محمد عياش: ترامب وتيلرسون .. الجنون والعقلانية

محمد عياش

 لم يمض على حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سوى ثمانية عشر شهرا ً, أي سنة ونصف , حتى باتت فترته تتسم بالتغييرات السريعة والمفاجئة , لعل هذا الأمر يعيدنا للكتاب الذي ألفه مايكل وولف ‘‘ نار وغضب ’’ ومضمونه الذي يصور ترامب على ” أنه جبان وغير مستقر وعديم الخبرة في شؤون المكتب البيضاوي “وحالة الدفاع المستميتة من الرئيس ووصفه لنفسه بالعبقرية الفريدة من نوعها ..

طالت التغييرات الكثير من المقربين , وأصحاب الكفاءات والخبرة في الإدارة , وهذا بشهادة الرئيس نفسه , إلا أن الإقالات التي حصلت للعشرات من المسؤولين تضع الرئيس موضع شك , وضرورة الوقوف على حيثيات العملية , مع الاعتقاد الجازم أن هذه العملية تدفعنا لخيارين لا ثالث لهما , الخيار الأول , أن ترامب يعد العدّة لعمل شيء رهيب وبالتالي عليه أن يختار رجالات من العيار الثقيل والذين يرون في سياسته ترجمة ً لخياراتهم وتصوراتهم .. والثاني أن ترامب تنقصه الخبرة , وغير متوازن فيما يتعلق بتفصيلا ت الحكم .

إقالة وزير الخارجية ريكس تيلرسون , وبهذه الطريقة المذلّة والمهينة , ربما لن تكون الأخيرة , فقد تحدثت التسريبات عن احتمال إقالة رئيس موظفي البيت الأبيض جان كيلي , ومستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر ووزير العدل وغيرهم .

 إن المراقبين الأمريكيون يعتبرون الإقالات مؤشر على تغيير واسع في سياسة الحكومة المتعلقة بالملفات الخارجية , مع عودة لغة التهديد والوعيد ضد روسيا والصين وبعض الدول الإقليمية كإيران وتركية والباكستان وغيرهم , وتعيين مايك بامبيو رئيس الاستخبارات الأمريكية كوزير للخارجية يخدم هذه السياسة مع الحديث عن التوافق والتساوق مع رؤية الرئيس وتهديداته , وحتى كراهيته للإسلام والعالم الإسلامي .

  إن الحالة الزئبقية للرئيس ترامب والتغييرات التي حصلت , مؤشر على التخبط والعشوائية الدائرة بالبيت الأبيض , وإذا استمر الحال على ما هو من تغييرات وتنقلات , بالتالي سيكون في مواجهة مباشرة مع الكونغرس ومجلس الشيوخ , وربما يعطي الحق للحزب الديمقراطي للحديث عن أهلية الرئيس ومزاجه في الحكم بعد الخيبات والنكسات التي ستجر البلاد والعباد , مع تماسك وتعاضد أعداء الولايات المتحدة الأمريكية ونجاح سياساتهم .

أنصار الخيار الأول , الذي يخص بالتحضير لعمل عسكري من شأنه يعيد هيبة الولايات المتحدة يرون أن لا سبيل في استعادة الهيبة إلا بالعودة للحروب وتوجيه ضربة عسكرية تذكر بالدولة ‘‘ القائدة ’’ للعالم وتفردها وتحكمها .. وهذا ملموس بسياسة واشنطن سواء ً بمجلس الأمن وتهديد مندوبتها نيكي هيلي المستمر لروسيا وإيران وغض الطرف عن الصين أو بتدخلها السافر في الأراضي السورية والحديث عن بقائها الدائم وإنشاء القواعد واستقدام الجنود , وحتى حسمها للقضية الفلسطينية من وجهة نظرها ووضوح أهدافها النهائية بدولة فلسطينية على قطاع غزة مع اقتطاع جزء من سيناء ليكون امتداد طبيعي للنمو الديمغرافي الفلسطيني .

 إن أنصار الخيار الثاني غير محظوظين بالتدقيق والتركيز على سلوك الرئيس وتسلحهم بعشرات المقاطع التي تظهر الرئيس في حالة من الثمالة والهيجان , وحتى في حلبات المصارعة , فإن هؤلاء سعيهم بهذا الطريق مسدود , لأن الاستراتيجية الأمريكية تحتاج رئيس يتمتع بكثير من الجنون وقليل من العقلانية والحنكة  , هل غزو أفغانستان كان بمنتهى العقلانية , واحتلال العراق وعدمية امتلاكه لأسلحة دمار شامل , يدل على توازن الرئيس الأبن جورج بوش ؟

 إن ما يسعى إليه ترامب , هو إحاطة نفسه بمجموعة من الأشخاص الذين يتفقون معه في سياساته وتوجهاته , خاصة على مستوى الخارجية , وبالتالي ستبدو العملية صعبة لأن عملية الغربلة والبحث عنهم ستفرض حالة من الانتقادات لشخص الرئيس ناهيك عن الوقت الذي سيستغرقه , وعلى هذا الحال تبدو إيران العدو الأول وعليها يتم التركيز الأمريكي , فإقالة تيلرسون كشفت النوايا الأمريكية تجاه الاتفاق النووي مع طهران واعتبار تيلرسون للاتفاق بأنه جيد , خالف توجهات رئيسه الذي يعتبره بالسيء , وأيضا ً عزمه على لقاء رئيس كوريا الشمالية كيم إيل سونغ كان مفاجئا ً وصادما ً إذا أخذنا بالاعتبار عن قدم الخلاف والاختلاف مع يونغ يانغ ,وبروز المنتقدين لهذه الخطوة .

على كل حال , واشنطن تقدم التنازلات في جهة , وفي جهة لا يمكن أن تتنازل قيد أنملة , فالتنازل تم للصين وكوريا الشمالية وقبلها كوبا , أما ما يزيدها تغولا ً التنكر المستمر للحقوق الشرعية للشعب العربي الفلسطيني , ومحاربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومنعها من امتلاك السلاح النووي , وإخراجها من المعادلة .. ومضايقة روسيا ومعاقبتها على منافستها .

كاتب ومحلل سياسي

Print Friendly, PDF & Email
مشاركة

1 تعليق

  1. إكتشف تيلرسون من أول شهر له في إدارة ترامب أن الأخير فظ لا يُطاق متهور لا أخلاق له … وكان الإعلام الامريكي يتوقع إستقالة تيلرسون في اَي وقت؛ ولكن الأخير صبر على كل هذه المهاترات الفذة من رجل يحتقر الجميع بِمَا فيه العقل الأمركي!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here