محمد مغوتي: هل يصلح المثقف ما أفسده السياسي؟

mohamed-maghouti (2)

محمد مغوتي

حينما كان أفلاطون يبني أركان دولته ” الفاضلة ” حجز لنخبة المثقفين ( الفلاسفة) مقعدا في أعلى مراتب التراتبية الإجتماعية، فرشحهم للإضطلاع بشؤون الحكم، لأن السلطة تقتضي استنادا لمشروعه الفلسفي القدرة على الوصول إلى الحقيقة وإدراكها، وهي خاصية لا يمكن أن تحضر إلا عند الفلاسفة الذين تطهروا من سلاسل الحس وبلغوا نتيجة للتأمل العقلي إلى مستوى الخيرية والفضيلة.

لقد أجاب أفلاطون بهذا عن سؤال ظل صداه يتردد باستمرار عبر العصور، ومازال مطروحا إلى يومنا هذا بطريقة أو بأخرى. يتعلق الأمر هنا بعلاقة المثقف بالسلطة، وسنعيد طرحه في السياق المغربي والإقليمي من خلال الإستفهامات التالية: هل ينبغي على المثقف أن يكون سياسيا؟. هل يستطيع المثقف أن يفرض سلطته المعرفية في الدفاع عن قضايا الحق والعدالة والحرية؟. أي دور للمثقف في مشهدنا الإجتماعي؟.

ليست هذه الأسئلة وليدة اليوم إذن، لكنها باتت أكثر راهنية، وذلك بالنظر إلى غياب أي تأثير واضح للمثقفين في تدبير الشأن السياسي في مجتمعاتنا. وهو ما أفقد السياسة نبلها ورسالتها القيمية بعدما تخلت النخبة المتنورة الحاملة لهموم الناس عن مهمتها النقدية التي تستهدف إصلاح المجتمع والسلطة على السواء. وهذه هي الوظيفة التي يقترحها ابن المقفع للمثقف… وعندما تستقيل “الأنتلجنسيا” من الإنخراط في قضايا المجتمع والإحساس بنبض الشارع والمساهمة في تأطير المواطن وتوجيهه… تصبح السياسة مجالا لتنافس المصالح الشخصية بدل تنافس البرامج والإيديولوجيات. وقد حذر أفلاطون من هذه النتيجة في “الجمهورية” عندما تحدث عن مرحلة يتمكن خلالها الأغنياء ( التجار ورجال المال والأعمال) من الوصول إلى السلطة للحصول على مزيد من الإمتيازات الإجتماعية، وحينها تهبط السياسة وتنحط … وذلك ما نعبر عنه اليوم بزواج المال والسلطة، حيث أصبح النفوذ الإقتصادي مدخلا رئيسيا لتسلق سلم الترقي السياسي، وباتت مختلف التشكيلات الحزبية مثلا في المغرب وغيره من دول المنطقة تتسابق لاستقطاب الأعيان والأغنياء، بينما توارى المثقفون والمفكرون إلى الصفوف الخلفية، ولم يعد صوتهم مؤثرا ولا مسموعا.

لقد وضع أفلاطون مثقفي عصره (الفلاسفة) على رأس الهرم الإجتماعي ومنحهم السلطة والحكم، وهو وضع إعتباري يرتبط بموقف فلسفي يعيد تقسيم المهام والوظائف والمسؤوليات بين فئات المجتمع، ويحكمه تصور يحتقر العمل اليدوي ويعلي من شأن الفكر والتأمل والمعرفة النظرية. وهو ما من شأنه ( لو قدر لهذه اليوتوبيا الأفلاطونية أن تتحقق) أن يؤدي إلى نظرة استعلائية تجعل المثقف في موقع المفارق وليس المحايث. أي أنه يصبح منفصلا عن قضايا مجتمعه مادام ينظر إليها من برجه العاجي المحفوف بفضيلة الحكمة، برج سلطة المعرفة المدعومة بسلطة الحكم…. وهذا الإنفصال والتباعد بين المثقف وهموم الشارع يبدو واضحا في واقعنا اليوم، لكن المثقف الذي نحن بصدد الحديث عنه هنا لم ينسلخ عن قضايا شعبه بسبب انشغاله بالسلطة، بل بسبب استقالته من المشهد واختياره لموقع المتفرج المحايد والصامت بدل أن يكون فاعلا في واقعه.

أدوات الفعل الثقافي لا ترتبط بالممارسة السياسية وحدها، فالمثقف قادر على التغيير والتأثير وتوجيه الرأي العام وإحراج الحكام ونقد السلوك السياسي والدفاع باستماتة عن الحريات والحقوق من مواقع مختلفة، وليس شرطا أن يفعل ذلك من خلال يافطة أو هيئة حزبية معينة. أي أن المثقف يستطيع التأثير في الممارسة السياسية دون أن يكون سياسيا بالمعنى المؤسساتي الذي يقتضي الإنضباط  لإيديولوجية وخطاب الهيئة التي ينتمي إليها. لذلك فالحاجة ماسة اليوم إلى عودة المثقف العضوي، ولا تهمنا هنا الخلفية الماركسية لغرامشي الذي نحت هذا المفهوم ومنحه الدلالة التي نوظفها هنا بمعنى يتجاوز ضيق أفقها الإيديولوجي. ما يهم هو أن يكون المثقف عضوا فاعلا في مجتمعه غير منفصل عن همومه ومشاكله وانتظاراته، يحقق الوعي المجتمعي، ويناضل بكتاباته وإنتاجاته وسلطته المعرفية ورؤيته النقدية وبحضوره الميداني أيضا من أجل شروط الحرية والكرامة والديموقراطية. وذلك ما عبر عنه المثقفون الفرنسيون مثلا عندما نزلوا إلى الشارع في ماي 1968 خلال الثورة الطلابية الشهيرة التي عرفتها بلاد الأنوار. وحينها كان جون بول سارتر وميشيل فوكو وجيل دولوز وغيرهم من المفكرين والفنانين يقودون الصفوف الأولى للمتظاهرين، لأنهم اختاروا القيام بوظيفتهم كفاعلين اجتماعيين يعيشون آمال وآلام الفرنسيين، ويبحثون عن التغيير والثورة على التقاليد البالية مثلهم تماما.

إن المثقف الحقيقي إذن هو ذلك الذي يصطف بجانب الجماهير ويتبنى القضايا العادلة للشعوب في سعيها نحو الإنعتاق من سلاسل الظلم والإستبداد. ويبدو أن السلطة عندنا قد نجحت إلى حد بعيد في تحييد دور المثقف وتهميشه، إن لم نقل توظيفه لتسويق وتبرير اختياراتها وسياساتها ( المثقف المداح)… وحين ينزوي المثقف بعيدا ويعتزل قضايا المجتمع أو يتحول إلى لسان أو سوط  للسلطة يفتقد الشارع للبوصلة التي توجهه وتساهم في توعيته. لذلك لابد أن ينعتق المثقف من دوره التقليدي المتعالي أو الأداتي على السواء، ويخرج من شرنقة اللامبالاة والخوف، ويشارك في تحريك المياه الراكدة حتى يتحول بحق إلى سلطة خامسة تسهم في البناء والتطوير لا إلى طابور خامس للهدم والنكوص.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here