محمد عياش: فلسطين .. الصّك والانتداب والاحتلال

 

محمد عياش

الصك : لفظة تعني الوثيقة أو الإقرار المالي ونحوه ، والصك تشير عادة إلى مثال مطبوع لغرض معين يستخدمه صاحب الوديعة أو صاحب الحساب الجاري في المصرف للأمر بصرف المبلغ المحرر به . ولقد شاع استعمال هذه اللفظة سياسياً منذ العشرينات للدلالة على الوثيقة المتضمنة نص نظام الانتداب على فلسطين فقيل صك الانتداب وهو الذي أقرته عصبة الأمم وصادقت عليه رسمياً في 24 تموز ( يوليو ) 1922 م .

   الانتداب ، كما نص عليه ميثاق عصبة الأمم ، هو تكليف دولة تدعى الدولة المنتدبة – مساعدة البلدان الضعيفة المتأخرة على النهوض ، وتدريبها على الحكم حتى تصبح قادرة على أن تستقل وتحكم نفسها بنفسها – .

تعود فكرة الانتداب إلى المارشال «سمطس» الذي مثل جنوب إفريقيا في لندن . في خطاب كان ألقاه في أواخر الحرب العالمية الأولى تعقيباً على إعلان الرئيس الأمريكي  وودرو توماس ولسن ( 1856- 1924 ) مبادئه الأربعة عشر التي شجب فيها الاحتلال والاستعمار .

لقد وجدت الدولتان الغربيتان فرنسا وبريطانيا في هذه الفكرة ضالتها المنشودة لتغليف مطامعها بهذا القالب الجديد الذي أتاح لهما احتلال الأقطار العربية المنفصلة عن الدولة العثمانية بحجة الوصاية على شعوبها ، إذ إن الانتداب كان قد بدأ منذ أول عهده بشكل الوصاية أو الحماية الملقاة على الشعوب المتخلفة في مضمار الحضارة .

كان لا بد لهذه الفكرة من أن تتجلى في وثيقة أساسية تاريخية ، كالميثاق الذي نشأت عصبة الأمم على أساسه وقد نص هذا الميثاق- ميثاق عصبة الأمم – في مبادئه الاثنين والعشرين على أن البلدان التي كانت خاضعة للدول الوسطى وحلفائها ، والتي لم تبلغ بعد المستوى الذي يمكنها من ممارسة استقلالها ، يجب أن توضع تحت انتداب إحدى الدول الكبرى ، على أن تمارس الدولة المعنية هذه الوصاية بوصفها منتدبة من جمعية – عصبة الأمم – وباسمها .

تطبيقاً لهذا المبدأ وزعت الانتدابات المنوي إنشاؤها إلى ثلاثة أنواع ( أ ، ب ، ج ) فالانتداب ( أ ) وهو النوع الأسمى تناول الأقطار العربية المنسلخة عن الحكم العثماني ، والانتدابان الآخران ( ب ، ج ) تعلقا بمستعمرات ألمانيا السابقة في إفريقيا والشرق الأقصى .

هذا وقد جاء الانتداب بشكل تصريح في لندن عن الدول المتحالفة في 24 تموز ( يوليو ) 1922 فتضمن هذا التصريح المبادئ الأساسية التي تقوم عليها ممارسة فرنسا للانتداب – على لبنان – أسوة بالتصريح الذي صدر في الوقت ذاته لمصلحة بريطانيا بما يتعلق بانتدابها على فلسطين .

ولقد نصت مواثيق عصبة الأمم على أن الانتداب ينتهي إما بحصول الإقليم المنتدب عليه على استقلاله ، وإما بتنازل الدولة المنتدبة من مهمة الانتداب ، وإما بإقالة الدولة المنتدبة وإعفائها من مهمتها من قبل مجلس العصبة .

اتفق الشُرَّاح غير المتحيزين على أن نظام الانتداب إنما كان ستاراً لرغبة الحلفاء في السيطرة على تلك الأقاليم ، وإن رقابة عصبة الأمم على تنفيذ الدول المنتدبة لالتزامها كانت رقابة اسمية .

كان مقر العصبة ، مدينة جنيف بسويسرا ، وكان أول مستر ( سكرتير ) عام لها هو سير أريك دراموند البريطاني الذي استقال 1933 وخلفه جوزيف أفيتول الفرنسي .

عندما دخلت بريطانيا فلسطين مع جيوش الحلفاء عام 1917 م وأتممت احتلال فلسطين كاملة سنة 1918 كانت نسبة اليهود في فلسطين إلى السكان العرب 8% وكانوا يملكون ما نسبته 5ر2 % من مساحة أرض فلسطين فلقد كان عدد اليهود في فلسطين 56 ألفا ً من مجموع 000ر700 نسمة منهم 000ر644 نسمة من العرب ( 000ر574 مسلم و 000ر70 مسيحي ) و 000ر56 يهودي .

( الوطن القومي اليهودي ) عبارة دخلت لغة السياسة البريطانية الاستعمارية منذ صدور تصريح بلفور في 2 تشرين الثاني ( نوفمبر ) عام 1917 الذي وجهه وزير الخارجية البريطاني اللورد جيمس آرثر بلفور ( 1848- 1930 ) إلى اللورد روتشيلد على صورة رسالة أعربت فيها الحكومة البريطانية عن عطفها على تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، وأكدت استعدادها لبذل قصارى جهودها من أجل تحقيق هذه الغاية . وخلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين ( 1918 – 1948 ) .

ترأس اللورد روتشيلد اللجنة الصهيونية بلندن التي ألغت بعد صدور تصريح بلفور لجعل فلسطين وطنا ً قومياً لليهود وكان ذلك عاملاً هاماً في تشريد سكانها العرب ومصادرة أملاكهم .

كانت سياسة ( الوطن القومي اليهودي ) تعني المضي بغاية الجد في ترسيخ الوجود اليهودي الصهيوني في فلسطين الإسلامية العربية لكي يتسنى للاستعمار والاستيطان اليهودي توطيد دعائمه والاستيلاء على المواقع التي تتيح له تهويد فلسطين بكاملها والتخلص من الأكثرية بشتى الوسائل والدسائس مما أدى إلى اغتصاب فلسطين وطرد أهلها منها .. وقيام دولة إسرائيل الغادرة .

«إسرائيل» وتواجدها غير الشرعي . تطلب منها الكثير من الحروب لكي تستمر ، وهي إلى هذه اللحظة تعمل بمقتضى الوصية التي تركها أول رئيس وزراء صهيوني بن غوريون عندما قال : يجب على «إسرائيل» أن تشن حرباً على جيرانها أولا ً للوقوف نوعية تسلحيهم  ولإضعافهم وإدخال الرعب في نفوسهم قبل أن يفكروا بمهاجمتها أو بمجرد التفكير بالوحدة لمقارعتها مجتمعين .

يستكمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشروع الصهيوني ، بالكثير من الإجراءات التعسفية التي تعطي الكيان الصهيوني امتيازات ما كان يحلم بها لو هذا الرئيس المعتوه الذي أقدم على إطلاق ما يسمى ( صفقة القرن ) مانحاً «إسرائيل» 75% وما تبقى كانتونات مغلقة شبيه بنظام الأبرتهايد في جنوب إفريقيا ومن ثم الاحتلال بالكامل وإنهاء باب التفاوض وحلم الفلسطينيين بدولة وعاصمتها القدس الشريف .

– كاتب ومحلل سياسي

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. شكرا على إضاءة دور بريطانيا كدولة،، إنتداب،، أخلت بالأمانة،ولم تعاقب أو تعتذر للشعب الفلسطيني،، الضحية،،
    لتحقيق أهداف المشروع الإستعماري للصهيونية .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here