محمد نادر العمري: هل تشهد أميركة حرباُ أهلية ثانية

 

محمد نادر العمري

 من شبه المؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجنب استهداف الناقلات الإيرانية المتجهة نحو بحر الكاريبي “فنزويلا” لكي لايتعرض لموقف محرج يزيد من تأزم وضعه قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، وبخاصة بعد إبلاغ الجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر رئيسها حسن روحاني الأمير القطري بنقل رسالة مفادها: “بأن أي مشاكل ستواجه ناقلات بلاده في أي مكان من العالم من قبل أميركا فأن الأخيرة ستواجه بمشاكل مشابهة أيضاً” ولاسيما مع اشتداد تداعيات وباء كورونا على الاقتصاد الأمريكي، بات اليوم ترامب يواجه مشاكل أمنية واجتماعية خطيرة على الصعيد الداخلي تتمثل بتصاعد الاحتجاجات نتيجة مقتل مواطن من أصول أفريقية.

هذا الواقع الاحتجاجي الذي شهدته أكثر من 27 ولاية أمريكية وانتقلت عدواه خارج حدودها السياسية باتجاه بريطانيا وألمانيا وكندا وغيرها من الدول نتيجة فعل عنصري ليس الأول من نوعه، بل هو الخامس خلال أقل من عام، لتعيد الذاكرة بالأمريكيين إلى الحرب الأهلية وسلطوية السادة البيض على أصحاب البشرة السمراء.

فالعنصرية التي يظهرها سلوك ضباط وعناصر الشرطة، لم يقابل إلا بالتعاطف اللفظي من قبل المسؤولين الأمريكيين مع الضحاية وعائلاتهم، بل يمكن وصف هذه العنصرية بأنها “مقوقنة مؤسساتياً” وهذا مايمكن تفسيره من اعتبار القضاء أن جريمة مقتل “جورج فلويد”بأنها غير متعمدة ووصف المتظاهرين بالمجرمين والمخربين حسب وصف وزير العدل، وتهديد ترامب باستخدام الجيش وإطلاق النار على المتظاهرين. ليبرز الوجه الحقيقي لبلاد العم سام، حقيقة العنصرية التي باتت تشكل أهم سمات فترة حكم ترامب :

1. منذ بدء حملته الانتخابية عام 2016، لم يخفِ ترامب عنصريته ضد المهاجرين والأفارقة والإسلام

2. الدعم الغير محدود للكيان الإسرائيلي وإغداقه الهداية لتل أبيب ضمن ماسمي بصفقة القرن وهو مادفع حكومة الاحتلال لممارسة أعلى درجات العنصرية بغطاء سياسي ودعم أميركي

3. مسعى ترامب لاحتكار مصل مكافحة وباء كورونا بعد تقديمه رشاوي لرؤساء مراكز البحوث العلمية والطبية في أوروبا لاحتكار المصل وتوظيف ذلك سياسياً لإخضاع حلفاء واشنطن وخصومها لتوجهات سياستها الخارجية وبما يحافظ على موقعها بالنظام الدولي، فضلاً عن ممارسة الضغوط على المؤسسات الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي لعدم تقديم المساعدة والقروض للدول الفقيرة والمحاصرة من قبل أميركا من اجل مواجهة تداعيات الوباء، وحتى إعلان الرئيس الأمريكي بوقف تمويل منظمة الصحة العالمة ومن ثم الانسحاب منها يعبر عن أقبح صور العنصرية لأن ذلك سيؤدي إلى شل عمل المنظمة في الدول الفقيرة وبخاصة في أفريقية وأميركا اللاتينية.

4.اتهام ترامب اليساريين بالإرهاب المحلي وتهديده بتصنيف مجموعة “انتيفا” المناهضة للفاشية كمجموعة إرهابية، بهدف التنصل من مسؤولياته كماهو المعتاد وإلقاء اللوم على الآخرين واستخدامهم “كبش فداء” من جانب، ومن جانب آخر لتعزيز عنصرية اليمين المتطرف الأمريكي ((التي تشكل الحاضنة المؤيدة لترامب على أساس عنصري))، فأن كان اليساريين مسؤولين عن مقتل 2% من الأمريكيين خلال العقد الماضي فأن اليمين المتطرف مسؤول عن ارتكاب 74% من جرائم القتل والتي تصنف في إطار القتل لأسباب سياسية، بحسب الإحصاءات الأمريكية.

هذا يقودنا لطرح سيناريو مبني على سؤال بدأ يطرح بقوة…هل ستدخل أميركا حرباً أهلية جديدة؟

من غير المستبعد حدوث ذلك ولاسيما في ظل توافر مقومات تشكل أرضية وبنية مفجرة للحرب الأهلية في الداخل الأمريكي أهمها:

أ. هناك الكثير من مراكز الدراسات والأبحاث الأمريكية والمقربة من المؤسسات الخارجية والدفاع حذرت من حصول صدام داخلي أو العودة للحرب الأهلية، في صورة تنقسم بها أميركا مرة أخرى حسب الجغرافية او العرق أو الاقتصاد، ومما يعزز ذلك إيديولوجية الحزبين المتنافسين وسياستهما في توظيف الأحداث للنيل من الخصم، ففي استطلاع أجرته مؤسسة ” راسموسن ريبورتس” في حزيران 2019، بين أن 31% من الأمريكيين الذين شملهم الاستطلاع يرجحون أن تشهد الولايات الأمريكية حرباً أهلية ثانية في وقت ما خلال السنوات الخمسة المقبلة.

ب. في حال استبعاد خيار الحرب الأهلية بالوقت الحالي، فأن ذلك لايعني عدم حدوث المزيد من الانقسامات العميقة والشارخة في المجتمع الأمريكي أو في علاقة المجتمع مع المؤسسات الرسمية، وهو مايعبر عن فشل النظام الأمريكي رغم وصول مسؤولين من أصحاب البشرة السوداء لمناصب حساسة وهامة في الداخلية والدفاع والخارجية وحتى البيت الأبيض. وهذا الفشل وصفه البروفيسور ((كورنل وست)) من جامعة برينستون بأنه فشل للتجربة الاجتماعية في أميركا، فتاريخ السود منذ أكثر من 200عام يشهد على فشل النظام الراسمالي الأمريكي في إيصال قيمه التي يتغنى بها مثل العدالة والحقوق وحرية الأفراد إلى جميع مواطنيه بالتساوي.

ج. المحرض الأبرز لاندلاع الحرب الأهلية هو ترامب ذاته والذي هدد في أيلول 2019 بنشوبها حينما قال “انه في حال نجح الديمقراطيين بعزل الرئيس سنشهد اندلاع حرب أهلية من شأنها تقسيم البلاد”، وتزامن ذلك مع إقدام منظمة تعتبر من مؤيديه وتدعى حراس القسم وتضم أكثر من 24 ألف لنشر الدعوات لمناصريها للاستعداد بالتحرك، كما أن تعاطي ترامب مع مقتل فرويد وتصريحاته كانت مستفزة لقسم من الشعب الأمريكي وشكل بعضها تحدياً لهم

د. انتشار السلاح بكميات كبيرة داخل الولايات المتحدة وازدياد الإقبال لاقتنائه بعد انتشار وباء كورونا بنسب تراوحت بين 40 إلى 68 % حسب الولايات.

و. تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي مازالت تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة وباء كورونا وامتعاض الكثير من المواطنين الأمريكيين من تصريحات الرئيس ترامب وتعاطيه في التصدي للوباء وتحميله المسؤولية الكبرى في انتشاره، وهو ما أدى لارتفاع نسبة البطالة لنحو 40 مليون شخص وتراجع معدلات النمو الاقتصادي لقرابة 3.8%.

مايحصل في الولايات المتحدة الأمريكية من احتجاجات واحتقان وربما الوصول لحافة الحرب الأهلية قد تصب لصالح الرىيس ترامب في الوصول لسدة الحكم مرة ثانية، وبخاصة أن الديمقراطيين ليسوا أفضل من الجمهوريين في التعاطي بمثل هذه الحالات ، كما أن هذا التوتر قد تؤدي لتمسك اليمين المتطرف أو مايعرف بطبقة العنصرية البيضاء بالتمسك بالرئيس ترامب ونسبة هؤلاء لاتقل عن 40% من نسبة الشعب الأمريكي ناهيك عن الشراكة مع طبقة الأثرياء وتداخل المصالح وموقف اللوبي الإسرائيلي وهذا ماقد يساعد ترامب بالبقاء داخل البيت البيضوي باستثمار دماء الشعب الأمريكي وانقسام الداخل.

كاتب وباحث سوري متخصص في العلاقات الدولية

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here