محمد مصطفى العمراني: عن إيران التي حضرت قمة تونس.. كيف تصنع نفوذها بالجهود لا بالكلام؟ 

محمد مصطفى العمراني

خلال القمة العربية بتونس كانت إيران حاضرة في كلمات بعض القادة العرب وفي البيان الختامي للقمة حيث نصت الفقرة الثالثة من البيان الختامي على ” رفض التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية وندين المحاولات العدوانية الرامية إلى زعزعة الأمن وما تقوم به من تأجيج مذهبي وطائفي في الدول العربية بما في ذلك دعمها وتسليحها الميليشيات الإرهابية في عدد من الدول العربية لما تمثله من انتهاك لمبادئ حسن الجوار ولقواعد العلاقات الدولية ولمبادئ القانون الدولي ولميثاق منظمة الأمم المتحدة ” .

وطالب البيان الختامي للقمة إيران ب”سحب ميليشياتها وعناصرها المسلحة التابعة لها من كافة الدول العربية”.

* اتهامات لا جديد فيها

لا جديد في هذه الاتهامات التي يوجهها بعض القادة العرب لإيران في كل مناسبة دون تجاوزها إلى بحث الأسباب التي أدت إلى هذا التدخل الايراني في بعض دول المنطقة وسبل إيجاد مشروع عربي يحول دون تدخل إيران أو غير إيران في دول المنطقة اذ أننا لو امعنا النظر سنجد ان دول المنطقة العربية صارت ساحة للتدخلات الإقليمية والدولية لكن عيون بعض القادة العرب صارت لا ترى سوى التدخل الإيراني في دول المنطقة .

واذا اقتربنا من تفاصيل الاتهامات التي توجه لإيران بالتدخل السلبي في دول المنطقة سنجد أن هذه الاتهامات تركز على التدخل الإيراني في أربع دول عربية هي : العراق وسوريا ولبنان واليمن واذا قمنا بدراسة هذه التدخلات الإيرانية في كل دولة من هذه الدول على حدة ستتضح لنا الصورة من كافة جوانبها لنجد ان هناك بالفعل حضور إيراني فاعل في هذه الدول عبر حلفاءها وعبر وجودها العسكري والسياسي في هذه الدول ولكن من الذي صنع هذا الحضور الإيراني في هذه الدول العربية ؟  وكيف تبلور ؟

وأين كانت الدول العربية التي تشكو الآن من التدخلات الإيرانية في المنطقة ؟

في هذا المقال سنكتفي بتناول الحضور الايراني في العراق لكونه اقوى واكثر وضوحا من غيره ويعطي صورة كافية عن كيفية التواجد الإيراني في دول المنطقة وفي المقالات القادمة سنتطرق من الحضور الإيراني في سوريا ولبنان واليمن .

*  كيف صنعت ايران نفوذها في العراق ؟

ساهمت السياسة العربية الفاشلة في الوجود الإيراني في العراق وفي تسليم العراق لإيران على طبق من ذهب اذ أنها ايدت التدخل الأمريكي للإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين دون أن تتحرك بشكل فوري للتقليل من التداعيات السلبية لسقوط نظام صدام والتواجد الإيجابي الفاعل في العراق على العكس إيران درست الموقف جيدا وتحركت على عدة محاور وجوانب فالعراق يمثل للقيادة الإيرانية قضية أمن قومي لا خلاف عليها .

* عن سياسة إيران خلال الاحتلال الأمريكي للعراق

 ورغم إعلانها في وسائل إعلامها أنها ضد التدخل العسكري الأمريكي لإسقاط نظام صدام حسين لكن في الحقيقة كانت إيران مع هذا التدخل العسكري الأمريكي ودعمته بكل السبل والوسائل وتعاملت بأسلوب برجماتي ولم تلتفت لاي اتهامات من قبيل تعاونها مع قوات الاحتلال الامريكي كما دعت المراجع والقيادات العراقية الفاعلة والتي لها صلة بها لتقديم كافة أنواع الدعم لإسقاط ” نظام الطاغية ” حتى ينال الشعب العراقي حريته وكرامته كون هذا التحرك هو أنسب الخيارات المتاحة ولم تكتف إيران بدعوة الشخصيات والجهات العراقية لدعم التدخل العسكري الأمريكي ضد النظام العراقي ومساندته عسكريا ولوجستيا واستخباراتيا وإعلاميا ومعنويا بكل شكلت غرفة عمليات متفرغة للتواصل ورصد كافة التطورات والمستجدات في العراق ودراستها واتخاذ موقف منها والعمل على الارض لإنجاح التدخل العسكري الأمريكي بما يكفي للإطاحة بنظام صدام البعثي ولكن بما لا يسبب اي ضرر لإيران والشخصيات والجهات الموالية لها ولذا تبنت سياسة ” اجتثاث البعث ” ثم عملت بعد الإطاحة بنظام صدام على ترسيخ النفوذ الايراني في العراق عبر وسائل عديدة سنتحدث عنها بالتفصيل لاحقا لكن إيران سعت منذ البداية لتشجيع وجود مقاومة عراقية مسلحة ضد الأمريكان لتقليص النفوذ الأمريكي في العراق بما يقوي من نفوذها بعد ان قام الأمريكان بالمهمة واسقطوا نظام صدام حسين فدعمت ايران فصائل عراقية بالمال والسلاح والفتاوى لتشكل مقاومة عراقية مسلحة ضد الأمريكان بل ومولت وسائل إعلامية عراقية ضد الإحتلال الأمريكي وشجعت على تدفق الشباب العربي للجهاد في العراق ضد الأمريكان وكل هذا في اطار خطة محكمة لتستفيد منها إيران في النهاية

*”تحرك إيراني مبكر ومدروس

كما تحركت إيران فور سقوط نظام صدام حسين حيث قامت إيران بالاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي العراقي في 17 نوفمبر تشرين الثاني 2003م اي فور تشكله وقامت بدعمه ومد جسور التواصل مع قياداته .

وخلال اقل من عام قامت إيران بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع العراق وبشكل كامل في 18 سبتمبر أيلول 2004م كما رحبت بتشكل حكومة ابراهيم الجعفري التي تشكلت في 3 مايو أيار 2005 م وتم التصديق على هذه الحكومة من قبل مجلس النواب العراقي المؤقت في 28 أبريل نيسان 2005م اي في ظل الإحتلال الأمريكي كما رحبت ايران بانتخاب البرلمان العراقي للرئيس جلال الطلباني ودعته لزيارة إيران في 21 نوفمبر تشرين الثاني 2005م ثم قام الرئيس الايراني احمدي نجاد بزيارة العراق في مارس اذار 2008م قبل اي زعيم عربي يزور العراق منذ الإطاحة بنظام صدام .

* تشكيل أحزاب وحركات سياسية موالية لها

كما سارعت إيران إلى دفع التيارات والقوى والشخصيات الموالية لها إلى تشكيل أحزاب وتيارات سياسية وإيجاد حضور جماهيري لها وتقديم مرشحين لها في البرلمان بعضهم عادوا من إيران حيث كانوا لاجئين فيها بعضهم تم التواصل معهم في بلدان اوربية وعربية وغيرها وجاءوا ضمن خطة عمل محددة ليتم تشكيل اكثر من 30 حزبا وحركة سياسية من الشخصيات السياسة الموالية لإيران وتم تدريبهم وتقديم دورات لهم ودعمهم ومساعدتهم في إطلاق وسائل إعلام وإقامة فعاليات جماهيرية وكل ما يتعلق بالحضور في الشارع ومخاطبة الجماهير وخوض السباق الانتخابي وغيره لتستحوذ الأحزاب والحركات الموالية لإيران على الأغلبية في البرلمان ومن ثم في الحكومة .

* تشكيل فصائل مسلحة موالية لإيران

ولم تكتف إيران بالنفوذ في المجال السياسي بل سارعت إلى العمل على تشكيل فصائل مسلحة بقيادات عراقية موالية لها لتصل عددها إلى العشرات وقامت بتدريبها وتسليحها واستغلت ايران ما يسمى بالحرب على داعش لتضم الكثير من هذه الفصائل في إطار ما يسمى ب ” الحشد الشعبي ” وتطورت هذه الفصائل الشيعية المسلحة في العراق وصار لديها أذرعا سياسية، وتشير تقديرات إلى أن قوات الحشد الشعبي تعاظمت خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية حيث يقدر عدد أفرادها حاليا بأكثر من 100 ألف مسلح وتم اعتمادها وصرف رواتب وميزانية لها من وزارة الدفاع وهذه الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق ما هي إلا جزء مم استراتيجية إيران العسكرية في العراق .

* نشاط دبلوماسي كبير ومتواصل

وفي المجال الدبلوماسي لم تكتف ايران بسفارتها في بغداد بل فتحت قنصليات في البصرة والنجف والسليمانية واربيل وكربلاء في وقت لم تعترف أغلب الدول العربية بالحكومة العراقية التي تشكلت في ظل الاحتلال وقاطعتها وتركت الساحة مفتوحة لإيران فدخلت في كافة المجالات وتغلغلت إلى مستوى وجود شركات ايرانية تتعاقد للقيام بنظافة بعض المدن العراقية وتدفقت الشركات التجارية الإيرانية على العراق في كافة المجالات حتى اغرقت السوق العراقية بمنتجاتها ..

ما سبق هو جزء بسيط من استراتيجية إيران لصناعة نفوذ وحضور فاعل لها في العراق وحتى نعطي صورة واضحة للقارئ فايران تحركت وبذلت جهودها في كافة المجالات العراقية بينما دعم العرب التدخل العسكري الأمريكي للإطاحة بنظام صدام حسين ثم تركو العراق ساحة مفتوحة لإيران فدخلت بكل ثقلها فهل نلوم إيران على وجودها في العراق ام نلوم العرب على غيابهم وغياب اي مشروع لهم سواء في العراق ؟

واذا كان هذا الحال في العراق فعلى هذا يقاس الوضع في سوريا ولبنان واليمن ثم يشتكون بعد ذلك من التدخلات الإيرانية.!!!

* المقال حصري لرأي اليوم

* باحث متخصص في الشأن الإيراني

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. النفوذ الايراني في الدول العربية هو كذبة كبيرة ودعاية صهيونية خبيثة ويقع الكثيرون في هذا الفخ. والسؤال هو من يسيطر على المنطقة ومن هم أصحاب النفوذ فيها؟
    بداية وبعد الحرب العالمية الاولى سيطرت بريطانيا وأجهزة مخابراتها على تفاصيل سياسات معظم دول المنطقة التي صنعتها، وبعد الحرب العالمية الثانية شاركتها أمريكيا الهيمنة والغنائم ، وبعد اتفاقيات الاستسلام العربية دخلت اسرائيل على الخط بقوة الى معظم الدول العربية وأخذت تعيث فيها فسادا وافسادا من خلال الاختراقات. باختصار المنطقة العربية تهيمن عليها قوى غربية وصهيونية ، والقمة الاخيرة تكفي للدلالة على ما أقول . وأي دولة تفكر فقط في الانعتاق من هذه الهيمنة يتم استخدام الدول الاخرى في المنطقة لشيطنتها اعلاميا أو تأديبها عسكريا عند اللزوم. كفانا استغفال العقول يا امبراطوريات الاعلام العربية وتحويل الانظار لصراعات بينية في المنطقة خدمة للصهاينة.

  2. لقد سبق وقالها الكاتب السعودي المرحوم عبد الله القصيبي بان العرب ظاهرة صوتية.
    وما بيان القمة العربية سوى ظاهرة صوتية والسلام

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here