محمد مغوتي: محرك الحراك في الحسيمة المغربية: اجتماعي صرف

mohamed-maghouti (1)

محمد مغوتي

يدرك جميع المغاربة أن أسباب النزول إلى الشارع من أجل الإحتجاج كثيرة ومتنوعة. وهي لا تخص منطقة بعينها، مادامت السياسات الإقتصادية والإجتماعية – التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال إلى اليوم- ساهمت إلى حد بعيد في إنتاج احتقان إجتماعي حاد، و لم تنتج إلا التفقير والتهميش والبطالة والحكرة… وهي قواسم مشتركة يتجرع المغاربة مرارتها كل يوم وفي كل مكان. لذلك لا يمكن أن نقرأ الحراك الذي يعرفه الريف منذ أكتوبر الماضي إلا في هذا السياق الإجتماعي المأزوم، وكل من يحاول تحليل هذا الحراك بأدوات تستخدم مفاهيم من قبيل: المؤامرة والفتنة والإنفصال… إنما يصطاد في الماء العكر.

لقد بدأ حراك الحسيمة عفويا، لأن صورة “محسن فكري” المطحون في حاوية النفايات استفزت المشاعر وأدمت القلوب، فخرج الناس بتلقائية إلى الشارع رفضا للحكرة والظلم. خرج أبناء الحسيمة أولا، ثم امتد التضامن والغضب الشعبيين إلى مختلف المدن والقرى المغربية على مدار عدة أسابيع في مشهد ذكر المغاربة بروح 20 فبراير. ويبدو أن الدولة كانت تراهن على عامل الوقت، لأن التجربة أثبتت أن جذوة الإحتجاج تخمد شيئا فشيئا بالتقادم حتى تصبح نسيا منسيا. غير أن أبناء الحسيمة لم ينسوا ” محسن”، بل لم ينسوا واقعهم، وبالرغم من مرور أكثر من سبعة أشهر، مازال الحراك هادرا وقويا ومنظما، ولم يعد معزولا في الحسيمة وحدها، لأنه امتد إلى مختلف مناطق الريف، حيث اصبحت المطالب الإجتماعية صوتا يسمع صداه في عدد من مناطق الريف في أقاليم الحسيمة والدريوش والناظور… وتأسست لجان للحراك الشعبي في مختلف عدد كبير من بلدات وقرى المنطقة. وهكذا تمدد الحراك، وأصبح صوته أكثر حدة وقوة.

المتتبع للحراك الشعبي الذي تعرفه الحسيمة خصوصا والريف عموما يستنتج مجموعة من الملامح والخصائص التي جعلته مؤثرا وقويا وشعبيا (وهذا هو الأهم). ويمكن إجمال هذه الإستنتاجات في الملاحظات التالية:

1-طبيعة المطالب: يتعلق الأمر بمطالب إجتماعية صرفة يعرف كل أبناء المنطقة راهنيتها ومشروعيتها، لذلك يستجيبون لنداء الحراك، ويخرجون بالآلاف في مختلف المحطات الإحتجاجية . أي أن ما يجمع هؤلاء المحتجين هو تحسين ظروف العيش وتنمية المنطقة وتوفير خدمات إجتماعية حقيقية، خصوصا في ما يرتبط بالتعليم والصحة وتوفير فرص الشغل وتحسين الخدمات في المرافق العمومية… وهذا ما يفسر طول النفس الذي ميز هذا الحراك وامتداده إلى باقي المناطق بالرغم من محاولات التخوين والإتهام التي تطال بعض نشطاء هذا الإحتجاج الشعبي.

2-الإستقلالية : لا يمكن لأية جهة اليوم أن تدعي بأنها تتحكم في الحراك أو توجهه، فالشارع يجمع مختلف الأطياف والتوجهات والمواقف، لكن المطالب الإجتماعية لا السياسية هي القاسم المشترك بين المحتجين. ومن الواضح أن الحراك يستمد قوته حتى الآن من استقلاليته وعدم تبعيته لأية جهة، فهو لا يخدم الأجندات السياسية الحزبية، بل يضع الأحزاب نفسها موضع اتهام لأنها تتحمل بدورها مسؤولية الوضع الإجتماعي القائم من خلال المجالس المنتخبة التي تعاقبت على تسير الشأن المحلي. وعندما يمتلك أي مشروع نضالي المناعة ضد الإحتواء أو التوجيه الإيديولوجي، يكون قادرا على النفاذ إلى قلوب الناس وعقولهم، ويستقطب مزيدا من الجماهير لأنه مشروع للمجتمع وليس مشروعا للأفراد أو المؤسسات.

3-السلمية: منذ حادثة ” شهيد الحكرة”، عرفت الحسيمة وغيرها من بلدات ومدن الريف مواعيد احتجاجية كثيرة جدا، وقد شهدت بعض المحطات خروج عشرات الآلاف من المحتجين إلى الشارع، ومع ذلك ظل الحراك يتميز دائما بتنظيم في أعلى مستويات الإنضباط والمواطنة والمسؤولية، ورغم بعض مظاهر البلطجة التي حاولت التشويش على المحتجين واستفزازهم في بعض الحالات، فإن الحراك كان سلميا باستمرار. وقد أثبتت كل المحطات النضالية التي احتضنها الشارع نضج الوعي الشعبي إلى حد بعيد.

إن المحرك الحقيقي لهذا الحراك الشعبي يتجلى في أشكال التهميش التي تعاني منها منطقة الريف على عدة مستويات. ويبدو أن الدولة لم تستوعب رسائل هذا الحراك بعد، مادامت قنوات الحوار الجاد والمسؤول غير مفتوحة حتى الآن. والتعاطي الأمني مع ما يجري من شأنه أن يزيد الوضع احتقانا. أما الوعود فلن تعيد الناس إلى بيوتهم، لأن المغاربة شبعوا وعودا على مدار أكثر من 60 سنة، وهم بحاجة إلى الفعل لا إلى ردود الفعل التي تسعى لإطفاء الحرائق دون إخماد أسبابها الحقيقية. هذا الحراك يعبر عن صوت المغاربة. وجد تربة مناسبة في الحسيمة والنواحي، لكنه يتكلم بلسان مغربي يناضل ضد التهميش والحكرة والظلم ويطالب بالعدالة والحرية والعيش الكريم.

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here