محمد مغوتي: لماذا اختص العاهل المغربي النخبة السياسية في خطاب العرش؟

mohamed-maghouti (2)

محمد مغوتي

اللغة القوية التي تحدث بها الملك في خطاب العرش هذه السنة لم تكن مفاجئة، وذلك بالنظر إلى السياق المغربي الحالي المرتبط بتداعيات حراك الريف من جهة، وكذا بطبيعة الخطب التي تعودنا على الإستماع إليها خلال السنوات القليلة الأخيرة، حيث  لم تعد ذكرى عيد العرش محطة لاستعراض المنجزات والتغني بها، بل تحولت منذ خطاب ” أين الثروة؟ ” إلى مناسبة بات الملك يتحدث خلالها بلغة المغاربة. يتساءل كما يتساءلون، ويغضب كما يغضبون، وينتقد التدبير الإداري مثلهم، ويهاجم الطبقة السياسية مثلهم أيضا… لكن ما الذي يتغير بعد كل هذا؟. هل لغة المكاشفة وحدها كافية لتغيير الواقع؟. وهل يمكن أن ننتظر حملة كبيرة “للتطهير” في المرحلة المقبلة؟

رسم خطاب العرش وجها مأساويا وبشعا للطبقة السياسية في بلادنا، وهو وجه ملامحه معروفة على كل حال، إذ لا يخفى على أحد اليوم أن الممارسة السياسية قد بلغت أدنى مستويات الحضيض. وقد دأب الملك في خطاباته الأخيرة على التعبير عن عدم رضاه عن واقع التدافع السياسي بين الأحزاب المغربية، وخصوصا منذ ” التعديل ” الدستوري سنة 2011. وقد كان خطاب داكار في ذكرى المسيرة الخضراء خلال السنة الماضية نموذجا لموقف ملكي منتقد للسلوك السياسي للأحزاب عندما كان البلوكاج الحكومي في بداياته الأولى. ومع ذلك لا شيء تغير في هذا السلوك، فالفرقاء الحزبيون يصفقون كالعادة لكل ما يصدر عن الملك، ويعتبرون أنفسهم غير معنيين بالإنتقاد الذي يوجهه لسلوكهم، وكل بما لديهم فرحون.

خطاب العرش هذه السنة كان أكثر قوة وحدة ووضوحا، لكنه لن يكون كافيا كالعادة، لأن منع حليمة عن عادتها القديمة لا يتحقق بالكلمات والتوجيهات ولغة النصح والإرشاد. هؤلاء الذين يطالبهم الملك بالإختيار بين العمل بمسؤولية والتفاني في خدمة المواطن أو الإنسحاب وتقديم الإستقالة لا يبدو أنهم مستعدون لتغيير ما بأنفسهم، فالحديث عن شعار: تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة ظل يتردد على مسامعنا منذ عقدين من الزمن، لكن دار لقمان مازالت على حالها. وما شهدته الحسيمة من حراك شعبي عارم خلال الأشهر الأخيرة هو نتيجة حتمية لاستشراء الفساد وغياب المحاسبة والإفلات من العقاب، والضحية باستمرار هو المواطن البسيط الذي لا يمتلك أدنى شروط العيش والكرامة الإنسانية. وعندما يطالب هذا المواطن بحقوقه يواجه باللامبالاة حينا وبالقمع أحيانا بدل الإنصات الجاد إلى همومه ومحاسبة المسؤولين الحقيقيين عن تردي الوضع الإجتماعي وغياب التنمية المجالية…هذا يعني أن حلقة ما مفقودة في المشهد المغربي تمنعنا من فهم واستيعاب ما يجري.

 قال الملك في خطابه: “نعيش اليوم في مفارقات صارخة، من الصعب فهمها أو القبول بها”. هذا الكلام يمنح للشارع المغربي إذن الحق في الإحتجاج  خصوصا في مناطق ” المغرب غير النافع” التي تفتقد لأبسط شروط التنمية، كما أنه يبرر نفور الشارع المغربي من السياسة والسياسيين الذين ينظرون إلى المواطنين بوصفهم مجرد أرقام إنتخابية تتجدد صلاحيتها مرة واحدة كل خمس سنوات. يضم الملك صوته إلى أصواتنا بعد هذا قائلا: ” أمام هذا الوضع، فمن حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات وإجراء الإنتخابات وتعيين الحكومة والوزراء والولاة والعمال والسفراء والقناصلة، إذا كانوا هم في واد، والشعب في واد آخر؟”. هذا السؤال العريض يتردد على لسان فئة واسعة من أبناء هذا الشعب الذين فقدوا ثقتهم في مختلف مؤسسات الدولة،  لكن السؤال الذي ينبغي أن نجيب عنه من أجل الفهم هو: لماذا هم ( المسؤولون) في واد والشعب في واد آخر؟. الجواب ببساطة شديدة هو أن هؤلاء الذين يتحملون مسؤولية الشأن العام في مختلف المؤسسات ينظرون إلى مناصبهم بمنطق التشريف لا بمنطق التكليف. وهم يعرفون أن آلية المحاسبة معطلة عن العمل، لذلك تحولت كثير من مناصب المسؤولية إلى بقرة حلوب يدر ضرعها ريعا سائغا للسارقين بدون رقيب ولا حسيب.

أما في ما يتعلق بالنخب الحزبية، فإن دور السلطة في ما تعيشه من تردي فكري وقيمي ثابت لا محالة، فنحن نجني اليوم الثمار المرة لتدخل الدولة المستمر في الشأن الحزبي، حيث أغلب الأحزاب المؤثرة في المشهد السياسي هي من صنيعة الدولة نفسها، وأغلب الزعماء والقادة الحزبيين حولوا هيئاتهم السياسية إلى ضيعات وملكيات خاصة ودكاكين سياسية تحارب الكفاءات والشرفاء، وتبيع الأوهام للمواطن، وتسعى إلى الحصول على المقاعد البرلمانية بكل الطرق والوسائل. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فلا يمكن أن ننتظر من أحزاب كهذه أن تنقل المغرب إلى سكة الديموقراطية وبناء الدولة المدنية، لأن همها الأساسي هو الحفاظ على قربها من دوائر القرار ونيل رضاها وعطفها. إنها لا تنتمي إلى هذا الشعب ولا تنبثق منه ولا تعبر عن همومه ومشاكله وانتظاراته.

اللافت في خطاب الملك، وهذا هو مربط الفرس، هو تأكيده على ضرورة تغيير هذا الواقع المتردي على مستوى الممارسة السياسية والإدارية على السواء: ” هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، لأن الأمر يتعلق بمصالح المواطن والمواطنين…”. وواضح هنا أن حراك الحسيمة سيكون له ما بعده، وينبغي أن يكون له ما بعده بالتأكيد. والمنتظر الآن هو الإنتقال من التشخيص إلى العلاج، المنتظر هو ربط الأقوال بالأفعال حتى تتم محاسبة كل المسؤولين عن التلاعب والإستهتار بحقوق هؤلاء المواطنين. هذا هو مبتغى الشعب المغربي اليوم… ويبدو أن قرار العفو عن بعض معتقلي الحراك هو خطوة مهمة في اتجاه التهدئة، والمأمول الآن هو الإفراج عن باقي المعتقلين في المستقبل القريب، وذلك بموازاة مع إظهار تدابير عملية تقضي على أسباب تغول الفساد وثقافة الإفلات من العقاب. يقول الملك في هذا الصدد:

” لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدأ ( ربط المسؤولية بالمحاسبة). فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز وبكافة مناطق المملكة.”.

  لقد آن الأوان لإعمال القانون على الجميع، ولن يتحقق هذا الطموح إلا إذا تساوى فيه الوزير بالغفير. فالعدالة هي حجر الزاوية في إعادة ثقة الشعب في المؤسسات والأمل في المستقبل. يجب إذن أن لا يبقى هذا الشعار مجرد كلام عاطفي لا سند له في الواقع. ينبغي أن يسري مبدأ المحاسبة على الجميع مهما بلغت مكانة المسؤول ونفوذه وقوته. وبذلك فقط يمكن أن ننظر بتفاؤل لمغرب الغد.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here