محمد مصطفى العمراني: يمنيون في الحجر المنزلي منذ سبع سنوات!

محمد مصطفى العمراني

من يتابع الساحة الإعلامية والفكرية اليمنية منذ عام 2014م اي منذ بداية إتجاه بوصلة الأحداث في اليمن نحو الحرب يلاحظ ظاهرة هامة لم يلتفت لها الكثير وهي أن هناك نسبة كبيرة من النخبة اليمنية آثرت الابتعاد عن الأحداث ومتابعة المشهد اليمني بصمت دون أن تعلن عن موقف أو تنحاز لطرف أو يكون لها رأي معلن فيما يحدث ، أعرف بعض هؤلاء وهم شخصيات يمنية بارزة ولها رصيد وطني كبير وشعبية جارفة وقبول واسع وقد قامت بعض هذه الشخصيات بجهود كبيرة وقدمت مبادرات عديدة للحيلولة دون الانزلاق للحرب كما وجهت هذه الشخصيات وعبر منابر إعلامية مناشدات مؤثرة ونصائح صادقة للجميع وحذروا من الانجرار للحرب وتداعياتها الكارثية على حاضر اليمن ومستقبله و لكن عندما تجاهلت كل الأطراف نصائحهم وفشلت جهودهم في منع الحرب وعندما تعالت أصوات المدافع والصواريخ صمت هؤلاء ودخل البعض منهم فيما يشبه ” الحجر المنزلي ” وذلك قبل سنوات من الحجر المنزلي الذي يعيشه العالم الآن احترازا من وباء كورونا .

لقد رفضت هذه الشخصيات الانحياز لطرف رغم أن البعض قد تعرضوا لضغوط شديدة وتهديدات  وإغراءات كبيرة قدمت لهم من جهات وشخصيات حاولت استقطابهم إليها بشتى السبل والوسائل لكنهم آثروا ان يبقوا على مسافة متقاربة من الجميع وأن يظل موقفهم صلبا ضد الحرب مهما حدث وضد أخطاء الجميع مهما كانت مبرراتهم .

بعضهم كان يكتب في الصحف ويحاضر في فعاليات ويتحدث في القنوات الفضائية ومنذ بدء الحرب صمت تماما ودخل مرحلة ” الحجر السياسي ” في منزله والبعض تفرقوا في المنافي يعانون الغربة ومرارتها ويتابعون ما يحدث في وطنهم بصمت وحسرة وألم ويحتفظون بمواقفهم مما يحدث للمحيطين بهم بعيدا عن النشر .

لا نستطيع تخوين هؤلاء الذين افتقدنا حضورهم وغابت مواقفهم من الأحداث أو اتهامهم بالجبن والضعف اذ من المؤكد ان لهم رأي وموقف مما يحدث ولهم مبرراتهم وخاصة أن موقفهم لن يعجب هؤلاء ولن يرضي أولئك لأنهم ضد الكل ومن أجل الجميع وهم يدركون أنهم حتى لو تحدثوا بعد هذا الصمت الطويل فإن أصواتهم العقلانية ومواقفهم مهما كانت حكيمة ورصينة ولصالح الجميع ستضيع في زحام التخندق الإعلامي المحتدم بين الجانبين وستتلاشى صيحاتهم بين أصوات المدافع ودوي الانفجارات وضجيج الإعلام الحربي والتحشيد العسكري والتحريض الإعلامي الذي لا صوت يعلو عليه .

شخصيا كنت مطلع على مبادرات خجولة وجهود  شبه فردية للمصالحة وإحلال السلام في اليمن ولكن هذه الجهود وأدت في مهدها وأساء البعض فهمها وتفسيرها وللأسف عاد من تبنوها إلى الصمت ومتابعة المشهد اليمني عبر وسائل الإعلام وترقب ما ستؤول إليه الأحداث .

هذا التيار الوطني المغيب المهمش ممن دخلوا ” الحجر السياسي ” كراهية أو طواعية وسيخرجون منه وهم ما يزالون ” بتقديري ” يحتفظون برصيد كبير من الإحترام والقبول عند الجميع سيكون له التأثير الأكبر عندما تضع الحرب أوزارها وعندما تصمت أصوات القذائف والرصاص ويصل المجتمع الدولي والقوى الإقليمية إلى قناعة بضرورة إيقاف الحرب في اليمن وحينها ستشكل هذه الشخصيات اليمنية جسر التواصل الذي سيعمل على بناء الثقة بين مختلف الأطراف وسيضع عهود السلام ومواثيق المصالحة وحقن الدماء في موضع التنفيذ وهؤلاء هم من سيرسون أسس التعايش بين أبناء اليمن ويرتقون ما تمزق من النسيج الإجتماعي ويضمدون الجروح التي تنزف في القلوب والنفوس ويلجمون تجار الحروب حيث سيكونون فرسان تلك المرحلة ورموزها .

الكثير من العقلاء والحكماء تضيع أصواتهم الرصينة ومواقفهم الحكيمة في زمن الحرب ولكنهم فرسان السلام  وأبناء اليمن مهما استمرت رحى الحرب تطحن شبابهم وتدمر مكتساباتهم سيصلون يوما إلى قناعة تامة أن الكل خاسر وأن لا جهة تستطيع استئصال الآخر مهما كانت قوتها ومبرراتها وأن لا بديل عن التعايش والتصالح في وطن يتسع للجميع وفي ظل دولة للجميع .

كاتب يمني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. الفئة التي تتحدث عنها يا استاذ محمد ستعود باذن الله بعد انتهاء الحرب واتمنى ان يكون لها صوت مسموع ودور ايجابي حينها ، ولكن هناك فئة اخرى يؤلمنا جدا وجودها الان في زمن الحرب وهي فئة “المنتفعين” المتسلقين الذين “التصقوا” كالعوالق بطرفي الصراع ليس عن قناعة او عقيدة وانما بهدف تحقيق المنافع الشخصية وجمع الثروة والنفوذ والسلطة فقط ، هذه الفئة نتمنى ان يكون مصيرها بعد انتهاء الحرب معاكسا تماما لمصير الفئة السابقة التي تتحدث عنها ، اما اذا بقي هؤلاء في مناصبهم بعد انتهاء الحرب “فلم يحاسبهم احد ولم يعاقبهم احد” فان كل الصبر والتضحيات والدماء التي بذلت اثناء الحرب ستذهب هباء وسيكون انتهاء الحرب مجرد بداية لعصر جديد من الشقاء والظلم على ابناء الشعب اليمني

    لست هنا اتحدث عن طرف معين من طرفي الحرب وانما اتحدث عن الجميع.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here