محمد مغوتي: هاجر الريسوني.. مسألة حرية فردية.. وانعكاس الانفصام اجتماعي

 

محمد مغوتي

التناول المناسباتي للحريات الفردية في بلادنا يبقي النقاش العمومي حول الموضوع مفتوحا، ولكنه لا يحقق نتائج حاسمة، لأنه لا يثير الأسئلة الحقيقية، ولا يتقيد بشروط الموضوعية اللازمة، ولا يصون كرامة وخصوصية المعني(ة) بالقضية…

وحالة الصحفية هاجر الريسوني ليست استثناء في هذا المقام، حيث أصبحنا أمام قضية معروضة بكل تفاصيلها أمام الرأي العام، وهو ما حولها إلى مادة للفرجة والتشهير والقيل والقال بسبب عدم احترام مبدأ السرية في البحث، وعدم التقيد بقرينة البراءة التي نص عليها قانون المسطرة الجنائية في المادة الأولى بصيغة : “كل متهم أو مشتبه به بارتكاب جريمة  يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا…”.

 لذلك من الطبيعي أن يكون التداول العام للموضوع محكوما باصطفاف إيديولوجي يهرب بالنقاش بعيدا عن جوهر المشكل، حيث بات موضوع السؤال الأساسي في قضية هاجر هو: هل هي ضحية أم مذنبة؟. والحال أن هذا السؤال بالتحديد لم يكن ليطرح أبدا لو كانت التشريعات القانونية المعمول بها منسجمة مع حركية المجتمع ومعبرة عن حقيقة الواقع، وليست منفصلة عنه.

إن معضلتنا الأساسية تكمن في الفصام الإجتماعي الذي نعيشه، والذي يتجلى في ازدواجية المعايير الأخلاقية والقيمية التي تحكم سلوكاتنا، ففي الوقت الذي تبدو فيه مظاهر التحديث والعصرنة واضحة في الشارع، تحضر سلطة التقاليد بقوة في مواقفنا وأحكامنا وتشريعاتنا أيضا. وهذا يعني أن محاولة التوفيق بين التقليدي والحديث لم تكن موفقة، لأنها صنعت مجتمعا يعيش تناقضا صارخا بين القول والفعل، وهو التناقض الموجود بين النص القانوني من جهة وحقيقة الواقع من جهة ثانية. لذلك أصبحنا أمام تشريعات تجاوزها الواقع، وتحتاج إلى تحيين وإعادة نظر خصوصا في ما يرتبط بموقع الحريات الفردية في الدستور والقانون الجنائي.

نحن إذن بصدد نصوص قانونية جاهزة ورادعة لا تراعي حركية المجتمع وديناميته، ولا تبالي بتغير منظومة القيم بتعاقب الأجيال. وهو ما يعني أن المشرع ليس مهتما بمدى انسجام القوانين مع هذه الحركية المتسارعة. والحال أن روح القانون يستمدها من الواقع الإجتماعي نفسه، وعندما تتعالى القوانين عن الواقع، ولا تعبر عنه، تفقد تلك الروح، وتصبح مشكلة بحد ذاتها بدل أن تكون حلا للمشاكل الإجتماعية.

ولعل خطورة هذا التنافر بين النص القانوني والسلوك الإجتماعي تتجلى في استخدام المقتضى التشريعي بشكل انتقائي ومزاجي عندما يتعلق الأمر بتطبيق المساطر. فتجريم العلاقات الجنسية الرضائية مثلا ينطوي على ازدواجية غريبة في المعايير، حيث يتم إسقاط الدعوى القضائية في حالة الخيانة الزوجية عند تنازل زوجة المتهم (أو زوج المتهمة) للشريك(ة)، بينما تستمر المتابعة القضائية إذا تعذر الحصول على هذا التنازل… وهذا يعني أن التعامل مع الأفراد على هذا المستوى لا يراعي مساواة الجميع أمام القانون رغم أن التهمة واحدة في الحالتين معا… ثم إن تجريم العلاقات الرضائية يمكن أن يتحول إلى ذريعة لترصد الحياة الحميمية للأفراد وملاحقتهم قصد الإيقاع بهم من طرف جهات معينة للإنتقام وتصفية حسابات سياسية مثلا.

إن الحاجة إلى إعادة النظر في الفصول المتعلقة بالحريات الفردية في القانون الجنائي أصبحت تفرض نفسها بقوة، لأن انفتاح المجتمع لا يقبل أن يحكمه منطق شرطة الآداب، فالعلاقات الجنسية الرضائية شأن خاص، ولا تسيئ إلى المجتمع مادامت لا تتم بشكل علني وفي الفضاء العام… أما الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على أخلاق المغاربة انطلاقا من فهم راديكالي للنص الديني، ويرفضون المبادرات الداعية إلى تقنين الإجهاض الإختياري ورفع التجريم عن العلاقات الرضائية وتوسيع مجال الحريات الفردية بشكل عام، فإنهم يتعاملون بازدواجية فاضحة، لأنهم يتهمون هذه المبادرات باستهداف النسيج الأخلاقي، والسعي إلى إفساد المجتمع، لكنهم يتشبثون بهذه الحرية عندما يقعون في المحظور ويصبحون ضحايا للقوانين الرادعة التي يدافعون عنها.

إن العلاقات الجنسية الرضائية التي تتم خارج مؤسسة الزواج هي أمر شائع، لكن التنافر بين النصوص القانونية وواقع الحال أدى إلى تطبيع اجتماعي مع هذا السلوك يتسم بالنفاق والإزدواجية، حيث تنتهي كثير من هذه العلاقات بإنجاب أطفال يتم التخلي عنهم بسبب الخوف من الفضيحة والإعتقال. وأغلب هؤلاء الأطفال يصبحون مصدرا لتهديد أمن المواطنين، ويساهمون بشكل كبير في انتشار الجريمة عندما يصيرون بالغين… وهذا يعني أن آثار تجريم الإجهاض أكثر اتساعا وخطورة… لذلك فإن مصير الآلاف من الأطفال المتخلى عنهم ويعيشون بدون هوية، يقتضي التفكير بجدية في تقنين الإجهاض الإختياري، ورفع التجريم عنه حسب الحالات عندما لا يكون الإنجاب مرغوبا فيه لأسباب موضوعية.

إن قضية هاجر لا ينبغي أن تكون محطة لنقاش إيديولوجي، بل يجب أن تكون مناسبة لتظافر جهود جميع مكونات المجتمع، وذلك من أجل الدفاع عن الحريات الفردية، وخصوصا تلك التي ترتبط بالحياة الحميمية للأفراد، واختياراتهم الذاتية لنمط عيشهم حتى تنتهي كل أشكال الوصاية والتضييق والخوف من الملاحقة وانتقاء الضحايا…

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. اعتقد ما حدث هو ممارسة تقليدية لسلطات عربية بدائية تريد تشتيتت الرأي العام و تدمير المعارض السياسي.

    أما مشاكل العلاقات التي اسمينها حميمية قبل الزواج و المشاكل الاجتماعية هو انعكاس لتخلينا عن نظمنا الحياتية و ( نعم ) ايديولجيتنا ،
    و لكن فلنتذكر تخلينا عن هذه النظم و الاديولوجيات كلها كمترابطات تضبط الحياة .
    بدءاً من غلاء المهور ، التخلي عن الزواج المبكر و تزويج الأبناء ( نعم ) لاستسلامنا للنظام الحياتي الحديث الذي فرضه علينا النظام العالمي .
    تبني خطاب الحداثة الذي خلق عدوانية بين الرجل و المرأة ، محاولة اجبارنا على المساواة ببن الرجل و المرأة في كل شيء ( تماهي آخر مع المنظومة الدولية )
    تشويه مفهوم الزواج و تحويله ( كما لديهم ) لعلاقة زمالة و ليست تكامل بين طرفين مختلفين يتمم احدهما الآخر.
    تعقيد بل و أحياناً شجب تعدد الزوجات و الزواج المبكر .
    التخلي عن قواعد كثيرة جميلة في ( ايديولوجيتنا ) تعضد مفهوم الستر على المسيء و المذنب .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here