محمد عياش: خذوا مكان عدوكم ..إسرائيل نموذجاً

محمد عياش

أن تقفز إلى مكان العدو خطوة لها ما بعدها ، وتدرك السياسة والإستراتيجية المتبعة بحقك ، وكيف ينظر العدو إليك ، ومدى العذاب والإقصاء والغطرسة المستمرة ، وعن الأمور التي تضمن ديمومة السيطرة ، والخطط التي تسير وفقها لتبقى في الحالة المزرية التي وصلت إليها أنت ومن يشبهك إذا كانت القواسم المشتركة يكرهها عدوك ، ويعمل بموجبها على إطالة أزماتك وعذاباتك ، وفي المقابل يغدق على شعبه وينتقي له أفضل السبل لاستمرار رفاهيته وتمتعه بكل وسائل الأمن والآمان .. أمر لا يمكن القبول به البتة .

كثيرا ما يتردد هذا السؤال على لسان أساطين القهر والذل وهم في نشوة الغرور ، عندما يسألون مقاوماً وقع أسيراً ، كيف تجرؤ على مقاومتنا ونحن ما نحن عليه من القوة والمنعة ؟ والجواب ثابت ومعروف كونوا بموقعنا وجاءكم عدو يهدد أرضكم وعرضكم ماذا تفعلون ؟ يقابله الضحكات السمجة النكوصية والقفز إلى المستحيلات واستحالة التصور أن يكونوا بحالة الضعف يوما ما ..

العدو ليس قدرٌ مكتوباً ، إنما بقدر تهيئة العوامل والأدوات التي تساعده في المضي في غيه السادر ، وهذه العوامل كثيرة ، فالسياسات التي اتخذتها هذه القوى الغاشمة كثيرة ومنها على سبيل الذكر لا الحصر ، «فرق تسد» التي استخدمتها فرنسا لعقودٍ طويلةٍ في بعض بلداننا العربية وما تزال تستخدمها في دولٍ أخرى في أفريقيا مثلا ً .

وكما تتشابه المظلومية عند الدول ، تكون كذلك في الدول الكولونيالية الكلاسيكية ، فالأساليب المتبعة قد تنسحب بين دولة وأخرى بما يضمن النتائج نفسها من سيطرة واستغلال ونهب للثروات والخيرات وإبقاء البلد المنهوب بحالة مزرية ، مع انعدام الأفق ، وبالتالي فإن القوانين التي ألزمت بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الخارجة من حربين مدمرين راح ضحيتها أكثر من مليون قتيل ، نفسها بها ، هي اليوم تحاول الخلاص منها لأن العالم يتطور بشكل سريع ، وربما تتطور القوانين التي ستطالب بريطانيا الساعية للخروج من الاتحاد الأوروبي بالتعويض على كل من وقع عليه الظلم .. وهذه تركيا وقصتها مع الأرمن ، والولايات المتحدة الأمريكية والهنود الحمر ، والأمثلة كثيرة يصعب حصرها .

القضية لا تحتاج إلى زرقاء اليمامة ، وقوة نظرها ومعرفة تحركات العدو عن بعد ، ولا الارتكان للمجالس التي أنشأتها هذه الدول العابثة بالوطن العربي ، والباحثة عن السيطرة على ثروات الآخرين ، والمضحك في الأمر إن هذه القوانين تطبق بعجالة على الدول المطموع فيها ، أما بالقرارات المتخذة من مجلس الأمن والجمعية العامة لحقوق الإنسان بحق الكيان الصهيوني ما تزال على الرف .

فقط نحتاج لمعرفة العدو معرفة حقيقية ، لأنها القاعدة الأساسية والركيزة الصلبة ، والاستفادة من التاريخ وعدم الوقوع بالأخطاء التي مكنت العدو من بقاءه في بلادنا مستعيناً بآليات وفبركات وأعداء من صنيعته كـ «القاعدة وداعش وجبهة النصرة والشباب المجاهدين وبوكو حرام وأزلام أبو سياف بالفلبين» .. والهدف معروف وللأسف يسير باتجاه صحيح يضمن الولوج إلى قلب الوطن العربي ، وفرش السجاد الأحمر مستمر بأغلب البلدان العربية والإسلامية وكأن شيٌ لم يكن !

«إسرائيل» تتوعد السلطة الفلسطينية لأنها طلبت من محكمة العدل الدولية بمحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة على ما ارتكبوا من مجازر وجرائم ضد الشعب العربي الفلسطيني ، فإسرائيل وبلسان مجرميها اعترفوا بأن دولتهم قامت على المجازر وإراقة دماء الأبرياء ، وهي أي «إسرائيل» لا تزال تحاسب من يقصر بالدفع والتعويضات الأوروبية لما يسمى الهولوكوست اليهودي ، فكيف تبني قصصها وأراجيفها وأوهامها على قارة أوروبا وتقبل الأخيرة بالدفع الإلزامي ، وبنفس الوقت تتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني وتذهب بعيداً بصلفها وغطرستها مهددة بالاحتلال الكامل لكل فلسطين وأجزاء كبيرة من بعض الدول العربية المجاورة !!؟.

إن هذه الأمور منطقية في حال الرؤية الصهيونية تجاه شعوب المنطقة ، فما الذي يجبر الكيان الصهيوني على التنازل والمصالحة الفلسطينية تدور في فلك التجاذبات الدولية ؟ وعن ذهاب السلطة الفلسطينية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي خطوة جيدة ولكنها تفتقر لوحدة الصف الفلسطيني ووحدة الكلمة بوجه العدو الذي لا يفهم إلا لغة الرصاص إلى جانب العلم والمبادئ الأساسية التي تعتمد على العادات والتقاليد التي ترعرعت عليها الشعوب العربية الرافضة للخنوع والخضوع لأي عدو مهما تعاظم وتجاسر .

النظر بعين العدو ، يصحح الأخطاء ويفرز حالة من التنظيم والتخطيط لإفشال كل مخططاته التوسعية الاحلالية ، ويعمل على وحدة الرؤى عند النخب المتطلعة للتخلص من براثنه ، والاحتكام إلى صوت الضمير والعقل ، وأن العدو ليس قدراً مكتوبا ًيمكن القبول به والاستسلام له ، فالشعب الفلسطيني قادر على تحرير بلده ، و«إسرائيل» ليست استثناء ، وإذا كان المعجبون بالشعب الفلسطيني أطلقوا عليه الفدائي ، فـ «إسرائيل» تستحق لقب أم الملاجئ لكثرة ما يلجأ مستوطنيها عند سماع صوت صفارات الإنذار أو ما شابه .

أعتقد أن الاستشهاد بما قام به المناضل السوري فارس الخوري عندما جلس على كرسي فرنسا بالأمم المتحدة وغضب المندوب الفرنسي منه مثالاً جيدا لإيجاز المعنى وملخصاً وافيا ً.

 كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here