محمد علي القاسمي الحسني: مأزق الهوية و الدين في الجزائر 

محمد علي القاسمي الحسني

لا يختلف اثنان في فشل الجزائريين ببناء مجتمع علماني أو إسلامي بعد ست و خمسين سنة استقلال عاشت الجزائر خلالها بين نظام شمولي تلاه نظام منح فسحة ديمقراطية ، بالنظر لعدم القدرة على إيجاد حقيقة النفس و صنع النموذج الجزائري في الحياة ، فلازال جزائري اليوم في ذهنيته يسير كما كان يسير أجداده ، ففي المناطق التي تكثر بها الزوايا الصوفية لازال منطق بركة الشيخ معششا في الأذهان ، أما في بقية المناطق المتفتحة اجتماعيا ممثلة في المدن الكبرى ، فلازال الأفراد هناك يدخلون النصوص الدينية المفهومة من قبل بشر مثلهم في جل معاملاتهم الحياتية ، ما ولد صراعا داخليا ، ولد حالة من الكبت أحيانا و حالة تفسخ أخلاقي في أحيان أخرى ، و في كلتا الحالتين ، فان النتيجة هي نفسها مجتمع متخلف يعاني حالة تمزق بين منطقة و أخرى .

إن المشكلة الأبرز للمجتمع الجزائري أنه لازال لم يفصل في هويته ، حاله حال معظم الشعوب العربية القبائلية أو الطائفية ، عدا تونس و المغرب اللتان انتهجتا العلمانية السياسية و القانونية بدرجة كبيرة ما ساهم في تقليل النزعات القبلية و الجهوية بين الأفراد ما أدى بطريقة تلقائية لتأسيس مناخ فكري و اجتماعي جيد ساهم في تحول ديمقراطي سلمي في تونس و في تقدم سياسي و اقتصادي رهيبين تحققهما المغرب في السنوات الأخيرة ، أما الجزائر فلازالت في نفس المكانة منذ الاستقلال بل إن مكانة المرأة و المناخ الفكري و الثقافي تدهورا نحو الحضيض ، بالنظر لحالة التدين الزائف التي قام بها الكثيرون إبان فترة الحرب الأهلية ثم التفسخ عن الدين بدرجة كبيرة بعد انتهاء الحرب ، ما ولد مجتمعا مرتابا تجاه كل ما هو حداثي ، و مجتمعا مستهزئ بكل ما هو تقليدي ، دون الوصول إلى مجتمع يحترم فيه كل فرد حرية الآخر دون التدخل ولا البحث في خصوصيات الأفراد .

إن التدين في الجزائر أضحى موضة أكثر من كونه قناعة راسخة لدى الأفراد ناجمة عن البحث و التمحيص في الأديان ، كما أصبح نقد الدين لدى الكثيرين موضة رائجة لتحقيق الشهرة على عقول ملايين الجهال اللذين يتابعونهم ، ما أدى إلى انقسام المجتمع لمناصري الحداثة و مناصري السلفية الوهابية ، و المضحك أن كلا الطرفين يقيضان المال من سفارات أجنبية ، في غزو واضح للعقل الجزائري بهدف سحق و طمر الثقافة الجزائرية بخلفيتها الأمازيغية الأصلية الراقية و العربية الجميلة وريثة الحضارة الإسلامية ، وسط حالة انبهار شعبي بكلا الطرفين المتصارعين لتوجيه العقل الجزائري الذي أصبح تابعا فقط للآخر بعيدا عن محاولة إنتاج نموذج خاص به .

إن الذي يتأسف له المرء بعد ست و خمسين سنة من الاستقلال أن الجزائر لم تستطع بناء مجتمع يقوم على ثقافة الولاء الوطن و احترام الاختلاف المجتمعي لاستيعاب كل القبائل و العرقيات داخل الوطن الواحد ، بقدر ما هي جعلت النفط نقمة يتنفسها المجتمع و يرتبط بها كل السكان ، إذ لازال نمط الحياة الذي فرضه الهواري بومدين منذ تأميم النفط هو نفسه اليوم مع ملاحظة صعود طبقة متوسطة إلى مستوى الغنى المالي عبر مجموعة القروض و المصالح المتبادلة داخل الدوائر الحكومية و الإدارية ما أدى لزيادة الشرخ بين الطبقة الغنية ( الحداثية ) و الطبقة الفقيرة التي يجد فيها الاسلامويون تربة صالحة لزراعة أفكارهم نظرا للدعم المالي الذي يتلقونه من دول أجنبية ، و هذا ما يجعل هؤلاء يقدمون الولاء للدين قبل الدولة ، و هي بهذا تمثل نموذجا للاغتراب السياسي كما هم الفرانكفونيون يمثلون نموذجا للاغتراب الفكري .

طالب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. يبدو ان الكاتب منبهر بعلمانية تونس واقتصاد المغرب الغوى والمتنوع وديمغراطية امير المومنين فالبنسبة الى الاولى يبدو ان بورقيبة لم ينجح الا فى اخراج المراة التونسية من دائرة الدين والسفور اين ما حللت بالوطن التونسى لاتختلف فى ذالك القرى او المدن وزرت تونس 2009 المراة الاروبية تخجل من وضعها مقارنة بالمراة التونسية البلد الثانى من يزور الريف والجنوب يشعر ان القوم لايزالون يعشيون فى القرون السابقة للقرن 20 او 21 فى ذالك يحق لكاتب المقال ان الجزائر متخلفة عن البلدين بالنسبة للمراة فى تونس والاقتصاد فى المغرب .صحيح ان الجزائر ليست فى الوضع الذى كان يتمناه كل جزائرى وان الفساد عهام ومقنن ايضا لكن فى كل الاحوال الشعب الجزائرى افضل فى عدة نواح من الشعبين الشقيقين .كان على كاتب المقال ان لايعدد السلبيات ويذكر بعض الايجابيات حتى وان كانت قليلة ويقترح حلول للنهوض ولا يكتفى بالنقد الذى يستطيع كل انسان فعله كما كان عليه ان لايكتفى بنقدالحكم وان يوجه بعض السهام للمواطن الذى يريد ان تكون له منحة او اجر وو فى بيته وما اكثرهم .شكراا

  2. موضوع هام يحتاج لكثير من التحليل والتعقيب قصد تبيان الحقائق كما هي وكما تحدث بالفعل، ست ست عقود كافية ليكون البلد في مقدمة دول حديثة وفرت لشعوبها الرفاهية مكنتها من أن تتذوق وتعيش ثمرة الاستقلال، أصبح كل واحد منا وفي مختلف المستويات يسأل نفسه ويسأل الناس ، مادهانا وما هي أمراضنا التي أخرتنا ؟ ألسنا قادرين علي بناء دولة عصرية نحيي حياة الكرامة من ازدهار فكري صناعي سياسي فيما بين الدول التي طوت نفسها وأخرجت شعوبها من الجهل والفقروالتخلف لم يكن لها مالدينا من ثروات ، هي المصائب المتتالية المتتابعة حيرت عقولنا نصنعها بأيدينا نعزوها ـ كذبا وبهتانا ـ نحولها إلي انتصارات إلي أن أصبح الحال علينا ‘ كما يقول المثل الشعبي عندنا ‘ كان التردي وكانت الثغرات في كل المجالات، لانتحدث جزافا لامزايدة في الكلام، يتهم وزير الطاقة باختلاس لايقدره مقدر لاتضبطه حسابات ، ينشط الاعلام الرسمي وغير الرسمي وحتي الدولي بالواقع المزري للثروة الوحيدة للبلاد، يصدر الأمر بالقبض علي الوزير المختلس من جهة قضائية مسؤولة يجري بذلك حديث الناس ، إذا بالمختلس يظهر بمظهر غريب لم يفهم لحد الآن، مامغزاه وما معناه ….؟ عاد من فراره متنقلا في تنقله اليومي مابين أضرحة وقباب أولياء الله، متبركا متمسحا بأهداب كل راية وتراب، تتـــصعد المواقف والإجراءات، يقوم خدام الأضرحة والزوايا المزارة بإطعام الطعام وإقامة احتفالات ، احتفاء بالوزير المتهم والكثير من الخزعبلات،

  3. احسنت ،،،ان تاريخ الجزاير في الكفاح البعيد والقريب احسن ارضية لنهضة تعيد اولوية الانتماء الوطني وخاصة ان الجيل الحالي هم ابناء واحفاد الشهداء وحركة التحرير الوطنية الجزائرية ،،ولابد من توعية الشباب من مخاطر الحركات الطائفية الدينية وخاصة السلفية الوهابية وتدخل رعاة الفكرالطايفي من الانظمة الظلامية من الاعراب والعجم وكذلك نلاحظ ان الفرانكوفونية وعملاءها يثيرون النزعات والنعرات العرقية والتبعية يجب فضحهم بكافة الوسائل المتاحة

  4. ههههه التخلف في المغرب تسميه تقدم والركوع لبشر تسميه نموذج الجزائر الدولة الاكثر ديمقراطية واقتصادية في افريقيا هذه حقيقة وليست كالدول التي تدفع الرشاوي للمنظمات الدولية والصحافة لتلميع واقعها المرير اما هوية الجزائر فهي معروفة دولة امازيغية مالكية لا عربية ولا وهابية ولا اخوانية لاتركع لبشر بل لله وحده

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here