محمود تاج: معجزة استقلال الجزائر!

 

محمود تاج

عندما يتأكد المرء ان استقلال الجزائر الذي اعلن عنه بمستهل سنة 1962 كان نتيجة لمفاوضات اقترحها الرئيس شارد يقول على القادة الجزائريين في مارس عام 1961 بمحض ارادته وبعد ان اعرض عن الحرب وجنح الى السلم وبذلك تسنى للجزائريين ان نالوا حريتهم واستقلالهم هنيئا مريئا ودون ادنى تضحيات كما سأتطرق الى ذلك لاحقا بشيء من التفصيل لا يسعه ألا ان يـأسف لهلاك تلك الارواح البريئة التي على امتداد مائة وثلاثين عاما ظلّت تزهق دون مبرر بفعل التهوّر في مواقف أصحاب الدار وعدم تدبّرهم في عواقب الامور وبخاصة لا مبالاتهم باختلال موازين القوى بينهم وبين الدخلاء الوارد وجوب اخذ الحذر منه بالقرآن العظيم في قوله تعالى : ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة .

   اذ لو استجبنا للتعاليم القرآنية الواردة في الآية المذكورة آنفا والتي نهانا المولى عز وجل فيها عن المجازفة في مواجهة المخاطر وكذلك لو استجبنا للتعاليم القرآنية التي تنصح بضرورة التريّث وعدم استعجال الاغراض المنشودة في قوله تعالى : لكل أجل كتاب  لصنّا تلك الارواح البشرية ولوفرنا من الجهد والوقت لاستغلالهما في ميادين العمل والانتاج وما من شانه نشر الازدهار وتعميم الرخاء وبالتالي لغيرنا اوضاعنا المتدنية الى الافضل والاحسن ولكن – للأسف الشديد – تنكّبنا الصراط المستقيم فكانت الحصيلة كارثية والشهداء بالملايين والتقهقر الى الوراء مهولا ومرعبا .

     وقد شكل ذلك مصدر انشغالي حتى تهيّأت لي ظروف العودة الى الدراسة بجامع الزيتونة المعمور هذه المرّة سنة 1947 حيث كان عمري آنذاك اثنين وعشرين عاما مولعا بالشأن العام ومواظبا على متابعة اخبار الكفاح الوطني لذلك كنت غير مرتاح لتلك المواجهات البلهاء والمصادمات الحمقاء التي كانت لا تفتأ تقع مع قوات الامن آنذاك فكانت نتائجها المأساوية دائما وابدا في صفوف الوطنيين التونسيين.

      ثم لما انتقلت الى التعليم الثانوي كان برنامج مادة الادب بالسنة الاولى (1951– 1952 ) يتضمن المعلقات السبعة وكان على راس القائمة الشاعر امرؤ القيس وهو الماجن الذي لا يتورع عن مغازلة بنات الحي فشكاه القوم الى والده وكان ملكا عادلا فأطرده فعاش شريدا فلما بلغه ان بني أسد قد قتلوا والده جمع انصاره ليثأر لأبيه منهم فتتبع القتلة حتى ادركهم فأوقع بهم ولم ينقذهم منه الا عندما اسدل الليل سدوله فقلت في نفسي ان ظلمة الليل هذه تفيد المناضلين عندنا اذ تجنبهم شر تلك المواجهات وتمكنهم في نفس الوقت من تحقيق اغراضهم ضد المستعمرين لذلك حررت مقالا في الموضوع تحت عنوان : يقظة الضمير!

   وحتى أؤمن نشره واتحاشى مقص الرقيب وبخاصة  احسس القارئ بالغرض الحقيقي من المقال ذيلته بالجملة الآتية : فأوقع بهم ولم ينقذهم منه الاّ الليل حيث حال بينه وبينهم ففرّوا تحت جنحه البهيم!  والجدير بالذكر في هذا الصدد ان الشاعر المرحوم محمود بورقيبة كان مكلّفا آنذاك بتأثيث صفحة ” ادب وفن” الاسبوعية بجريدة ” الزهرة ”  قد ادرك الغرض الحقيقي من المقال وخشية من رفض نشره من طرف الرقيب عمد الى اضافة بعض اللّمسات  اليه بما من شأنه ان يوهمه بالصبغة الادبية للمقال وهكذا قدر للمقال ان ينشر بتاريخ 09 افريل 1952 ( الذكرى الرابعة عشر من حوادث 09 /04 / 1938) .

    واثر ذلك بادر المناضلون عندنا الى الاعتصام بالجبال للاختفاء بها نهارا وشن هجوماتهم  المسلحة على المستعمرين ليلا فأوسعوهم قتلا وتقتيلا حتى ضجت الحكومة الفرنسية آنذاك التي ما ان تعذر عليها الاتصال بالثوار للحوار معهم حتى سارعت الى استعادة بورقيبة من منفاه الاخير بفرنسا لاستدراجهم الى النزول من الجبال وتسليم اسلحتهم مقابل منح تونس الاستقلال الداخلي.

  ويبدو انه قد اطلع على المقال بمنفاه الاخير بفرنسا فتوسم فيه الخير وحجتي على ذلك انه عندما حدث خلال شهر ماي 1960 خلاف بيني وبين معتمد مكثر الذي اوقفني سويعات فشكوته الى الرئيس بورقيبة بالرسالة المؤرخة في 02 جوان 1960 وسرعان ما اصدر منشورا يقول فيه : أوسيكم خيرا بمحمود تاج وسائر افراد اسرته.

    حدث ذلك بمرأى ومسمع من الثوار الجزائريين الموجودين بتونس كلاجئين حينذاك ، فأغرتهم تلك النتيجة باستنساخ اسلوب الثورة التونسية للنسج على منواله بالجزائر وما ان تأسست منظمة التحرير الوطني يوم غرة نوفمبر1954 حتى رجعوا الى وطنهم متسللين لاستئناف الكفاح هناك ومثلما جرى بتونس جرى الامر بالجزائر إذ استنجد المستعمرون بالجنرال دي قول لتخليصهم من شرّ الثوار و القضاء على الثورة هناك. واثناء شهر ماي 1958 تقلد الرئيس دي قول زمام السلطة بفرنسا واوّل عمل قام به تمثل في زيارة الجزائر حيث استقبله الفرنسيون هناك وهم يرددون: ” الجزائر فرنسية … الجزائر فرنسية … ! ” فرد عليهم قائلا : اني فهمتكم ! وفي تلك الاثناء خطر للرئيس بورقيبة ان يعرض عليه مقايضة : ان تتنازل تونس لفرنسا عن قاعدة سيدي احمد ببنزرت مقابل منح هذه الاخيرة استقلال الجزائر  فتجاهله حتى سنحت له الفرصة للرد عليه بصورة غير مباشرة قائلا : ان قاعدة سيدي احمد ببنزرت ليست محلا للنقاش لأنها قاعدة غربية للدفاع عن مصالح الغرب هناك ! وهي مغازلة مكشوفة لقوات دول حلف شمال الاطلسي كما لو انه  بصدد التفكير باندلاع حرب صليبية جديدة بشمال افريقيا هذه المرّة …

    ثم ان الرئيس دي قول قد انكب على اعداد العدة للحرب وفاء منه للعهد الذي التزم به لمواطنيه وعلى امتداد عامين أمكنه غرس احدى عشر مليون لغم بحدود الجزائر مع تونس وحدودها مع المغرب الأقصى وعلى اثر ذلك قام بترحيل جميع سكان المنطقة المسماة بــ ” جيجل ” البالغ عدد سكانها زهاء المليونين ونصف المليون نسمة لإيوائهم بالمخيمات التي اعدها لهم خارجها وعقب ذلك تولى هدم كافة تلك المساكن بهدف عرقلة نشاط الثوار والحيلولة دون استقرارهم بها مستقبلا.

   كنت حينذاك على وشك التخرج بالمدرسة العليا للحقوق التي بموجب الاتفاقية الثقافية المبرمة بين البلدين كان يدرّس بها ثلة من الاساتذة الفرنسيين الاجلاء الذين من بينهم الاستاذ جاكي المتخصص في القانون الدولي العام الذي لفت انتباهي اثناء احدى الدروس ازدياد حمرة بوجنتيه زادتها شدّة شقرته الاوروبية ثم لم تلبث ان اختفت تلك الظاهرة دون ان اعيرها ادنى اهتمام غير انها لما تكررت أثارت فضولي وسرعان ما ادركت السبب :

كانت الحرب الجزائرية على أشدها حينذاك وعندما كان الاستاذ يتطرق اثناء القاء دروسه الى ذكر استقلال الدول او سيادتها الا وخطر بباله رد فعل الطلبة وبخاصة تساؤلهم حول مدى صحة ما يتلقونه  عنه من معلومات فيعتريه الخجل وتحمرّ وجنتاه ، فقلت في  نفسي انها لفرصة ذهبية لتقديم خدمة جليلة الى الجزائر الجريحة وزادني وثوقا في نجاح هذا المسعى ما اعلمه عن امنية عزيزة على دي-قول مفادها : ان يكون المواطن الفرنسي وهو يمشي بالطريق العام رافعا راسه الى عنان السماء  وذلك منه نكاية من روزفلت وتشفيّا.

  ويبدو ان ذلك كان منه رد فعل لعدم مشاركته في مؤتمر يالطا المنعقد بمستهل شهر فيفري سنة 1945 لتسوية المشاكل المترتبة على هزيمة المانيا ولتجاهله من طرف الرئيس روزفلت الذي اقتصر على دعوة ستنالين    و تشرشل للمؤتمر دونه فحزّ ذلك في  نفسه  واعلن امنيته تلك لتسكين غضب الفرنسيين وتهوين وقع المصيبة عليهم وبالتالي تذكيرهم بانهم هم اصحاب ثورة 1789 المجيدة التي اشّعت على الوجود كله لذلك لا ينبغي لهم ان يهينوا وهم الاعزّ !

  وبتاريخ 20 ماي 1960 بعثت الى الرئيس دي-قول رسالة ذكرت له فيها حال الاستاذ جاكي التي تدعو الى الرثاء والاشفاق اثناء القاء دروسه علما وانه يقوم وراء البحار بنشر الحضارة الفرنسية هناك كما رجوته فيها اجراء مقارنة بين التعاون مع العالم العربي وبين الاحتفاظ بالجزائر في جو من المآسي والاحزان…

     وبينما  كان ينتظر رد الثوار عن الانذار الذي كان ارسله اليهم يخيرهم فيه بين رفع الراية البيضاء مقابل اجراء بعض الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بالجزائر وبين اعلان حرب ضروس لا تبقى ولا تذر  اذا به يتلقّى رسالتي فلا يكاد ينتهي من قراءتها حتى يبادر الى نزع البدلة العسكرية ليرتدي عوضا عنها البدلة المدنية وصادف في تلك الاثناء حلول العطلة الصيفية حيث يعود الاستاذ جاكي الى مسقط راسه بفرنسا لقضائها بين اهله وذويه ومن غير المستبعد ان يستدعيه الرئيس دي غول في الموضوع فيرجع به الى تلك الذكريات الاليمة فيستجيب له وهو يتمالك على البكاء ثم بعد ذلك وخلال شهر سبتمبر يقدم على اجلاء قواته بقاعدة سيدي سليمان بالمغرب الاقصى ثم وخلال شهر مارس 1961 يشرع ومع القادة الجزائريين بمدينة ” ايفيان ” في التفاوض من اجل استقلال الجزائر الذي تم الاعلان عنه بمطلع سنة 1962 حيث حررت مقالا تحت عنوان : رسالة احيت الصداقة العربية الفرنسية غير ان جريدة الصباح احجمت في نشره حينذاك وتعين انتظار عهد التغيير لينشر على صفحاتها وتحت نفس العنوان بتاريخ 31 اكتوبر 1989 .فكان من نتيجة ذلك ان ضربت الرسالة عصفورين بحجر واحد : تصفية الاستعمار الفرنسي من القارة الافريقية وتدشين الحوار بين الثقافات .

المحــامي المتــقـــاعد

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. معك حق يا كاتبنا، كان على الجزائريين ألا يثوروا و أن ينتظروا رسالتك لديغول فهي من حررتهم في الأخير.
    هنيئا لنا بك و أنا أطالب من الآن بتغيير تاريخ عيد الإستقلال حتى يوافق عيد ميلادك أو عيد إرسال رسالتك، أترك لك الاختيار.

  2. الكاتب المحامي اراد ان يختصر مقاومة الشعب الجزائري على مدى قرن وثلث القرن من الزمن وماقدمه من تضحات فاقت كل خيال في سبيل طرد اغشم مستعمر عرفته البشرية الا ان الكاتب تعدى كل هذه المآسي والنكبات التي عاشها الشعب واختصر كل ذلك في رسالة ،، والله ان هذا ليعد طمس ومسخ لنضال شعب دفع الغالي والنفيس في سبيل تحرير ارضه

  3. لاادري ان كان الاخوة القائمين على النشر فيي صحيفة راي اليوم راجعوا ما جاء في هذا المقال – ان جاز ان نسميه مقالا – اكيد ان الذي كتبه ليس في كامل قواه العقلية والدليل الصارخ هذه الفقرة بالاضافة الى تخاريف اخرى “” وبتارخ 20 ماي 1960 بعثت برسالة الى ديقول ( يقصد الرئييس الفرنسي .) …. الى ان يقول ” اذا به يتلقى رسالتي فلا يكاد ينتهي منن قراءتها حتى يبادر الى نزع البدلة العسكري ليرتدي عوضا عنها البدلة المدنية ” ،، اي لولا هذه الرسالة المباركة من هذا المحامي التونسي المتقاعد ما نال الجزائريون استقلالهم ، وهو قبل ذلك يعيب عليهم تهورهم واندفاعهم في مواجهة قوات الاحتلال الفرنسي حيث ذهبت ارواحهم هدرا ، فلو اتتظروا قليلا حتى يراسل الاستاذ الرئيس الفرنسي ديغول لكان خيرا لهم !!!!.

  4. كدت انفجر سحطا على صاحب المقال لولا قراتي له بروية لاصل فى نهايته ان الاخ لم يعرف كيف يسوق فكرته فدهسها بكم من المناثرات التى ورثها من جهات استقت ما قاله من حلال القرب من اصحاب النفوذ فى الميط الدغولى وان صاحبنا الكانب قد كتب وكانه يراقع فى جلسة من جلسة من جلسات المحاكم انصحه بقراءة التاريخ ومن ذلك كناب سقوط السنديان لصاحبه اندريه مالرو

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here