محمد مغوتي: المغرب: أين تتجه أزمة البلوكاج؟

mohamed-maghouti (2)

محمد مغوتي

مفاتيح الخروج من حالة البلوكاج التي تعيشها مفاوضات تشكيل الحكومة منذ أكثر من شهرين، توجد عند الأمين العام الجديد لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي فرض نفسه رقما صعبا بعد انتخابات 07 أكتوبر. وحتى الآن لا يبدو أن أخنوش مستعد للإفراج عن الحكومة المنتظرة. هذا الموقف يعني أن الموقع التفاوضي لبنكيران لا يسمح له بالمناورة إطلاقا، فهو يدرك أنه أصبح في مواجهة مباشرة مع آلة السلطة القوية، وأن الأمر ليس مجرد خلاف في وجهات النظر بين الأحزاب التي يتحاور معها، لكنه لا يقر بذلك بوضوح، إذ مازال حريصا من خلال تصريحاته وخرجاته الإعلامية القليلة على إبقاء مشكلة تعثر المفاوضات حول تشكيل الحكومة الجديدة في مستوى الشأن الحزبي. وهذا ما يستشف على الأقل في إصراره حتى الآن على عدم إقحام الملك في هذا الموضوع، وذلك عندما استبعد اللجوء إلى ما يسمى ب”التحكيم الملكي” للفصل في أزمة تشكيل الحكومة.

بنكيران الذي صرح قبل شهر تقريبا بأنه سيسلم المفاتيح ( على حد تعبيره) في حالة تواصل البلوكاج، يبدو اليوم غير قادر على الإنتقال من القول إلى الفعل، فهو يعرف أن العودة إلى الملك لإبلاغه بفشل المفاوضات بشأن تشكيل الحكومة، يعني تنازلا منه عن حقه الدستوري في رئاسة الحكومة المرتقبة. وبما أن الملك حافظ على “المنهجية الديموقراطية” عندما عين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية، فإن فشل بنكيران سيجعل الملك غير ملزم بمضامين الفصل 47 من الدستور، مادام أن تعيين شخصية أخرى من العدالة والتنمية للبدء بمشاورات جديدة مع الأحزاب السياسية لن يغير من واقع الحال شيئا على الأرجح. ومن تم فإن صبر بنكيران له ما يبرره، فهو يخشى من عودة سيناريو 2002 عندما تم تعيين وزير أول من التقنوقراط رغم فوز الإتحاد الإشتراكي بالإنتخابات البرلمانية. وحتى لو أخذنا في الإعتبار اختلاف السياق المغربي الحالي عن تلك المرحلة، فإن السند الدستوري يجعل إمكانية تكرار تلك التجربة (ولو بطريقة مختلفة) واردة جدا. وهو ما يعبر عنه تزايد الحديث بين المهتمين بالشأن السياسي ببلادنا خلال الآونة الأخيرة عن إمكانية العودة إلى مضامين الفصل 42 من الدستور كحل للخروج من الأزمة.

نقرأ في الفصل 42 من دستور 2011 ما يلي : ” الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية…”. من بين المهام الأساسية التي يختص بها الملك إستنادا لهذا الفصل إذن: السهر على احترام الدستور، وارتباطا بتعيين رئيس الحكومة، يبدو الملك وفيا لنص الدستور وملتزما به… لكن وبوصفه ضامن دوام الدولة واستمرارها، يحق له أن يستخدم صلاحياته ” كحكم أسمى” إذا تواصل مسلسل البلوكاج، وعجز بنكيران عن تشكيل الحكومة. وهنا يصبح الغموض سيد الموقف مادام المقتضى الدستوري لا يجيب بوضوح عن الإمكانيات التي يتاح اللجوء إليها في مثل الوضع الذي نعيشه الآن. ولا أحد يستطيع التكهن بدقة بالقرار الذي سيتخذه الملك. وبسبب هذا الغموض بالذات ليس في وسع بنكيران إلا أن ينتظر، وهو في موقع لا يحسد عليه، وربما كان محقا عندما وصف حاله أمام بعض مريديه قبل عدة أسابيع بأنه يمر من “محنة”… وواضح أن المقاومة التي يبديها رئيس الحكومة المعين حتى الآن قد تنتهي إن عاجلا أم آجلا إما بإعلانه عن الفشل، وهذا ما يحاول استبعاده أو تأجيله على الأقل، وإما بتشكيل حكومة بالشروط التي يفرضها التجمعيون. وهذا يعني أنه سيكون مرغما على التخلي عن حزب الإستقلال، خصوصا في ظل حبل الود المقطوع بين الميزان والحمامة. ولعل تحرك حزب الإتحاد الإشتراكي خلال الأيام الأخيرة يسير في هذا الإتجاه. إذ يبدو أنه اختار التخندق مع أحزاب كان يسميها حتى وقت قريب ب “أحزاب الإدارة” عوض الإصطفاف بجانب شريكيه التاريخيين في الكتلة ( الإستقلال والتقدم والإشتراكية ). وهو ما يجعل بنكيران في موقف حرج، لأن الخضوع لشروط أخنوش ستجعله وحزبه الحلقة الأضعف في الحكومة المرتقبة.

الفصل 42 من الدستور يمنح للملك صلاحية التحكيم، وهو وحده قادر على تجاوز حالة البلوكاج، لكن، ما الحل الذي يمكن أن يلتجأ إليه ملك البلاد في حالة استمرار الأزمة الراهنة؟. هل يمكن أن يعين رئيسا جديدا للحكومة من حزب آخر؟ هل يمكن تكرار تجربة 2002 عبر تعيين رئيس الحكومة من خارج التشكيلات الحزبية؟. هل سيتم الإعلان عن إنتخابات تشريعية جديدة؟.

إنها الأسئلة الأكثر تداولا بين المراقبين والمهتمين بالشأن السياسي المغربي. والواقع أن سكوت الدستور عن تقديم إجابة صريحة بشأن طريقة الخروج من حالة البلوكاج، يجعل كل الإمكانيات الواردة التي تحملها الأسئلة المذكورة واردة سواء عبر تأويل ما للفصل 47 أو عبر اللجوء إلى الصلاحيات التي يمنحها الفصل 42 للملك. لكن هذه السابقة التي يعرفها المشهد السياسي ببلادنا منذ انتخابات 07 أكتوبر تضع الدولة أمام امتحان حقيقي، لأن البناء الديموقراطي المتعثر الذي يسير فيه المغرب لا يحتمل مزيدا من التراجعات، لذلك فإن الحكمة تقتضي ( في حالة تواصل البلوكاج) اتباع التقاليد التي عملت بها بعض الدول الديموقراطية التي مرت من نفس التجربة التي يعرفها بلدنا اليوم. ويتعلق الأمر طبعا بالعودة إلى صناديق الإقتراع من جديد.

وواضح أن هذا الحل الضروري للمضي قدما في مسار الإختيار الديموقراطي سيكون مكلفا ماديا وسياسيا أيضا. ولا يبدو هذا الخيار في مصلحة الأطراف التي تساهم في استمرار أزمة البلوكاج، لأن إعادة الإنتخابات قد تؤدي إلى اكتساح البيجيدي للنتائج، وستكون الأحزاب التي تقدم إعلاميا بأنها تعرقل مساعي تشكيل الحكومة هي الخاسر الأكبر من العملية، كما أن هذه الإنتخابات يمكن أن تفرز نفورا كبيرا عن صناديق الإقتراع من شأنه أن يعيد من جديد سؤال الجدوى من العملية الإنتخابية وعلاقة المغاربة بالسياسة وبالأحزاب، لأن ما يجري اليوم في دهاليز المشاورات بين الفرقاء الحزبيين لا يؤدي إلا إلى مزيد من فقدان الثقة في السياسة والسياسيين.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here