محمد علي القاسمي الحسني: صورة أخرى لا يراها الخارج: جزائر الواقع وجزائر الخيال

محمد علي القاسمي الحسني

يرى العالم الألماني ذو الأصول الهندية ديبتر سانغاس بأن عناصر نمو الدول تتمثل في التوزيع العادل للدخل القومي ، و وجود مؤسسات ثقافية و علمية تشجع على الإبداع و الابتكار المفيد للمجتمع فضلا عن منح إدارة تسيير المشاريع لكفاءات علمية عليا قادرة على التسيير الجيد لضمان نتائج ملموسة تضمن الدرجة الأقل من الرضى لدى الفرد ، و لكن جل هذا منعدم في الجزائر فالمؤسسات الإدارية فاسدة و مؤسسة مكافحة الفساد المستحدثة حاليا وهمية غائبة عن العمل منذ تأسيسها ، أما الإبداع و الابتكار فيقتلان عبر المنهج الدراسي الذي ينتهج فيه المعلم و الأسرة أسلوب تحصيل النقطة فوق كل شيء ،رغم كون الجزائر تمتلك واحد و سبعين بروفيسور بجامعة السوربون لوحدها فالقامات العلمية و الفكرية أصبحت تهاجر لتضمن سلامة عقلها و قوت يومها بعيدا عن ضجيج الغوغاء ، و لعل المفكر محمد أركون لم يخطئ سنة 1963 حين رفض العودة إلى الجزائر ، لأنه كان آنذاك أستاذ بإحدى الجامعات الفرنسية و طلب منه التدريس في ثانوية بالجزائر ، فالنظام و المجتمع يكسران فهما اللذان رفضا كاتب ياسين عبر التهجير الداخلي ثم الخارجي و قذفا محمد أركون و لم يحتفيا بمليكشي أحد عباقرة الناسا  ، و بالتالي فان مسألة تخلف الجزائر متجذرة في ذهنية النظام و المجتمع على حد سواء و هنا تكون مقولة ابن خلدون خير توصيف ( الأوطان كثيرة العصائب و القبائل قل أن تستحكم فيها الدولة ) ، فلو كان الجزائريون متحدين و منضبطين في العمل بعيدا عن التكاسل و الجهوية لما كانت الطبقة الفقيرة تحلم بزيارة البحر و تبحث عن سبل كسب القوت .

لا يهم عيش سكان العاصمة ، وهران أو قسنطينة في رخاء و تقديمها كمدن نموذجية أمام السياح و الصحافة ، لأن مساحة المدن الصحراوية البالغة مليوني كيلومتر مربع أكبر آلاف المرات من مدن الشمال ، هذه الصحراء لازالت بعض مدنها و قراها لا تتوفر على أبسط ضروريات العيش كالمشافي و المدارس ، في مقابل وجود أربع مستشفيات جامعية بالعاصمة لوحدها ، فهل الصحراء خارج تغطية الحكومة ؟ ، ثم حين يتحدث المرء عن معاناة الفرد الجزائري البسيط فهي معاناة ملايين الفقراء و المهمشين اللذين لا يستطيعون دفع إيجار البيت و فواتير الكهرباء و الماء ، فيلجئون للاستدانة لتغطية مصاريف الحياة تجنبا للموت إلا أنهم يبقون في نفس الطبقة التي يضمون لها ، هي الطبقة الفقيرة التي لم ينتصر لها المثقفون و الصحفيون و تجاوزوها و كأنها غير موجودة أصلا ، جلهم يكتبون من بيوتهم المحمية في العاصمة أو وهران عن المسائل التافهة لكنهم ينسون الحديث عن التمييز الحكومي في التنمية و معاناة الفئة المهمشة لأنهم ليسوا منها و ليسوا على قدر عال من الكفاءة و الشجاعة لنصرتها ، رغم أن فيكتور هيغو حين كتب البؤساء كانت تتمحور أساسا حول معاناة هؤلاء و كفاحهم ، و إميل زولا حين كتب الحانة و جيريمينال و غيرها كانوا هم موضوعه المحوري ليقابل من قبل الطبقة الحاكمة و المثقفة بالرفض نظرا لكشفهم تفاصيل حياة هذه الطبقة التي تعيش على هامش التاريخ ، لهذا فمن الطبيعي أن ينظر الأجانب أو الكتاب لطبقة المهمشين على أنها إضافة فقط للجزائر لأنه لا يراها أصلا ، لأنه لا يعرف الجزائر العميقة تلك التي يسير فيها الأطفال عشرة كيلومترات في بسكرة ليصلوا إلى المدرسة ، و يقطع فيها الفرد مائتي كيلومتر أو أكثر من قريته ليصل إلى مركز مدينة ورقلة ، أدرار أو تمنراست ، لهذا فالجزائر أكبر من حصرها في وسط المدن الشمالية الكبرى ، لأن العاصمة و وهران لوحدهما بهما ما يقارب المليون فرد يعيش في البيوت القصديرية.

الجزائر حاليا تعد أكبر البلدان العربية مساحة و ثانيها من ناحية التعداد السكاني ، تصورها قناة فرانس 24 على أنها بلد جميل و رائع يحوي كل المرافق الجيدة ، كما يصورها بعض الكتاب العرب على أنها تعيش حياة السلم و الرخاء و التطور ، لكن الواقع يقول العكس ، فكل يوم هناك ما لا يقل عن عشرة جرائم في المدينة الواحدة ، و في كل مدينة هناك آلاف البطالين اللذين يختار العشرات منهم ركوب قوارب الهجرة غير الشرعية ، و في كل قرية هناك عشرات النسوة اللواتي حرمن من التعليم بسبب الذهنية الرجعية للوسط العائلي ، كما هناك قرى أخرى لا تعرف طعم الماء ولا نعمة الكهرباء بعد ست و خمسين سنة من الاستقلال ، و في المقابل فان الحكومة ستستلم سبعين فندقا جديدا و مطارين جديدين فضلا عن أربعة ملاعب جديدة كبرى و ضخمة ، رغم أن سكان الصحراء و القرى الشمالية يعيشون معاناة لا تطاق ، فبأي منطق تفكر الحكومة و إلى متى سيضل الشعب صامتا على الظلم و التخلف الذي يعيشه .

أخيرا ، فان واقع الجزائر اليوم هو نفسه واقع الجزائر البارحة ، و هو الواقع الذي لن يتغير مادام الشعب نائما و السلطة تتلاعب بالبلاد كما تشاء ، و العالم يتفرج على مسرحية اسمها الجزائر .

 ( طالب جزائري )

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. اولا سارد على بعض المعلقين :
    نسومر الاوراس :
    1 ) مادخل السودان بعروبة او امازيغة الجزائر ؟ 2 ) لايمكن التطاول على انتماء الشعوب . لا يمكن لاحد ان ينكر علي اصلي الامازيغي او العربي او التارقي او الميزابي او ……………..فأصلك ملك لك .
    3 ) هل يمكنك ان تجبر الناس على شرب او تنفس الهواء كل حسب انتمائه العرقي ومنطقته الجغرافية مثلا من يسكن العاصمة لايحق له تنفس هواء قسنطينة ؟
    4 ) لنعود الى النموذج الامريكي الذي يعمل على جلب من يخدم امريكا ولا يهم اصله ودينه والاسرائيليم الذي حل بفلسطين من اصقاع العالم من افقر دولة في افريقيا الى اغنى دولة في اوروبا او او امريكا .
    سفيان السحمودي المغرب :
    لماذا تربط الجزائر بالمغرب لكل دولة مشاكلها ؟ المقارنة تكون للتوجيه نحوالافضل لا من اجل القول انا خير منك ……
    ثانيا :
    اما في ما يخص التهجير هناك نوعان من التهجير الاول قصري والثاني اختياري نفعي .
    ولا اتحدث عن القصري بل ساكتفي بالثاني وبالمثقف والصحفي .
    اغلب مثقفي وصحفي الجزائر منحدرون من البوادي والقرى والتحقوا بجامعات المدن الكبرى مثل قسنطينة والجزائر العاصمة ووهران وعنابة وتيزي وزو …وبعد تخرجهم استنكروا قراهم وفضلوا المكوت في هذه المدن او السفرالى خارج الوطن اين استوطنوا . فاستحسنوا العيش بعيدا عن جذورهم وانصهروا مع محيطهم الجديد الامر الذي جعلهم لا يستطيعون التاثير في هذا المحيط . لان في وعيهم الدفين يشعرون بالمعيشة الضنكى التي عاشوها في صغرهم ولا يردون العودة لها .كما لاتعنيهم اين يعيشون حاليا .
    اذا عدنا الى الاستقلال نجد اغلب من حكموا البلاد كانوا خارج الوطن وهذا امر طبيعي نظرا لظروف البلاد ذلك الحين كما تراخى المجاهدون عن العمل السياسي وانشغلوا بالامتيازات خاصة بعد الثمانينا ت وسار على دربهم المثقفون والصحفيون وخنق صوت الاحرار وخاصة بعد العشرية السوداء .

  2. الجزائر ليست دولة عربية ، لانريد لبلادنا أن تلقى مصير السودان.

  3. نور الدين. لا تغطي الشمس بالغربال. الجزائر ليست بأفضل حال كما المغرب.
    1- العهدة الخامسة في الطريق رغم أنف الشعب.
    2-الاستدانة رغم البتروغاز.
    3-رفع الدعم عن السلع.
    4-وما خفي أعظم.
    لذا انظر إلى الحقيقة بعينيك وليس بقلبك. سلام.

  4. الجزائر السادسة عالميا في الأمن والأمان والاولى عربيا في التنمية البشرية راجع معلوماتك ولاتشوه الحقائق

  5. شكرا للكاتب علي التحليل الرائع والحالة المزرية للبلاد تبكيها العيون وتخدش الشعور الوطني والخيبة المريرة التي وصل الجزائري إليها، حبانا الله أن يزخر الوطن بشتي أنواع الخيرات مافوق الأرض وما تحتها ومع ذلك يعيش المواطن عيشة البائس المقهور والحالة تزداد سوء من يوم لآخر، زاد الأمر أكثر انعكاسا وأكثر تدهورا في مجال الحياة اليومية برمتها، انتشار الرذائل بكل أنواعها ومسمياتها، تقهقر فاضح في تسيير شؤون الحياة حتي أنك لاتصدق فيما يجري من مهازل يومية، كيف كنا وكيف أصبحنا، كان يضرب بنا المثل في الشجاعة النفسية والأدبية والأخلاق الكريمة حتي غدت شعوب مستضعفة تقتدي بمواقفنا تجاه وطننا وأمتنا، إذا بحالة مزرية متخاذلة تستولنا علي أوضاعنا، نهب المال العام وسرقته هنا وهناك تعلن به الصحف موازاة مع أخبار الرياضة وملء المربعات في تغطيتها، سباق مرطوني للوصول إلي السلطة دون مراعاة كفاءة معينة ولو بالنزر القليل مما هو مطلوب عاد لصاحب السلطة، الكل اليوم ولما يجري علي ألسنة المواطنين عادين أو مثقفين هو الترديد الدائم والمستمر،( راحــــت أو كـملــــت) وتعني الكلمتان العاميتان المختصرتان ،، ( اختفاء كل ماهو إيجابي) أبناءنا، شبابنا الذين عليهم العمدة لضمان الدولة وهيبتها في العالم يفرون يغادرون إلي أروبا يغامرون، لايفكرون من يصل أو لايصل، نحو الموت يستسهلون،نذرف المع الهتون ودولة أروبية مجاورة لنا علي ضفاف البحر المتوسط هددت أكثر من مرة تناشد السلطات عندنا، تعالوا خذو جثثكم المخزنة وكثيرا ماهددت إذا ماتباطأتم ستحرق هذه الجثث ولا لوم علينا، ومسؤولون هنا يخرفون ، هذا يقول مدننا أفضل من مدينة باريس، يجاوبه الآخر وأفضل من نيويورك، جاء في الأثر الشريف : الحياء شعبة من شعب الإيمان، وفي التنزيل المحكم ( وإلي الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعمــــــــــــــــــــــــــون .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here