محمد قصاب: الكل ثائر وحر إلى أن تثور أميركا..

 

 

محمد قصاب

10 أيام بالتمام والكمال مرت على جريمة مقتل الأمريكي من أصول إفريقية جورج فلويد خنقا بركبة شرطي أمريكي مارس كل طقوس العنف على جورج والسبب أنه دفع في متجر اشترى منه حاجياته مبلغا وقدره 20 دولار بورقة نقدية مزورة.

هذه الحادثة العنيفة التي تعرض لها فلويد لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة من حوادث العنصرية المنتشرة ليس فقط في الولايات المتحدة ” مهد الديمقراطية ” بل في كل الدول التي تدعي نفس الكذبة لنهب الشعوب وتشريد الناس من أوطانها.

التظاهرات التي عمت شوارع الولايات الأمريكية ومشاهد السلب والنهب والعنف هي لست جديدة على المتابع العربي الذي تعود على رؤية مثل هذه المناظر ولكن الجديد في الموضوع هو أن يرى هذه المشاهد في الولايات المتحدة ربما لأن عصر التسعينيات أصبح أبعد من أن يذكره البعض ليتذكر أن أحداث اليوم هي جزء من أحداث سابقة في العام 1992 في لوس أنجلوس.

العنصرية تجاه ” أصحاب البشرة الداكنة ” لم تكن يوما من الأيام حدثا يختلف عليه اثنين فالكل يرفض العنصرية تجاه أي عرق أو لون وكل دساتير العالم تنص على مساواة المواطن مع أخيه المواطن دون تمييز (هكذا تنص وليس من الضروري أن يطبق ذلك)، المهم في هذه القضية لنا كمتابعين هو أن تتوضح لنا مواقف البعض ليس على سبيل أن رأي أو موقف أحد مننا قد يغير خارطة العالم وخاصة تلك الأراء التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك بل الهدف هو أن لا نجعل ذاكرتنا هي ذاكرة رقمية قصيرة الأمد لا تتذكر إلا ما يسمح لنا بأن تتذكره فوسائل التواصل الاجتماعي وجدت لتقريب الناس بعضها البعض في ظل ثورة التكنولوجيا والشبكة العنكبوتية لا لكي تحكم عقلنا الذي أنشأ هذه الشبكة أصلا والذي يعمل كل يوم على تقديم تحديثات لها ليس لكي يكون عبد لها.

بالعودة لأحداث الولايات المتحدة جورج فلويد لم يكن سوى القشة التي أشعلت نار حقد متأصل في شعب لا يحكمه سوى العنصرية والطبقات الاجتماعية والخدمات المأجورة، مع استثناء كل من تمنعه قيمه الأخلاقية وثقافته من أن يمتثل أو أن يكون عبدا لخصلة مقيتة تجعل البشر يقيمون بعضهم البعض بصفات خلقوا بها ولم يكن لهم رأي فيها أصلا كأن تحتقر رجلا أو إمرأة بسبب اللون أو العرق أو الدين أو الجنس أو حتى الرأي الذي لا يضرك ولا ينفعك.

وهنا لا بد من الإضاءة على أهم ما يجب أن نتذكره في هذه القضية ألا وهو الرأي العام العالمي

في مواجهة جريمة قتل تكاد تكون أوقح من جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي قتل في قنصلية بلاده في العام 2018 حيث ما تزال تلك الجريمة ورغم تسريب كل تفاصيلها غامضة ولا يوجد دليل وثقها بالفيديو مثلما حصل مع جورج فلويد الرجل الذي رأي كل العالم همجية ووحشية الشرطي الذي قتله على مبدأ أفلام هوليود، الأمر الذي أشعل نار الغضب في الشارع الأمريكي.

هذه الجريمة ورغم أنها لم تكن وحدها التي هزت مشاعر العالم إذا ما عدنا لآلاف الجرائم التي ارتكبت ووثقت بالصوت والصورة في عالمنا العربي من قبل كيان غاصب محتل لأرض سرقت من شعبها وارتكب بحقهم أبشع من جريمة فلويد بألف مرة ولكن يبقى الأمر الذي يجب أن نلتفت إليه اليوم في قضية الأمريكي هو الصمت العربي المطبق والذي يكاد لا يجرأ على أن يلفظ ببنت شفة  لما يحصل في الشوارع الأمريكية خلافا للتجرأ والوقاحة العربية تجاه الكثير من القضايا القومية.

حيث أن العنتريات العربية والهمجية المتأصلة في البعض تجعله يمارس عوائه صباحا ومساء ضد من هم أقرب إليه في الثقافة والدين والفكر والمجتمع هكذا كنا وسنظل إلى أبد الآبدين نستقوي على بعضنا ونمارس فحولتنا على بعضنا وندعي دعم بعضنا في نفس الوقت هكذا هو النفاق العربي المستمر منذ آللاف السنين.

الكثير من الأسئلة التي ربما لا تعد ولا تحصى تلك التي تخطر على بال المتابع لنشرات الأخبار وهو يرى دونالد ترامب يصف ما يحدث من تظاهرات وعمليات سلب ونهب وسرقة على أنها إرهاب داخلي وليست تظاهرات سلمية.

الكل قرأ خبر إصابة عدد من أفراد الشرطة الأمريكية في حوادث إطلاق نار في لاس فيغاس وغيرها من الولايات في مواجهة مع المتظاهرين، ولكن هل تجرأ أحد على السؤل كيف يمكن أن تكون التظاهرات في بلد ما توصف بالإرهاب وفي بلد آخر توصف بطقس من طقوس  الحرية والديمقراطية!!

كيف يمكن أن يكون إطلاق النار على رجال الشرطة أمرا يدعو تدخل كل قوات الجيش والحرس والأمن الوطني في سابقة لم تحدث منذ زمن بعيد وإخفاء رئيس دولة من القوة العظمى تحت الأرض في مخبأ سري في البيت الأبيض لأنه سمع أصوات المنادين الرافضين للعنصرية، ولا يجوز لغير هذه الدولة فيما لو أصيب رجال شرطتها وجيشها وقتل منهم الآلاف أن تواجه أوأن تصد أوتدافع عن نفسها ولو حتى في المحافل الدولية!!

عشرة أيام ألا تكفي لاستجداء المنظمات الدولية وطلب عقد جلسات طارئة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والقوى العظمى في هذا الكوكب المقيت لدعوة نظام ترامب للتوقف عن قمع المتظاهرين وضربهم وتعنيفهم أمام عدسات كل شاشات الكرة الأرضية؟

لماذا لم نر أو نسمع بيان رفض من نقابة فناني الولايات المتحدة الأحرار الذي يرفضون ما يحصل ويدعون المؤسسات والجهات الدولية لإنقاذ الشعب الأمريكي، لماذا لم نسمع عن انشقاقات أو رفض تمثيل حكومي أو وزاري أو حتى رياضي على صعيد المنتخب الأمريكي ريثما يسقط نظام ترامب؟

ألم تكف عشرة أيام حتى تتضح المواقف ونسمع من الدول العربية ولو بيان تنديد وهمي لا يغني ولا يضر ولا يأخذ أحدا أصلا بقيمته وقوفا مع المطابين بوقف العنصرية إيماننا من مبدء المعاملة بالمثل فالحكومات التي أصدرت بيانات رفض واستنكار وتنديد لما حدث في سوريا في العام 2011 حتى قبل أن تقبل سماع أو مشاهدة ما يحصل على أرض الواقع أليس من الأجدر بها الآن أن تقوم بنفس الأمر أم أنه عندما يتعلق الأمر بواشنطن تخرس جميع الأفواه التي تطالب بالحرية والعدالة والديمقراطية!

عندما يصل الخطب لركب بلاد العم سام يصبح للحكومة الحق في مواجهة المخربين الهمجيين الذي يسرقون المحال التجارية والذين يخربون اقتصاد بلادهم ويهددون الأمن للمواطنين الأبرياء.

ألم تحرق المؤسسات الحكومية في سوريا أم تسرق المحال التجارية ألم تفجر القطارات والسكك الحديدية ألم تنشر الفوضى والخراب والرعب في كل أرجاء الوطن السوري في العام 2011 ألم يقتل رجال الشرطة في الأحياء والشوارع حتى قبل أن يفهم أحد ما يحصل وكل ذلك باسم الحرية. كيف يمكن اليوم وصف ما حصل في سوريا على أنها ثورة وما يحصل في الولايات المتحدة على أنه إرهاب؟

كيف لا تدعو دول حلف الناتو لطرد واشنطن من الحلف وعقد جلسات لمناقشة إرسال قوات تحالف لحماية الشعب الأمريكي من نظام ترامب؟

 كيف لم تفرض عقوبات اقتصادية على الولايات المتحدة ولم يخرج أحد ليشتم ترامب على أنه ديكتاتور يقتل شعبه؟

 كيف لم نسمع فتاوي الجهاد للتوجه لبلاد الكفر لنصرتها ضد حاكم ظالم؟

 كيف لم يوجه الإعلام العربي والغربي لنصرة الشعب الأمريكي ولم تفتح القنوات ولم تضخ الأموال ولم يرسل المرتزقة ولم تقدم لترامب وعائلته فرص الخروج الآمن من البلاد والحصول على لجوء في كوريا الجنوبية مثلا؟

كل ما سبق لا يكاد يكون نقطة في بحر من مستنقع القذارة التي غاصت الكثير من الدول العربية فيه في محاولة استرضاء حاكم البيت الأبيض الذي يواجه اليوم مصيرا مجهولا من جهة ومن جهة أخرى ربما لا يكون بعيدا عن مشروع قذر على شاكلة أحداث 11 من سبتمبر بغية الوصول لأهداف قذرة.

ويبقى السؤال الذي يحير الكثيرين في ظل انتشار وباء يعصف بكل الدول، متى سنرى حصيلة ارتفاع عدد الإصابات في الولايات المتحدة نتيجة المخالطة وعدم اتباع إجراءات التباعد الاجتماعي او أدنى سبل الوقاية في التظاهرات؟

هل سننتظر كثيرا أم أننا لن نسمع بذلك أبدا كما هو الحال ببيانات ومواقف الرفض العربية؟

موسكو

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here