محمد عياش: هجمات أيلول هل تغيرت الاستراتيجية الأمريكية؟

 

محمد عياش

 يقول هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية الأسبق: الفرق الرئيسي بين السياسيين والمثقفين، هو أن السياسيين يجب عليهم التحرك فوراً، وفي كثير من الأحيان، لا تكون لديهم إمكانية لتصحيح أخطائهم، في حين أن المثقفين يملكون الوقت الكافي للتفكير والتأمل وإعادة ترتيب أفكارهم وفقا ً للتطورات والمتغيرات.. ويجري الحكم على السياسيين من خلال أفعالهم وتصرفاتهم لا أقوالهم.

فسلوك الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة يعاني عدم التخطيط والتنظيم، وبالتالي فلا يمكن أن تتقدم برؤية سليمة لأي قضية ، لذلك نرى أنها وفي غالب الأحيان تصل لشبه اتفاق في آخر لحظة من الوقت اللازم لاتخاذ موقف أو قرار، ومعظم الأفكار تتم أحياناً في الطائرة !

   الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، وقع تحت تأثير الهجمات على برجي التجارة العالميين في 11 أيلول 2001، وكان عليه اتخاذ قرارات صعبة ظناً منه أنها تجلب المسؤولين عن الهجمات للعدالة، وتقضي على إمكانية وقوع كارثة مماثلة، وتجعل العالم أكثر أماناً.. والحرب ضد أفغانستان والعراق كانت بمثابة تتويج لهذه الاستراتيجية الاستباقية، إلا أن الأحداث وبعد مرور سبعة عشر عاماً كشفت الأخطاء الفادحة التي تميزت بها السياسة الأميركية والبريطانية.

   المعارضون لخيارات السياسة الخارجية التي انتهجها بوش، يصرون على أنه المسؤول عن الفوضى الجارية حالياً، والتي استولدت المنظمات الإرهابية، وعن المكانة الدولية للولايات المتحدة، بالإضافة إلى الزيادة في الإنفاق الدفاعي الذي يؤثر في الميزانية، وعن السمعة السيئة التي اجتاحت العالم، بالرغم من الحملات الإعلامية التي تروج لها الولايات المتحدة، بأنها راعية الأمن والسلم الدوليين.

   الحرب على العراق، تعتبر بالخطأ الاستراتيجي من منظور عدم كفاية الأدلة على امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وهذا ما اعترف به رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وطلب من الشعب العراقي (المعذرة) وأنه كان ضحية المعلومات الخاطئة.. وهو القائل: حتى لو لم يملك العراق أسلحة دمار شامل فسنشارك الولايات المتحدة بالحرب ضده.. والحقيقة بعيدة عن الطرفين، لأنها بيد رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك، المجرم شامير، الذي هدد بوش بالتحرك سريعاً ضد العراق وإلا ستقوم الطائرات الإسرائيلية بالقصف المباشر لبغداد.

   ومن منظور عدواني، لم يكن ردّ فعل واشنطن مفاجئاً. كان في واقع الأمر تطبيقاً لسياسة القوة العظمى، التي تجسّد هيمنتها. وكانت الفوارق بين جورج دبليو بوش وأسلافه، فوارق في الأسلوب لا في الجوهر، ولم يكن في أهدافه ورؤيته ما يشكل انقلاباً. وبعبارة أخرى، بوجه عام، كان هنالك استمرارية في استراتيجية الولايات المتحدة قبل الفظائع وبعدها، والفرق يكمن بنسبة الثقافة التي يتمتع بها الرئيس الأميركي، فغالباً ما كان الحديث ينصب على شغف الرئيس الأميركي للقراءة والتأليف، وبالتالي فإن الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة حُكمت من رؤساء تحركهم ثورة اللحظة.

 ولا تزال سياسة القوة تلعب دوراً رئيسياً. ومع ذلك، فإن النموذج الذي يذكره المؤرخ الإغريقي، ثيوسيديز في وصف الحرب بين أثينا وإسبارطة من عام 431-404  قبل الميلاد، والذي يقول إن الدول تتصرف عائدة لتعزيز قوتها.

  بعد سبعة عشر عاماً من أحداث هجمات أيلول، فإن تحديات المرحلة المقبلة تكثر وتزداد باضطراد ، وظهور تهديدات عالمية يغيّران جزئياً الطريقة التقليدية في التفكير. وفي هذه المرة، لا تمهّد الواقعية السبيل إلى اتخاذ إجراءات من جانب واحد، بل لإنشاء هياكل وبُنىً متعددة الأطراف.. والوضع الحالي لواشنطن ورئيسها دونالد ترامب ليس بأفضل حال لمثل هذه التصورات  فالأزمات تحيط  به من كل جانب وأخطرها الداخل وفقدان الثقة المتلازمة مع بداية حكمه فالإقصاء والتنكر والاتهامات اليومية لكبار المسؤولين قد تفضي للحديث عن كيفية إزاحة الرئيس بالوسائل القانونية , وعن الخارج الذي يعيش حالة من الاصطفاف بوجه الصلف الأمريكي الذي ينهال بالعقوبات مع بدء كل نهار جديد , والصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية وبعض دول أمريكا اللاتينية ويمكن اللائحة تطول ليسوا بأفضل العلاقات , وبالتالي واشنطن أمام حقيقة مفادها , كلما عاقبت واشنطن دولة اصطفت الأخيرة للقائمة المذكورة .

   يتغير الرئيس ولا تتغير الاستراتيجية الدوغمائية الأمريكية , فهي مستمرة باتجاه واحد يعزز قوتها في العالم دون النظر للمتغيرات , وبالتالي يمكن القول أنها الآن تسير بطريق الانهيار البطيء مع الحقيقة التي قالها بول فندلي في كتابه ( من يجرؤ على الكلام ) حتمية سقوط الدولة سيكون من أسبابه الرئيسة تبنيها لسياسة إسرائيل المتنكرة للحقوق العربية والفلسطينية والغطرسة المتبعة مع من لا يتفق معها .

كاتب ومحلل سياسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here