محمد مغوتي: المغرب: النقاش حول الإرث يستنفر وصاية الفقيه

محمد مغوتي

انضمت حركة التوحيد والإصلاح إلى النقاش الذي أثارته “مجموعة المئة ” التي ضمت فاعلين ونشطاء حقوقيين وإعلاميين وجمعويين وجامعيين… وقعوا عريضة تطالب بإلغاء نظام الإرث عن طريق التعصيب من قانون المواريث المغربي. وبالرغم من أن موقف الحركة كان عاديا جدا ومنتظرا، فإن البلاغ الذي صدر عنها يقتضي إبداء بعض الملاحظات من أجل نقاش هادف وهادئ.

البلاغ الصادر عن المكتب التنفيذي للتوحيد والإصلاح، والذي وقعه رئيس الحركة بتاريخ 31 مارس 2018، توقف عند أربع نقط ترتبط بالنقاش المفتوح حول نظام الإرث بالمغرب:

(( 1-التمسك بسمو المرجعية الإسلامية، وخاصة منها القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية.

2-الترحيب بكل اجتهاد فقهي وقانوني يستجيب للمتطلبات والتطورات ويعالج المشاكل المستجدة الحقيقية، متى وقع ذلك في نطاق المرجعية الإسلامية ومنهجها في الإجتهاد. وتم اعتماده من خلال المؤسسات الدستورية الخاصة.

3-رفض الإنسياق مع المطالب المفتعلة والمضخمة، الرامية إلى صرف اهتمام المجتمع عن أولوياته واحتياجاته الفعلية، ومحاولة شغله ببعض المزايدات والشعارات الإيديولوجية.

4-دعوة العلماء والمفكرين إلى تحمل مسؤولياتهم في معالجة ما يثار من دعوات وشبهات تستهدف المنظومة الإسلامية العقدية والأخلاقية والتشريعية.)).

الملاحظة التي لا تخطئها العين في مضامين هذا البلاغ تتجلى في كون الحركة تعبر ظاهريا عن ترحيبها بكل اجتهاد فقهي وقانوني يعالج المشاكل المستجدة إجتماعيا، لكنها في المقابل تهاجم بوضوح المبادرات التي تحاول خلق نقاش مجتمعي بهذا الخصوص، وهي بذلك تنسى أو تتناسى أن الحاجة إلى الإجتهاد، سواء كان فقهيا أم قانونيا، لا تنفصل عن هموم ومشاكل وقضايا المجتمع. ومن تم فهو(الإجتهاد) استجابة مباشرة لمطالب ومبادرات و”نوازل” تقتضي إعادة النظر في التشريعات والقوانين المعمول بها بغية تعديلها أو تطويرها أو إلغائها حسب السياق والمقتضى. ونحن ندرك أن الغاية الأساسية من الإجتهاد الفقهي هي رفع الحرج عن الناس وتيسير أمور حياتهم في ما يتعلق بالمعاملات على وجه التحديد.

يمكن لقائل أن يقول بأن الإجتهاد الفقهي له أصوله وقواعده ومتخصصوه (وهذا هو المبرر الذي يسوقه الإسلاميون عادة لتبخيس وتسفيه كل النقاشات التي تثير حساسية دينية). والواقع أن هذا المبرر هو حق يراد به باطل، وذلك لسببين رئيسيين:

أولا: لا يمكن أن نختلف مبدئيا بأن كل مجال معرفي يحتاج إلى متخصصين ودارسين ملمين بشروط الموضوع وممتلكين لوسائل ومناهج البحث والدراسة، لذلك لا يمكن نظريا للمتخصص في الشعر مثلا أن يلم بالظواهر الفيزيائية أكثر من عالم الفيزياء، كما لا يمكن لهذا الأخير أن يكون متبحرا في قواعد الشعر وتفاصيله الدقيقة أكثر من ذوي الإختصاص في هذا النوع الأدبي.

المفارقة هنا تتجلى في كون فيتو “التخصص” الذي يرفعه “الشيوخ والفقهاء” في وجه كل من يتناول بالنقاش قضايا دينية أو ذات امتداد وتأثير دينيين، لا يلتفتون إليه مثلا عندما يرتدون جبة العلماء فيصبحون فلكيين وفيزيائيين بدون سابق معرفة، لأن هدفهم الأساسي هو استثمار أي إنجاز علمي للتسويق لما يسمونه إعجازا يصنعونه من خلال لي أعناق النصوص. وهذا يعني أنهم يقولون ما لا يفعلون.

ثانيا: الشأن الديني ليس شأنا خاصا، بل هو شأن عام، ومن هذا المنطلق يحق لجميع الناس أن يناقشوا قضايا ترتبط بالدين، وخصوصا في ما يتعلق بالتشريعات المتعلقة بالمعاملات، وبالمقابل لا يحق لأي أحد أن ينصب نفسه وصيا على أفهام الناس، أو يمنعهم من التفكير والتساؤل حول قضايا تهم حياتهم اليومية. والعريضة التي أثارت هذا النقاش تتناول واقعا اجتماعيا يتطلب معالجة قانونية لرفع الضرر عن فئة معينة. أما إذا كان هؤلاء الموقعون على العريضة يفتعلون نقاشا تحركه مزايدات وشعارات إيديولوجية، كما جاء في نص البلاغ أعلاه، فلماذا لا يجتهد الشيوخ والفقهاء ( وهم ذوو الإختصاص) في الموضوع لينقذوا إيمان المغاربة من المزايدات التي يتحدث عنها البلاغ؟. هم لن يفعلوا ذلك بالتأكيد، لذلك يهاجمون بضراوة كل من يثير مثل هذه النقاشات لأنها تحرجهم، وتسائل مطلب الإجتهاد الذي يرفعونه كشعار، لكنهم يغيبونه كممارسة. وهذا يعني أنهم يختبئون وراء فيتو “الإختصاص” من أجل أن لا يتغير أي شيء، لأن هؤلاء المتخصصين أنفسهم لا يملكون الشجاعة اللازمة لمراجعة المنظومة الفقهية التقليدية وتجديدها. ومن تم لا يمكن الحديث عن الإجتهاد بالمعنى الذي يحقق الأفق المقاصدي للتشريعات الدينية .

بلاغ “التوحيد والإصلاح” يصنف العريضة في خانة المطالب المضخمة والمفتعلة التي تهدف إلى صرف نظر المجتمع عن أولوياته واحتياجاته الحقيقية. والواقع أن لفظ “المزايدات” الذي وظفه نص البلاغ لمهاجمة المطالبين بإلغاء نظام الإرث عن طريق التعصيب من قانون المواريث في بلادنا. هذا اللفظ إذن ينطبق تحديدا على الحركة التي أصدرت هذا البلاغ أكثر من غيرها. وإذا افترضنا جدلا بأن النقاش ينبغي أن ينصب حول قضايا أكثر أهمية وأولوية مثل التعليم والتشغيل والقدرة الشرائية والوضع الإجتماعي… فإن الحركة مدعوة لتوضيح مواقفها بخصوص هذه القضايا. هل تمثل حقا أولوية بالنسبة لها؟. لماذا إذن لم يتضمن بلاغها الأخير أية إشارة لهذه القضايا الوطنية؟ لماذا لم يتحدث البلاغ عن احتجاجات جرادة مثلا؟. يبدو أن شعار الحركة هو “غزة قبل تازة” لذلك خصصت فقرة كاملة للتطورات التي عرفتها الأراضي الفلسطينية خلال الأيام الأخيرة بمناسبة “يوم الأرض”، لكنها لم تتناول الشأن الوطني إلا من نافذة الهجوم على مبادرة الموقعين على العريضة. ولهذا الموقف ما يبرره طبعا، فالحركة تدين بالولاء لحزب العدالة والتنمية، ولا يمكن أن تصادم الخيارات الإقتصادية والإجتماعية للحزب الذي يقود الحكومة حتى ولو كانت نتائجها كارثية على الشعب، بينما لم يكن هذا هو حال لسان الحركة عندما كان حزب المصباح في صف المعارضة قبل 2011.

العريضة التي نحن بصدد الحديث عنها تسلط الضوء على حالة بعينها، وهي الحالة التي تشير إليها الفقرة التالية:

 “قانون المواريث يعطي الحق للرجل في الاستفادة من الإرث كاملا في حال كان الوريث الوحيد”، في حين “لا تستفيد المرأة من هذا الحق، إذ ترث فقط نصيبا مقدّرا معلوما يسمى فرضا، مما يعني أن الوارثات اللواتي ليس معهن شقيق ذكر، ينبغي عليهن تقاسم الإرث مع الذكور الأقربين من إخوة وأبناء إخوة وأعمام وأبناء عم وإن بعدوا”.

واضح أن هذا المطلب ينسجم مع مقتضيات المنطق والعدالة، لأن الإبقاء على التعصيب بالشكل الذي يجري به العمل في قانون المواريث لا ينصف المرأة التي تنطبق عليها الوضعية المذكورة في الفقرة السابقة. والدعوة إلى إعادة النظر في هذه المسألة واجب يقتضيه الواقع الإجتماعي من جهة، ويحث عليه الإسلام نفسه إذا نظرنا إلى المسألة على ضوء مقاصد الشريعة. لذلك فإن المبادرة تستحق الإهتمام، لأنها تساهم بإيجابية في النقاش المجتمعي المفتوح في بلادنا، والمتعلق بالمطلب الحقوقي الذي يسعى إلى المساواة كمؤشر أساسي من مؤشرات العدالة الإجتماعية. وكان من الأولى مناقشتها بهدوء ووعي لا مهاجمتها وتبخيسها وتوجيه الإتهامات الجاهزة للموقعين عليها، خصوصا وأن نص العريضة لا تطالب بإلغاء أية فريضة، ولا تتضمن ما يشير إلى إعادة النظر في نظام الإرث برمته، بل تسلط الضوء على حالة بعينها تفرض نفسها، وتحتاج إلى تكييف قانوني ينسجم مع السياق التاريخي والإجتماعي الذي نعيش فيه.

وهي بذلك لا تستدعي كتابة “مانشيتات” دعائية من قبيل “العرائض لا تلغي الفرائض” أو توقيع عريضة مضادة على موقع “أفاز” تطالب بالحفاظ على “شرع الله” في الإرث، وكأن الدعوة إلى إعادة النظر في مسألة التعصيب المذكورة تعتبر تعديا على الشرع الإلهي، أو كأننا بصدد استفتاء شعبي يسعى نحو أغلبية عددية في مواجهة خصم لا وجود له إلا في اللاشعور الجمعي لأوصياء الدين الذين يكبلهم الموروث الفقهي القروسطوي، ويكبلون حركية المجتمع وديناميته.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here