محمد علي شعبان: تجربة الحوار في الازمة السورية

محمد علي شعبان

أشعر بالحزن العميق ،وأنا أتابع حوارات متعددة على صفحات التواصل الاجتماعي .تتكرر دائما بين فريقين ، لكل منهما رأيه السياسي وموقعه التنظيمي .وبعد الرصد والمتابعة لنتائج الحوارات وما تراكمه من توافقات .

تبين لي أن المواقف والاصطفافات  السياسية ، لا تؤخذ كمحصلة لنتائج الحوارات ،بل العكس تماما .المواقف جاهزة بغض النظر عن طبيعة الحوارات ونتائجها، ومكان التموضع  يحدد شكل ومحتوى الرأي والنتائج التي تخلص إليها تلك الحوارات ، ولو اقتضى الأمر الخروج عن الآلية  المتفق عليها بإدارة هكذا حوارات، ليمثل أمامي ما يعانية أهل العلم عند محاولتهم إثبات أن الأرض كروية أمام رجل دين مؤمن، ومعتقد بأن سفر التكوين أحد النصوص الواردة في التوراة ، هو نص مقدس ولا يجوز الشك أو النقاش بقدسيته ، وأنه ليس من صنع البشر .ويعتمد في ذلك على ورود عبارة “رفع السماء وبسط الأرض”.

هكذا أشاهده اللوحة بين الطرفين المتحاورين، على قضية تتغير ثوابتها بين الفينة والأخرى، وفقاً لمعطيات جديدة ،يقدمها الجالسون بغرف العمليات  المغلقة !

ومعلوما للجميع أن الازمة السورية المستعصية ، أفقدت البوصلة لمعظم ألأطراف في الساحة السورية لأسباب عدة ، أهمها:

1-الخذلان والخيبة التي أصيب بها جميع الراغبين بتغير النظام في سوريا، من نظام دكتاتوري إلى نظام ديمقراطي تعددي تداولي ، ومن دولة يحصل  فيها الدين على امتيازات خاصة ومتعددة ، إلى دولة علمانية ديمقراطية ، يتم فيها فصل الدين عن الدولة ، واستقلال السلطات القضائية والتشريعية .

وبعد انكشاف طبيعة ونهج وبنية وتبعية، الحراك وإلى أين يسير.ظهر الخذلان بأشكاله المختلفة،وخاصة بعد تقدم الجبهة الفاشية الأصولية المدعومة من معظم الدول الاستعمارية ودول الرجعيات العربية .وتواطؤ بعض النخب معها.

2-الخذلان والفجيعة التي منيت بها الطبقة الوسطي ، من سلوك بعض المثقفين ، والسياسيين ، الذين شكلوا ولفترة طويلة من الزمن نموذج ووجدان الحالة السياسية السورية قبل، التحولات التي حصلت بفعل قوة الدولار، والريال من جهة ، وظهور هشاشة هذه القامات من جهة ثانية بعد تعرضها لاختبارات صعبة ومصيرية . وكلكم يعلم دور الرموز بالمجتمعات النامية ، وخاصة لحظات الهزائم.

3- انكشاف أطماع دول الإقليم في سوريا والعمل على إضعافها بغية السهولة بتحقيق مصالحها بكل يسر وسهولة .

مجموع هذه الأسباب وأسباب أخرى تجعل من سوريا ومن دول عربية عديدة ساحة صراع دولية ، بين أمريكا ومن معها من جهة ، وروسيا ومن معها من جهة ثانية .هذا الشكل الظاهر والذي لا يترك التبسا ولا حيرة .عند الطرفين المتحاورين . .

لكن السؤال :كيف يترجم هذا التوافق بين الطرفين المتناقضين ؟

كل عاقل يعتقد أن هناك قراءة مشتركة بين الطرفين خلصت لتوافقات ،و يُنتظر أن تشكل  وحدة عمل مشتركة لتجمع الطاقات من الطرفين، بغية حماية الوطن وتحصينه من الأطماع الدولية والإقليمية. لكن النتائج تشير عكس ذلك تماما ، لأن المصلحة الخاصة لها الأولوية عند معظم النخب، مما يدل على انكشاف هذه النخب وتعريتها ووضوح مشاريعها الخاصة التي، لا يمكن تحقيقها إلا على حساب مصلحة الوطن .

كل ذلك جعل حاله من التشتت والضياع عند العديد من المهتمين والمتابعين الذين ينتمون للخط الثالث الذي لم يُعبر عنه سياسيا كما يجب .لعدة أسباب .تحتاج التأمل والوقوف عندها ، لا تتعلق بطبيعة السلطات الحاكمة وحسب ، إنما تتعلق ، بالبنية المجتمعية ، وثقافتها وعاداتها ، وتقاليدها ، ودور البنية الفوقية وتجربتها التاريخية ، في تغييب وتغريب فئات مهمة وفاعلة في مجتمع لم يشعر يوما انه يستطيع التعبير عما يجول بخاطره .نتيجة للقمع التاريخي الذي استمر مئات السنين ، وما زال إلى الآن.

فليس غريبا هذا التشتت والتردد عند المتحاورين .طالما أنهم أبناء هذه المرحلة .القلقة والتي ،لا يمكنها إنتاج نخب مستقرة و قادرة كما نتمنى ونرغب .

كاتب من سوريا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here