محمد علي القاسمي الحسني: روسيا من القمقم المعتم الى مقارعة العم سام

mohamad alqasimi

محمد علي القاسمي الحسني

    لقد عرف التاريخ البشري عديد التغيرات المختلفة و التي تطرأ تحت تأثير عديد العوامل ، سواء منها الاجتماعية مثلما هو حال الثورات الشعبية ، أو الاقتصادية في حالة تشكيل التكتلات الاقتصادية كالاتحاد الأوربي ، و لكن أهم المؤثرات هي السياسية و التي تعرف تغييرات متسارعة في القرنين الأخيرين ، فقد شهدت البشرية حربين عالميتين في أقل من خمسين سنة ، تلتهما حرب استخدمت فيها جل الوسائل بين القطبين المهيمنين آنذاك ، و عديد الحروب التي غيرت في البنية المجتمعية لعديد الدول مثلما هو الحال اليوم في سوريا و العراق ، غير أن أحد أهم الأحداث التي ساهمت في تغيير موازين القوى الدولية و شغلت حيزا هاما في الدراسات السياسية هو تفكك الاتحاد السوفييتي إلى مجموعة دول مستقلة أهمها جمهورية روسيا الاتحادية ذات القوة العسكرية و التأثير السياسي الواسع و عراقة التاريخ الذي ربطها غالبا بشرق أوروبا و الدول العربية من ناحية المد الفكري و الرقعة الجغرافية في مرحلة معينة.

    روسيا 1990 ليست روسيا المحكومة من قبل فلاديمير بوتين ، رجل المخابرات الذي غير الكثير لتغيير توجهات الدولة من أجل استعادة المكانة في النظام الدولي الذي بقيت الولايات المتحدة الأمريكية مهيمنة عليه بعد تفكك السوفييت اللذين كانوا يشكلون القطب المنافس الوحيد في ظل ضعف بقية القوى متمثلة في كل من بريطانيا و فرنسا و اليابان التي استفادت من مساعدات أمريكية مثلت عقبة لرجوع هذه الدول لمكانتها التي كانت تحتلها في الساحة الدولية ، فالقدرات العسكرية و الاقتصادية الهائلة التي يحوزها العم سام مكنته من التحكم في النظام الدولي لسنوات قبل النمو الاقتصادي و الإنفاق العسكري الضخم لكل من الصين و روسيا و محاولة دول الاتحاد الأوروبي لتشكيل جيش موحد بعد وحدتها الاقتصادية ، ما تسبب في ضعف أمريكي نسبي خصوصا في مواجهة تحالف دول البريكس الذي تحوز فيه روسيا قوة التأثير العليا .

    إن مجموعة التغیرات التي مست السیاسة الروسیة في جوانبها الداخلیة والخارجیة بعد تولي فلاديمير بوتين منصب رئاسة لحكومة سنة 1999 تعتبر النقطة الأهم في إحداث تغیرات جذریة على الصعید الدولي لإعادة القوة الروسية إلى ما كانت عليه إبان الفترة السوفييتية ، حیث أن المتغيرات الدولیة و الإإقليمية تسببت في حالة ضعف لها أبعدتها عن الهيمنة بعدما كانت تصنف في نطاق الدول العظمى ، لكن الإحصائيات أثناء فترة حكم بوتين تغيرت تماما على المستوى الداخلي فبعدما صرح بوتين في خطابه السنوي أمام البرلمان سنة 2000 إن حجم الديون بلغ 143 مليار دولار فان الميزانية الروسية حققت فائضا سنة 2007 قدر ب 75 مليار دولار ،  كما أن معدلات النمو الاقتصادي قد بلغت 7 بالمائة منذ سنة 2003 إضافة إلى ارتفاع المدخول السنوي للأفراد بنسبة عشرة بالمائة منذ سنة 2004 و ما إلى ذلك من معطيات اقتصادية جيدة أثرت على الواقع الاجتماعي أدت إلى الانتقال للاهتمام بالشأن الخارجي في ظل حالة ارتياح تجاه الداخل الروسي من قبل بوتين الذي ساعده في التحكم بمفاصل الدولة تلك الصلاحيات الممنوحة للرئيس بموجب دستور 1993 .

    فالسياسات الناجحة  للرئيس بوتين أدت لرجوع روسيا لتبوء موقع هام في الساحة الدولية لتغدو المنافس الأساس للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط  ، فالمتتبع سيلاحظ حدوث انقلاب في السياسة الخارجية الروسية فبعدما كانت إلى وقت قريب تبحث عن مصلحة الشعوب القومية القابعة تحت سيطرتها فهي اليوم تسير وفق نهج براغماتي صرف بالرغم من العقوبات المفروضة عليها إلا أنها استطاعت فرض نفسها كلاعب محوري هام و منافس قوي في سبيل تحقيق الهيمنة الإقليمية و من ثم العالمية دون الدخول في حروب مع الدول و التي تكلفها خسائر مالية كبرى مثلما هو عليه بالنسبة للولايات المتحدة التي تعتبر خسائرها المادية في سوريا مقارنة بأرباحها صفرية .

    و المتابع اليوم سيجد بأن روسيا استطاعت أن تؤسس حلفا قويا يقف إلى جانبها و الذي يضم كل من إيران و الصين ، و على الرغم من الخسائر المالية التي تعرضت لها من جراء مشاركتها في غمار الحرب السورية إلا أن العائد كان أكبر ألا و هو استعادة المكانة التي حازتها روسيا القيصرية و الاتحاد السوفييتي سابقا اللذان شكلا خطرا على كينونة الغرب يوما ما ، و المميز الأهم هو طريقة العودة القوية التي جمعت بين الاندماج في اقتصاد رأسمالي و الحفاظ على المحددات القديمة ، و سيبقى طموحها بالهيمنة مرتبطا بالأساس بكاريزما الرئيس و قدرته للسيطرة على الوضع الداخلي للبلاد في ظل انتعاش اقتصادي و استقرار داخلي ، ما سينعكس على تصاعد الدور الروسي المتسارع في الساحة الدولية في ظل حالة من الضعف الاقتصادي الأمريكي و الأزمات المتتالية داخل الاتحاد الأوروبي و آخرها البريكسيت .

    و بالتالي فانه من غير المستعبد تغير السياسات الأمريكية للتكيف مع نظام ثنائي أو متعدد الأقطاب يلوح في الأفق ، كما أن إمكانية تحالف أوروبي روسي ممكنة جدا في ظل تهاوي القوة الأمريكية و لأن السياسة علم اللامتوقع فان الساحة الدولية قد لا تستقر في غضون السنوات القادمة إلى غاية هيمنة أحد القوى أو انسجامها مع بعضها البعض في نظام تحكمه قواعد القانون الدولي و التكتلات الاقتصادية .

    على أن منطقة الشرق الأوسط ستبقى حلبة الصراع الأبرز نظرا لتموقعها الاستراتیجي المهم وسط القارات الثلاث و سيطرتها على أهم المضائق البحرية التي تمثل بوابة موسكو إلى القارة الإفريقية و ممر واشنطن إلى الشرق الأوسط ، كما أن تركز حوالي 65 بالمائة من احتیاطیات البترول العالمية يجعلها كذلك منطقة صراع بين الدول الصناعية التي تقوم اقتصادياتها على استخدام البترول بكثرة ، و بالتالي فان سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة قد لا تدوم في السنوات القادمة بعد استعراض روسي للقوى العسكرية في سوريا انتهى بالقضاء على العديد من التنظيمات الإرهابية و أبرزها داعش ، إضافة لحالة الاستقرار الروسي في مقابل التهلهل الأمريكي ، و منه فإن البراغماتية السياسية التي يتخذها بوتين أساسا للتحركات الروسية الخارجية و اعتماده على زيادة القوة العسكرية سيؤدي حتميا لرجوع روسيا لمكانتها البارزة في الساحة السياسية الدولية .

على أمل تحالف العرب لمواجهة مد القوى الكبرى .

 ( الطالب الجزائري )

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here