محمد مغوتي: قضية فتاة الحافلة بالمغرب.. جرس انذار للجميع

mohamed-maghouti

محمد مغوتي

قضية فتاة الحافلة التي هزت الرأي العام المغربي، وأصبحت مادة دسمة للتناول الإعلامي… لا تستحق الإستنكار والشجب والغضب فحسب، بل تستوجب نقاشا مجتمعيا حقيقيا حول منظومة القيم ببلادنا. فالتحرش والإغتصاب والعنف ضد المرأة سلوكات يعيشها الشارع المغربي كل يوم، ومشهد محاولة اغتصاب الفتاة في الحافلة ليس فعلا منعزلا أو غريبا. وحدها كاميرا الهاتف النقال التي وثقت الحادثة هي التي حولت الموضوع إلى قضية رأي عام وجعلته باعثا للصدمة والحيرة، لأننا تعودنا على إبعاد مثل هذه المشاهد عن النقاش العمومي بداعي العادات والتقاليد و” الحشومة” والشرف… وذلك رغم أن كثيرا من السلوكات المنحرفة تحدث جهارا نهارا أمام أعيننا. وكل هذا الغضب العارم- بسبب فيديو يوثق هجوما جماعيا لمراهقين يستبيحون جسد فتاة مغلوب على أمرها- لن يغير في الواقع شيئا بدون إجراءات عملية لمعالجة هذه الأمراض الإجتماعية التي تنخر بصمت نسيجنا المجتمعي.

الفتاة التي تعرضت لمحاولة الإغتصاب من طرف مجموعة من المراهقين الذين نزعوا ثيابها وعبثوا بجسدها على متن حافلة للنقل العمومي، ليست إذن إلا الشجرة التي تخفي الغابة. ولا يمكن في هذا المقام التوقف عند هذه الحادثة بعينها، لأن مناقشة الواقعة تقتضي فهم سيكولوجية المراهقين وطبيعة النظام الإجتماعي الذي يعيشون داخله. فهم يعتبرون بدورهم ضحايا لواقع مؤلم، لكنهم اختاروا ضحية أخرى ليمارسوا عليها ساديتهم، وكأنهم تقمصوا سادية المجتمع وأسقطوها على ضحيتهم الضعيفة… لذلك فحادثة الحافلة يجب أن تشكل مناسبة لنقاش جاد حول الموضوع، لأن ما يجري داخل الغرف المغلقة من تحرش وعنف ضد النساء لا يخرج إلى العلن، أو لنقل إن الطابوالإجتماعي يمنعه من الظهور والتداول، لذلك تعيش المرأة التي تتعرض للتعنيف أو الإغتصابفي أغلب الأحوال بجراح نفسية تستعصي على الشفاء، وهي تئن بصمت لا لأنها تستطيع مكابدة آلامها وأحزانها، بل لأن هذا المجتمع لا يرحمها، فهي في عرفه مذنبة ومخطئة على كل حال لأنها “ضلع أعوج” و” ناقصة عقل ودين”، وعندما تخرج إلى الشارع وترتدي اللباس العصري تصبح “صيدا ”  ثمينا للمتربصين والبصاصين والمتحرشين، وهي بالنسبة لهؤلاء مسؤولة عن كل ما تتعرض له من مضايقات وما تسمعه من كلام، لأنها اختارت أن تقتحم الفضاء العام في مجتمع ذكوري تقليدي.. وهذا يجرنا إلى المنطق التبريري الذي يواجه به البعض هذه الظواهر عندما يعتبرون أن سلوك التحرش هو رد فعل من الرجل الذي تستفزه المرأة “السافرة”، والحال أن مظاهر التحرش لا تستثني سافرة ولا محجبة. واللباس يبقى في كل الظروف اختيارا شخصيا حرا بما يستقيم مع الذوق السليم، ولا يحق لأي أحد مصادرته بأي شكل من الأشكال.

إن الداء الحقيقي يكمن في هذه الثقافة الإجتماعية السائدة التي تشكل حاضنة لهذه السلوكات التي ترفضها كل الشرائع والقوانين والأنظمة،ولابد في هذا الإطار من اعتماد المقاربة الزجرية، لأن تنصيص القانون على أحكام واضحة وتفعيلها في تجريم كل السلوكات المهينة التي تستهدف المرأة من شأنه أن يساهم في محاربة هذه الممارسات المتفشية في المجتمع. وفي هذا السياق مازال النظام التشريعي المغربي في حاجة إلى مجهود جبار لتشريع قوانين أكثر صلابة لحماية المرأة من مظاهر التحرش التي تتعرض لها في مختلف تفاصيل حياتها اليومية، لكن القانون وحده لا يحل المشكلة، لأن حضور الجنس في المخيال العام الذي يحصره في خانة الطابوهات يخلق كبتا إجتماعيا ينتهي بإنتاج مثل هذه السلوكات التي تسائل قيمنا وأخلاقنا وهويتنا. لذلك لابد من تربية جنسية سليمة تتجاوز هذا السياج الإجتماعي الذي يضع الجنس في دائرة الممنوع أو المسكوت عنه. لذلك ينبغي أن يمتلك القائمون على الشأن التربوي ببلادنا الجرأة على اقتحام هذا الفضاء الخاص وجعله فضاء عاما من خلال برمجة التربية الجنسية ضمن مناهج التعليم في المدرسة المغربية من أجل تمكين الناشئة من فهم أعمق وواضح لمفهوم الجنس،والإنفتاحالمتبادل للذكر والأنثى على دلالة الجسد، والتعامل مع جسد المرأة بالتحديد بعيدا عن استيهامات عقلية ” الإمتاع والمؤانسة” التي تختزلها في عنوان ” المرأة المتاع”.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here