محمد علي شعبان: التضليل الثقافي والاعلامي وأثره في المجتمعات العربية

محمد علي شعبان

 تتكرر التجارب التاريخية بأشكال مختلفة ، في العديد من المواقع ، وتختلف الأدوات أحيانا والأشخاص أحيانا أخرى ،لكن الثابت .أن الثقافة السائدة لها الدور الحاسم  في تحديد نتائج تلك التجارب . فالنجاح والفشل لاتحدده الوقائع بالمجتمات العربية بقدر ما  يحدده بعض المثقفين والحكواتية ،الذين يضللون  عامة الشعب بالنتيجة التي يريدها سيد القوم ، فيتحول الخطأ إلى صواب ، والصواب إلى خطأ بإذن الله!! والهزيمة إلى انتصار .!

إن تاريخ المنطقة العربية مبني على هكذا ثقافة منذ زمن بعيد، وعملت قوى العدوان الداخلية والخارجية على تجذيرها ، في المجتمعات العربية ، بعد أن صنعت حكاما من ملوك وأمراء لتنفيذ هذه المهمة بعد خروجهم من بلداننا .

إن ثقافة الإله الواحد التي تتجسد بالحاكم وسلطته المطلقة، تعتمد على. محاربة وتكفير كل محتج ، أو مشكك ، وحصاره وتهجيره ، ومصادرة أملاكه ،اذا اقتضت مصلحة الحاكم ذلك .ولم يكن هذا السلوك حكرا على الملوك والأمراء فقط. إن ما حصل لكل من المفكرين ، فرج فودة ، ونصر حامد ابو زيد .في جمهورية مصر العربية ، والتي تعتبر من أعرق البلدان حضارة ، ومن أقدم الدول في التاريخ .خير دليل على أن شخصية الحاكم المستبد ، واحدة مهما تغيرت الأسماء .وليس خافيا على أحد .أن العلاقة بين الحاكم وسلطته السياسية مهما كان شكلها ، هي امتداد لتلك الثقافة التي ذُكرت سابقا .وأن جميع المؤسسات الدينية التي تتشكل .تعمل لخدمة وتأبيد ذلك الحاكم .وتبرير أخطائه وإظهارها كحسنات باعتبار أن  سلطته مستمدة من عند الله .

إن تعميم هكذا ثقافة بأساليب مختلفة. تُستخدم من قبل الحاكم وحاشيته ،تُشكل ثقافة جديدة عند عامة الشعب ، تفضي إلى :قلب المفاهيم وتشويه الحقائق  بهدف تبرير الخنوع والرضوخ.واعتبار الشجاعة تهورا ، والهزيمة حكمة .والمواجهة مغامرة ، وتصبح لغة التمجيد هي اللغة  السائدة عند الغالبية ، ومن يشذ عنها يعتبر مرتدا .يجوز بحقه تطبيق الأحكام التي تراها السلطات مناسبة .

وعلى الصعيد الخارجي التي تحكم علاقة الدولة “المملكة الاعتبارية ” حصرية وتابعة لمن  تستمد منهم الشرعية ،مقابل بعض المكاسب الخاصة  المتبادلة .تجعل من الدولة “المملكة ” مستعمرة بالوكالة .وتصبح ثقافة الاستعمار ، هي المعتمدة بين باقي الثقافات التي تتحول بدورها إلى أدوات لخدمة المستعمر وثقافته .

هكذا صُنعت حكومات وطننا  العربي  ، وصُنع حكامه لذلك ليس مستغربا أن نسير من نكسة إلى نكسة ، ومن ازمة الى ازمة .

لكن لم يتوقف الأمر عن هذا الحد،ولم ترض قوى العدوان بذلك  .لقد أضافت شروطا جديدة  وادخلتنا مرحلة جديدة عاكست جميع أحلامنا كشعوب .لقد ادخلوا  خطر التقسيم إلى بعض البلدان العربية، قبل أن يموت شعار امة عربية واحدة .وأصبحت علائم الحروب الأهلية تلوح بالأفق، مبشرة بصراعات قومية ، وطائفية ، ومذهبية ، تهدف إلى عودة الدول العربية لنظام القبائل والعشائر ، وتتحول الدول العربية إلى دول فاشلة .يصبح الكيان الصهيوني اللاعب الأساسي في الإقليم بعد الانقسامات التي حصلت داخل الصف العربي ، وانتقال السعودية وباقي دول الرجعيات العربية للتحالف مع الكيان الصهيوني ، وهرولة دول أخرى للتطبيع معه .

فهل ستسير الأمور كما تريد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بتشكيل شرق أوساط جديد .تستطيع من خلاله فرض صفقة القرن على الشعب العربي بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص ؟ أو أن هناك خيارات أخرى يمكن اللجوء إليها ، في ظل تنامي قطب دولي صديق للشعوب العربية ، ومنحاز لقضاياهم على مر التاريخ ؟

إن تجربة الحكام مع الإدارة الأمريكية خلال نصف قرن من الزمن. أثبتت بالدليل القاطع .أن الولايات المتحدة الأمريكية ليس لها صديق أو حليف ، بعد انتهاء مهمته . وقد تتخلى عنه وتبيعه بأرخص الأثمان. إن ما جرى للرئيس الراحل  صدام حسين خير دليل على ما أقول .ولم يكن الأول وليس الأخير.

لقد كان مفهوما موقف الحكام العرب بعد تفكيك الإتحاد السوفيتي .ومعروفة   حساباتهم .لكن بعد كل المتغيرات التي حصلت من تسعينيات القرن الماضي حتى الآن  بمعظم الدول  العربية ، من ويلات وحروب وانكشاف لمؤامرات متعددة الوجوه .

هل يستفيق العرب من غفوتهم التي كلفتهم  معظم مقدراتهم خلال نصف قرن من الزمن ؟

إن بشائر زوال الهيمنة الأمريكية تلوح بالأفق ، والانتقال من عالم محكوم بقطبية واحدة ، إلى عالم متعدد الأقطاب. أصبح شبه محتوم .فهل بوسعهم التقاط اللحظة المناسبة. وإجراء مراجعة شاملة لمواقفهم السابقة ، ووضع إستراتيجية جديدة ، وإقامة علاقات مع حلفائهم التاريخيين و شركائهم في  القارة الأسيوية .الحريصون على احترام سيادة الدول ،وتطبيق الشرعية الدولية على الجميع يستقوون بهم من طغيان الإدارات الأمريكية المتعاقبة،والرضوخ لمطالبها التي ستأخذ ثرواتهم ،تُقسم  بلدانهم  ،وتقيم الصراعات فيما بينهم ،وتستخدمهم كأدوات لخدمة  مشاريعها من جهة ،وحماية الكيان الصهيوني من جهة ثانية .

كاتب من سورريا

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here