العربية فى ليبيا انطلقت اعتداءات عنيفة على اليهود المحليين حيث قُتل في مدينة طرابلس عام 1945 أكثر من 140 يهوديا كما قُتل 12 يهوديا آخر اثناء اضطرابات لا سامية في 1948 ودُمّر أكثر من 280 منزل. ويذكر أن نتيجة السياسة العدوانية للحكومة الليبية هاجر من ليبيا إلى “إسرائيل” تقريبا 31 ألف يهودي ما بين 1948 و1951.

وقال: إن اليهود استطاعوا الهجرة من الدول العربية لشغل مناصب مهمة في “إسرائيل” في الوزارات الحكومية كما في القطاعين العام والخاص ويكوّنوا جزءا لا يتجزأ من المجتمع “الإسرائيلي”، وآن الأوان أن يسمع العالم قصتهم!!

“مساواة اللاجئين اليهود باللاجئين الفلسطينيين” ادعاء باطل ومخالف لحق العودة

اعتبر الدكتور في القانوني حنا عيسى في رأي تحليلي نشرته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا”، أن مشروع القانون “الإسرائيلي” الذي “يساوي اللاجئين اليهود باللاجئين الفلسطينيين” هو ادعاء باطل ومخالف لحق العودة.

وكان “البرلمان الإسرائيلي – الكنيست” قد صادق في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2009، بالقراءة الأولى على قانون يكبل أي اتفاق سياسي محتمل مع أي جهة أو سلطة وحتى جماعة بربط إنصاف “اللاجئين اليهود القادمين من الدول العربية”، بعد قيام “إسرائيل” بواجباتها الخاصة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين!!

وكتب د. عيسى تحليلا بهذا الخصوص، قال فيه: هذه لعبة عنصرية متطرفة من قبل حزب “شاس” الديني اليميني الذي تعود على إنكار حقوق اللاجئين الفلسطينيين التي كفلتها المواثيق والأعراف الدولية وقرارات الشرعية الدولية بالأخص القرار رقم 194 لسنة 1948، والذي على أساسه تم الاعتراف “بإسرائيل” كدولة وقبولها بعضوية الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة إلى جانب القرار 181 لسنة 1947. إن الحجة التي يحاول حزب “شاس” والأحزاب اليمينية الأخرى تمريرها بأن “اليهود الذين غادروا الدول العربية بعد قيام إسرائيل هم لاجئون حسب القانون الدولي” لا تنطلي على أحد مطلقا، لأن اليهودي الذي غادر مصر أو العراق أو اليمن أو سورية أو العراق أو غيرهم من الدول العربية غادرها بمحض إرادته أو بتحريض من الحركة الصهيونية للقدوم إلى “إسرائيل” على اعتبار أن هذه الأرض، بحسب بعض الحاخامات والدعاوي التوراتية والتلمودية، هي “أرض الميعاد”، والتي من جانب آخر تنكرها بعض الجماعات الدينية اليهودية التي تحرم قدوم أي يهودي إلى فلسطين.

والأدهى من ذلك أن التقديرات “الإسرائيلية” تشير إلى أن عدد اليهود الذين “أجبروا على ترك بيوتهم وأراضيهم في الدول العربية  يقارب المليون ونصف المليون”. وهذه الحجة لم تصمد أمام اليهود الشرقيين أنفسهم الذين قالوا بأنهم خدعوا من قبل بعض حركات الهجرة الصهيونية التي حرضتهم على الهجرة إلى “إسرائيل”، وأن حياتهم فيها مليئة بالتناقضات العنصرية والتمييزية، ويتمنون العودة إلى أماكن سكنهم.

أما بخصوص الفقرة الواردة في مشروع القانون الذي تقدم به عضو “الكنيست” نسيم راب من حزب “شاس” تلزم بأن يتم تعويض هؤلاء اليهود في اتفاق قادم يتضمن تعويض اللاجئين الفلسطينيين، مع أن هذه الفقرة تتناقض بشكل مطلق مع القاعدة القانونية الدولية التي تتحدث بوضوح عن حق العودة للفلسطينيين المكفولة بمواد الميثاق العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر في 10 كانون أول/ديسمبر 1948، إذ تنص الفقرة الثانية من المادة 13 على الآتي: لكل فرد حق مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده وفي العودة إلى بلده!!

وفي اليوم التالي لصدور الميثاق العالمي لحقوق الإنسان في 11 كانون أول/ديسمبر 1948 صدر القرار الشهير رقم 194 من الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي قضى بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض “وليس في العودة أو التعويض”. وأصر المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة ولم تعارضه إلا “إسرائيل”، وحق العودة أيضا تابع من حرمة الملكية الخاصة التي لا تزول بالاحتلال أو بتغيير السيادة على البلاد.

وحق العودة لا يسقط بالتقادم، أي بمرور الزمن، مهما طالت المدة التي حرم فيها الفلسطينيون من العودة إلى ديارهم، لأنه حق غير قابل للتصرف. علما بأن المجتمع الدولي ممثلا بالجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة لم يتكلم مطلقا على أن هناك لاجئين يهود، بل على العكس من ذلك، أصدر على ضوء نكبة الشعب الفلسطيني سنة 1948 قراراً هاماً جداً للاجئين الفلسطينيين أكد فيه على التالي:

أولاً: اعتبر الفلسطينيين شعباً طرد من أرضه، وله الحق في العودة كشعب وليس كمجموعة أفراد متضررين من الحروب مثل حالات كثيرة.

ثانياً: وضع آلية متكاملة لعودة اللاجئين.

لهذه الأسباب وغيرها تعمل “إسرائيل” جاهدة لإلغاء قرار 194 واستبداله بقرار آخر وحل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، التي نتجت عنه، والتي تمثل الدليل القانوني والمادي لحقوق ألاجئين الفلسطينيين.

 

وثائقهم تكذب ادعاءاتهم بشأن هجرة اليهود من البلدان العربية

وفي هذا الصدد، لا بد من توضيح جملة من الحقائق أهمها: أنه لا يجوز مطلقاً مقارنة ما سُمي زوراً وبهتاناً “اللاجئين اليهود” باللاجئين الفلسطينيين. فاللاجئون اليهود لم يطردوا أو يهجروا بالقوة من الدول التي كانوا يعيشون فيها، ولم تقم الحكومات العربية وأجهزتها الأمنية بارتكاب المجازر والمذابح الجماعية بحقهم لدفعهم إلى الهجرة، كما فعلت العصابات الصهيونية في فلسطين، إذ ارتكبت أكثر من مئة مذبحة، كما يقول الباحث الفلسطيني د. سلمان أبو ستة، لدفع الشعب الفلسطيني إلى الهجرة قسراً، خوفاً من الموت الصهيوني الذي يلاحقه.

واستناداً لما سبق أن نشرته صحيفة “الدستور” الأردنية، فإن الوثائق “الإسرائيلية” كشفت النقاب عن وقوف القيادة الصهيونية في تل أبيب وراء التفجيرات التي حدثت في بغداد والقاهرة والإسكندرية لترويع اليهود ودفعهم للهجرة، وبالفعل فلقد القي القبض على بعض المجرمين الذين قاموا بزراعة هذه المتفجرات والألغام، كما تم الحكم بإعدام بعضهم.

وأضافت “الدستور” ما مفاده أن العقل الصهيوني المجرم الذي دبر ونفذ مجزرة دير ياسين والدوايمة واللد والرملة لترويع الشعب الفلسطيني ودفعه إلى الهجرة، هو الذي نشر الرعب والموت في أماكن سكن اليهود في القاهرة وبغداد لدفعهم للهجرة إلى فلسطين، لإقامة الكيان الصهيوني الغاصب.

ومن ناحية أخرى، فإن عملية تهجير ونقل الفلاشا “يهود الحبشة، إلى “إسرائيل”، والمعروفة بعملية “بساط سليمان”، تؤكد ما أشرنا إليه، وتؤكد أن العدو يوظف كل إمكاناته لتهجير اليهود ومن كل أنحاء العالم لرفد كيانه العنصري بالطاقة البشرية التي يحتاجها، ومن المعلوم أن “بساط سليمان” تمت برعاية وإشراف الإرهابي شارون، وبمساعدة مسؤولين أثيوبيين والرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري.

ومن هنا لا يجوز مطلقاً مقارنة ما سُمي ملف “اللاجئين اليهود”، الذين هاجروا طوعاً إلى الكيان الصهيوني، طمعاً في “اللبن وشهد العسل” بملف اللاجئين الفلسطينيين، الذين طردوا بالقوة وبفعل المذابح والمجازر التي لاحقتهم حتى في المنافي، ويرفض العدو عودتهم إلى وطنهم وتنفيذ القرار الأممي رقم “194” في حين لا تمانع الدول العربية كافة، وخاصة التي خرج منها اليهود إلى فلسطين بعودتهم، وبالفعل فان بعضهم يزور تلك الأقطار في العلن والسر وبتشجيع من الحكومات القائمة فيها. وبالمختصر المفيد، لا وجود “للاجئين اليهود” إلى في مخيلات العدو الصهيوني في تل أبيب، ومحاولة  هذا العدو تسويق هذه الكذبة وفرضها على أجندة المفاوضات، لم تكن إلا لإجهاض محاولات تنفيذ حق العودة بموجب القرار 194، والذي ينص على العودة والتعويض معاً.

محمود كعوش

كاتب وباحث فلسطيني مقيم بالدنمارك

kawashmahmoud@yahoo.co.uk

المصادر:

1- وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا”

2- مقالات نشرتها سابقاً في العديد من وسائل الإعلام

3- مجلة “البيادر السياسي” المقدسية الورقية

4- صحيفة “الدستور” الأردنية

5- الخليج أون لاين

6- “شركة الأخبار” العبرية “الإسرائيلية”

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here