محمد عياش: السلطة الفلسطينية وقانون «مورفي»

محمد عياش

لا شك أن التاريخ لن يغفر للقيادة الفلسطينية ، وذلك عن الاستثمار الفاشل لانتفاضتين ‘‘ الحجارة ’’ و ‘‘ الأقصى ’’ اللتين هزتا الكيان الصهيوني وحركتا العالم لهذه القضية العادلة التي بقيت وحيدة بكل عذاباتها ودمويتها ، وبدلاً من الدخول بدهاليز المفاوضات والحوارات مع كيان غاصب لا يفهم معنى العطاء ، ولا توجد بقواميسه وبراديغمياته الانصياع والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني . كان من الأجدر الاستمرار مع الشعب بحراكه الذي هدد وجود إسرائيل على حد قول أحد مسؤوليها عندما قال : إسرائيل تواجه أزمة وجود حقيقية .

قد يقول قائل : ماذا تملك القيادة الفلسطينية آنذاك من خيارات غير المفاوضات والجلوس مع العدو الصهيوني ؟

أول الأخطاء التاريخية الذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 والذي عُقد في الفترة من 30 أكتوبر/ تشرين الأول إلى  1 نوفمبر / تشرين الثاني 1991 في مدريد، استضافته إسبانيا وشاركت في رعايته الولايات المتحدة و‌الاتحاد السوفيتي .

إن مؤتمر مدريد كان بمثابة اللعب على عامل الوقت ، حيث اتسم المؤتمر بالنظرات الفلسطينية التي فيها تحدٍ للكيان الصهيوني على اعتباره أجبر إسرائيل لأول مرة لأن تسمع صوت الفلسطينيين وتتعرف على حقوقهم المسلوبة ، بينما أرادها الصهاينة مضيعة للوقت على حد قول رئيس وزرائها يومذاك إسحاق شامير عندما قال سنتفاوض مع الفلسطينيين من أجل التفاوض فقط ، ونغرقهم بالتفاصيل .

ثاني الأخطاء ، القبول بالولايات المتحدة الأمريكية كراعية لعملية السلام ، وهي التي تذود عن دولة الاحتلال بالمحافل الدولية ، وتستخدم حق النقض «الفيتو» لحمايتها من أي مسائلة أو محاسبة بل وزادت في الطين بلّة عندما أخذت على عاتقها تسليحها حتى الأسنان على حد قول الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان ، وللتذكير فقط بالهدية الثمينة التي قام بها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما عندما أهدى إسرائيل 50 طائرة إف 35 نوع شبح ناهيك عن امتلاكها أكثر من مئتي رأس نووي ورفضها الدائم للتعاون مع المجتمع الدولي بهذا الخصوص .

ثالث الأخطاء ، هو عدم الانسحاب من الاتفاقات والمعاهدات التي أبُرمت مع إسرائيل لعدم التزامها أصلاً ، وبالتالي فإن ثمة أحداث كبيرة كانت وقتها فرصة لتتخلى السلطة عن اتفاقاتها المشينة مع الكيان الصهيوني وأكبر هذه الأحداث للذكر لا للحصر اغتيال رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات بعد حصاره بمقر المقاطعة .

تعاني السلطة اليوم وضعاً حرجاً مع الإدارة الأمريكية الحالية من المفترض أن تكون راعياً نزيهاً ، حيث أقدم الرئيس دونالد ترامب على إغلاق مقر بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن 10 / 9 / 2018 وقبل هذا التاريخ بأسبوعين أوقفت واشنطن تمويلها لوكالة الغوث ( الأنروا ) لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين كإجراء عقابي جماعي للفلسطينيين لرفضهم العودة لطاولة المفاوضات التي ستسلبهم كل شيء مع الوقت ضمن إستراتيجية واضحة المعالم لا تقبل الشك .

لم تقف الولايات المتحدة عند هذه الحدود ، بل استمرت بالقرارات المجحفة بحق الفلسطينيين وهذه المرة جاءت الخطوة الأصعب وهي لب الصراع مع الكيان الصهيوني ، القدس ، وضمن قرار ظالم وغريب أقدم ترامب على التوقيع على نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس وتم الافتتاح يوم 14 / 6 / 2018 مايو/ أيار .

تتضح ملامح الاستراتيجية الصهيو- أمريكية ، وتبدو جلية مع ما تسمى  «صفقة القرن» التي أماطت اللثام عن النيات الخبيثة والمبيتة لدى الإدارة الأمريكية الحالية ، ومع صمت دولي غريب وعجيب إلا من إدانات وتنديد واستنكار لا يسمن ولا يغني ..  دائماً الأسوأ هو ما ينتظره الفلسطينيون وكل المتعاطفين معهم .

وغائلة الأوبئة إسرائيل تستفيد مع كل فجر من المتغيرات المحيطة بها ، سواءً مع انشغال الدول العربية المجاورة بمشاكلها الداخلية والخارجية ، أو بالتجاذبات الدولية والإقليمية ، وتصر على قضم المزيد من الأراضي الفلسطينية تحت مرأى ومسمع العالم ، حيث لم يتبق من فلسطين التاريخية سوى أراضٍ متباعدةٍ ومحصورةٍ بالمستوطنات التي لا يمكن أن تقف عند أي حد وذلك ضمن التمدد الديمغرافي الطبيعي التي تجاهر به إسرائيل مع كل نهاية بناء مستوطنات جديدة .

السؤال الأهم ، ما الذي ينتظره الفلسطينيون من الولايات المتحدة وإسرائيل أو المجتمع الدولي الذي تسيطر عليه واشنطن وإسرائيل من بابه لمحرابه ؟ الجواب ، من سيء لأسوأ ، هذه حقيقة تلمسناها بكل جولات التفاوض والحوارات ، ومع الانتصارات الدبلوماسية التي حققتها السلطة مثل رفع العلم بأروقة الأمم المتحدة والاعتراف الرمزي بفلسطين كدولة ضمن منظومة الأمم المتحدة وانضمامها لمحكمة العدل الدولية في لاهاي وحقها في محاكمة ومحاسبة إسرائيل على الجرائم التي اقترفتها بحق الفلسطينيين طوال فترة الاحتلال .

وبالعودة لصفقة القرن  94بالمائة من الجمهور الفلسطيني يرفضون “صفقة القرن” وتطالب أغلبية كبيرة بالرد عليها بإنهاء الانقسام، وسحب الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، ووقف العمل بأوسلو، واللجوء للعمل المسلح؛ ويقول أكثر من 80 بالمائة أن الصفقة تعيد الصراع مع إسرائيل ليصبح وجودياً؛ وتهبط نسبة تأييد حل الدولتين لأقل مستوى منذ توقيع اتفاق أوسلو؛ وفيما يؤيد حوالي الثلثين إعلان الرئيس عباس ضد الصفقة فإن حوالي 70بالمائة أو أكثر يعتقدون أن الرئيس لن ينفذ ما يقول . إحصاء قام به المركز الفلسطيني للسياسات والبحوث المسحية برام الله .

يعترف صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية وكبير مفاوضيها ، أن بنود “صفقة القرن” قد عُرضت عليه من قبل بنيامين نتنياهو منذ أكثر من عشر سنوات ، وتم رفضها جملة وتفصيلاً ، حيث لم يجد وقتها نتنياهو الرئيس الأمريكي المناسب لتبني هذه الصفقة الجائرة .. وفي ترمب حقق مبتغاه وبدون الجلوس مع الفلسطينيين .

نتنياهو يستعجل بضم غور الأردن وبعض المستوطنات التي بُنيت على أراضٍ تابعةٍ للسلطة حسب اتفاقيات أوسلو وما تلاها من تفاهمات ؛ إلا أن صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير نصحه بالتريث لحين تشكيل الحكومة الجديدة ، في حين ينتظر نتنياهو بمنتصف آذار/ مارس جلسة مساءلة حول قضايا فساد ورشى ، هذا يعني أن الأسوأ ينتظر السلطة ، لأن إسرائيل لا تغير من سياسات رئيس الوزراء باعتبارها رؤية موحدة لدى الأحزاب اليمينية واليسارية .

واشنطن تواصل الضغط على السلطة الفلسطينية ، وفي نفس الوقت تشجع إسرائيل على أي تحرك من شأنه أن يمنحها امتيازات ومكاسب على الأرض ، وذلك استغلالا للوقت ، وعدم وجود طرف فلسطيني يقبل التفاوض أو القبول بهذه الصفقة , على العلم هناك أصوات صهيونية تنادي برفض الصفقة لأن فيها كلمة دولة فلسطينية ، إن دلّ هذا وإنما يدل على النيات الخبيثة المبيتة لتصفية القضية برمتها ومحوها تماماً .

أما فيما يخص بالمواقف العربية ، فللأمانة ، هناك إجماع عربي على رفض الصفقة ، لأنه وكما أسلفنا هناك إجحاف بالحقوق المشروعة وتنصل من كل المعاهدات والاتفاقات والتفاهمات ، ولب القضية فيما يعني إسرائيل , الالتفاف على القرارات الشرعية ونسفها ، وتنفيذ الرغبة الصهيونية بأسرع وقت مع تواجد رئيس أمريكي متهور .

لا بد من الاعتراف أن القضية الفلسطينية تمر بأخطر مراحلها ، وأن الحل النهائي كما يزعمون هو لصالح دولة الاحتلال ، والسيناريو المتوقع في قادم الأيام وأتمنى أن أكون مخطئا ً ، الضغط على قيادة السلطة الفلسطينية ورموزها وأغلب الظن ستبادر إسرائيل لترحيل كل من ينادي برفض الصفقة ، والبحث عن أشخاص وربما أصبحوا جاهزون لتلك المهمة التي من شأنها ابتلاع فلسطين تحت مسمع ومرأى العالم ، وبالتالي فإن الثوابت الفلسطينية التي عاشت عليها الأمنيات الفلسطينية أصبحت أدراج الرياح .. وكما قال مهندس الفضاء الأمريكي مورفي : أن لو هناك احتمال حدوث خطأ ما فسوف يحدث . والأخطاء الفلسطينية تعد ولا تحصى مع كيان لا يفهم إلا سياسة كل شيء أو لا شيء .

كاتب ومحلل سياسي

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ألأمور واضحة تماما: صفقة القرن هي “بنت أوسلو الشرعية” وبنت مفاوضات لم تنقطع وانما اصبحت غير علنية بين سلطة فاسدة وفاشلة وأسرائيل. اتفاق اوسلو حدد الدور الوظيفي لسلطة رام الله وهوخدمة ألأحتلال بمنع الشعب الفلسطيني من المقاومة حتى ينجز ألأحتلال ما يريد.
    أسرائيل وأميركا تسمح بكل الحرد والرفض اللفظي لصفقة القرن لأنه يصب في مصلحة سلطة رام الله الفاسدة لعله يخدع من تبقى من مغفلين فلسطينيين ولا يؤثر ابدا على ألأحتلال ولايمنع تنفيذ اي امر يريده. عمليا ما يفعله عباس وسلطته فعله سابقا انطوان لحد وجيشه العميل في جنوب لبنان الذين انتهوا الى البحث عن مأوى بعد ان انتهت مهمتهم في خدمة ألأحتلال.
    الشعب الفلسطيني هو صاحب قضيته وهو يقاوم بكل ألأشكال المتاحة الأحتلال ألصهيوني وبنفس الوقت يقاوم الفاسدين والفاشلين الفلسطينيين من أجل حقوقه الوطنية في تقرير المصير والعودة الى وطنه فلسطين المحتلة. الشعب الفلسطيني يستحق قيادة سياسية حقيقية جديدة قادرة على مواجهة التحديات واهمها خطر التصفية النهائية بخطط عملية فعالة وديناميكية لاتقدر عليها سلطة رام الله التي اعتادت الفشل وانتفخت بالفساد.
    ارحل.. ارحل يصلح ليكون هدف معلن من حناجر الشعب الفلسطيني ضد عباس وسلطته لأجباره عل تسليم السلطة لقيادة جديدة.

  2. لقد انتهى كل شيئ تقريبا للسلطه الفلسطينيه يجب على قياده السلطه الرجوع لمنظمه التحرير وحل السلطه كامله وتسليم زمام الامور الى الشعب ووقف كل الاتفاقيات الموقعه مع الكيان ووقف التنسيق الامني ورفع يد الحمايه عن اكيان والشعب يتصرف والا التاريخ لن يرحم القياده الفلسطينيه سواء من حماس او من فصائل المنظمه الفلسطينيه من اجل المناصب والنظر للمصالح الشخصيه او الحزبيه وترك المصلحه العليا نتهب وتسلب من قبل مصاصي الدماء العدو الصهيوني وامركا . ضعفنا هي قوتهم وتحالفنا هو ضعفهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here