محمد علي القاسمي الحسني: السترات الصفراء بين البؤس الجزائري و العراقة الفرنسية

محمد علي القاسمي الحسني

انطلقت في فرنسا قبل حوالي الشهرين مظاهرات يقودها مرتدو السترات الصفراء ، في مواجهة السياسات الليبرالية التي تنتهجها حكومة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ، سياسات لم يعد المواطن الفرنسي قادرا على تحملها ، الضرائب المرتفعة ، زيادة الضريبة على استهلاك البنزين ، انخفاض القدرة الشرائية و ما تبع ذلك من تبعات يعاني منها الفرد الفرنسي ، ليخرج معبرا كعادته بعد ثورة 1848 ، 1789 ، 1968 ، و بعض المظاهرات التي لم ترق الى درجة الانتفاضة ، انتفاضات مستمرة تبين مدى وعي الشعب و حسه الوطني ، كيف لا و هو الذي لم يتوقف عن الخروج للمطالبة بحقوقه كلما شعر بالظلم ، خروج جعله قانونيا بعد ثورة بنت دولة عظيمة و ليست مثل الثورات العربية التي أخرجت المستعمر و وضعت حكاما ديكتاتوريين عساكر يحكمون ، هذه الانتفاضات المتتالية تعد موضوعا محل بحث و دراسة دقيقين بالنسبة للشعوب المغاربية التي تعيش نفس الظروف تقريبا ، لكن المؤسف تركها دائما تمر دون تحليل ،

فئة فقيرة تعيش في تمنراست ، المسيلة بل و حتى العاصمة الأم في الجزائر ، في مواجهة فئة غنية بالمدن المذكورة و غيرها ، طبقية مقيتة صنعتها سياسات استعبادية قائمة على قوة المال ، و الجهل العام الذي يسود ، غياب تام لروح الوطنية و الثورة وسط العمال أدى لزيادة الضرائب الحكومية و ضعف الأجور المؤدي لضعف القدرة الشرائية ، كارثتان يصبر عليهما الفرد الجزائري و كأن شيئا لم يكن ، هنا يظهر الفرق الشاسع بين الجزائري و الفرنسي ، التاريخ طبعا يعيد نفسه ، البارحة كانت الضرائب العثمانية المفروضة على الجزائريين مرتفعة وسط سكوتهم و قبولهم بالواقع ، في مقابل أن الفرنسيين انتفضوا ضد السياسات الملكية عشرات المرات .

ان التناقض الطبقي الذي تعيشه فرنسا حاليا لا يختلف عن التناقض المعاش في الجزائر مع وجود بعض التفاصيل الدقيقة التي يختلف فيها المجتمعان ، لكن السياسات الليبرالية المؤدية لسحق الطبقة العاملة هي نفسها في جل الدول ، الجميل أن الطبقة العاملة الفرنسية دائمة الوعي بالخطر الذي تحمله تلك السياسات الناشئة من منطلق رأسمالي خبيث يهدف لاستعباد الشعوب و إدخالها في دوامة القبول بالواقع ، هنا ظهرت الخلفية الفكرية الثقيلة للفرنسي الثائر دوما ، و ظهرت خلفية الجزائري الراض بالذل ، الفارق الطبقي حاسم و مهم في تحديد توجهات الدولتين داخليا ، و لكن قوة العنصر الداخلي الثائر فرنسيا تجعل الحكومات المتعاقبة تحسب ألف حساب له ، و لكن ماكرون الشاب يبدو عليه عدم القدرة على قراءة التاريخ بالنظر للطبقة السياسية و الاقتصادية المحيطة به ، طبقة تهدف لتعظيم المنفعة لتكون النتيجة مظاهرات رافضة للخضوع لتلك السياسات التي تهدف لجعل الشعب مجرد تابع ، العجيب أن الشعب الجزائري يعاني منذ سنين من ارتفاع سنوي للضرائب لكنه يقف مصفقا باحثا عن السلام فقط ، و على النقيض فان باريس التهبت لأجل الحق.

ان التعامل البرجوازي مع الطبقة العاملة في فرنسا و الجزائر هو نفسه ، صراع مستمر بين طبقتين احداهما هدفها ربحي بحت و الأخرى تهدف للعيش فقط ، الفرق أن العمال الفرنسيين لهم وعي كامل بنتائج السياسات البرجوازية الخبيثة أما في الجزائر فالقوم تسيرهم الأنانية و يسيرون سبهللة في الأرض ، طبعا هذا يعود للخلفية الفكرية للشعبين فالسوربون التي خرجت فوكو و سارتر ليست مثل الجامعة الجزائرية التي أصبحت مساجد وعظ ، الجميل هو أن الفرنسيين صنعوا لوحة جميلة تبين أخوة شعبية و إدراكا تاما بالخطر المحدق ، و على النقيض فان الشعوب العربية لازالت تعيش وفق الحكم الشمولي و سياساته الرأسمالية التي تستعبد الفرد العربي و تجعله مجرد آلة للاستعمال النفعي.

أخيرا ، وجب القول بأن الانتفاضة الفرنسية الحالية سواء استمرت أم لا ، فإنها ستبقى نموذجا مثاليا لسكان المغرب العربي بالنظر لارتباطهم الوثيق بالمستعمر السابق ، ذلك أن نفس السياسات المنتهجة في فرنسا تنتهج في دولهم ، بالنظر لسرقتها و بالتالي فان نفس الأسباب هناك و هنا تؤدي الى نفس النتائج على الشعوب و لكن لماذا لا ينتخب الفرد العربي حاكمه يوما !!!!

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. أوافقك في بعض وأخالفك في بعض
    أوافقك عندما تقول أن المواطن الجزائري يعاني من ومن ومن ….
    أوافقك عن التناقض الطبقي وظهور أشكال من البرجوازية بالبلد …..
    ولكن لا أوافقك في المقارنة بين الشعبين …..ثم إن هذه فرنسا التي خلقت الفوارق الاجتماعية في الجزائر أثناء الاستخراب وبعد خروجها …أظن أنك لم تفهم قصدي .
    ماذا تريد يا محمد علي القاسمي الحسني من الشعب الجزائري ؟ أتريد منه يخرج للشارع وأن يطالب بحقوقه على طريقة أصحاب السترات الصفر ؟ إذا كان هذا قصدك فاسمح لي أن أقول لك بأنك تجهل الكثير عن الشعب الجزائري وعليك العودة الى الماضي القريب ودراسته .
    ومن قال لك بأن الجزائري راض بالذل و و و !!!!
    الجزائري لا يرضى بالذل ولن يرضى بالذل , وكل ما في الامر هو أن الشعب الجزائري يعيش مرحلة يمكن أن نسميها “مرحلة انتظار ”
    لا تنسى يا أخي محمد علي أننا عشنا 10 سنوات من الخوف والارهاب والقتل …..ولا زال جرحها يدمي .
    ما بعد بوتفليقة .
    -العالم كله مقبل على تغيرات كبيرة …والجزائر مقبلة كذلك على تغيرات وأحداث مهمة نتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يحفظها وسائر بلاد المسلمين .

  2. سقطت من التعليق يعض اخطاء إملائية وبعضها نحوية فالخطأ خارج عن نطاقي فمعذرةللسيدات والسادة القراء وشكرا للجميع

  3. كـــــــــــــــلا دكتور محمد علي، ليس ثــمــــة تـــــــشابه بيـــن الشعبين الجزائري والفرنسي ولا تشابه إطلاقا بين طبقتيهما العاملتين، وهذا من ابجديات مايعرفه كل واحد سواء هنا أو هــناك ، فالهوة سحقيقة والمقارنة مستحيلة، أجــل لقد انتفض مجتمعنا عام 1988 وهل حقق شيء ؟ زاد الآغنياء غناء والثراء ثراء ، الفقير فقرا والبائس بؤسا إلي أن بلغنا الحد الذي نري، تدهور شامل في كل المجالات، أني توجهت أني سعيت طريق مسدود مسدود كما يترنم عبد الحليم حافظ ،، قارئة الفنجان ــ كيف نوازن وكيف تتحقق لنا الموازنة دكتورنا الفاضل : شعوبنا او شعبنا علي الأخص، يخاف رأس السنة كلما اقترب رأس السنة لآنها لاتأتينا إلا بأسعار ملتهبة وزيادات مواد استهلاكية وارتـفاعت ضريبية وامرنا علي هذا الحال منذ قيل لمجتمعنا ان الاستعمار غادركم والاستقلال حل بكم، أما الآخرون علي نقيض من ذلك كله، فحلول العام الجديد او الاقتراب من حلوله يبدأ التمهيد للتحسين ، تحسين احالة المواطن الكادح المسكين، كل عندهم من لايعيش العيش الكريم فهو مسكين يجب دعمه سعادته ليلحق بالآخرين ( الموسرين) متأكد تمام التأكد أن الأخ الدكتور مطلع كل الاطلاع وهتم كل الاهتمام باعتباره مواطن يعيش غبن وتعاسة مواطنيه وبني جلدته، في ذلك البلاء المبين، الادخار والتخمة هي السمة التي تنفخ كروش المسرفين علي حساب البءساء المقهوري، لقد وجدوها فرصة سانحة لإفراغ جيوب بسطاء مغبونين،، أطباء رفعوا فحوصاتهم لآزيد من 500 دينار دفعة وينجر عن ذلك دكاكين التحاليل الطبية ولا نسميهم سوي أصحاب دكاكين، قد يكونون الآخرين البسطاء من تجار مواد غذائية أرحم منهم بكثير،والحجة قائمة علي أولي الآمر في هذه الأمة، إذا لم تكن ثمة مراقبة وردع من يجب في حقه الردع عن طريق المحاكم القضائية تحاكمهم فيما هم فيه من شره وجمع للمال الحرام ومن ثمة الضرر بسير الامة ومستقبلها الاقتصادي الامني والسياسي والحديث ذو شجون .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here