محمد علي القاسمي الحسني: الرواية الجزائرية الى أين؟

محمد علي القاسمي الحسني

تابعت بشغف جائزة آسيا جبار التي تشرف عليها جهة معينة في الجزائر . تم تحديد مجموعة روايات مرشحة للفوز بالجائزة . تنظيم حفل بهيج حضره جمع غفير . ارتداء ملابس أنيقة جدا من قبلهم . ثم تنشيط مسرحية سمجة و مملة معروفة نتيجتها قبل أن تبدأ . ذلك أن الجوائز الأدبية في الجزائر لا تقدم حسب رقي النص بل هناك معايير أخرى مخفية على حساب جودة الرواية و جمالية نصها و قوته .

كاتب ياسين . رشيد بوجدرة . الطاهر جاووت أسماء نقشت اسمها في تاريخ الأدب الجزائري بالنظر لرقي نصوصهم و جماليتها التي يعجز الروائيون حاليا عن كتابة مثيله ، ذلك أن هؤلاء كانت نصوصهم بنكهة غربية و روح ثائرة على المجتمع ذي الثقافة المغلقة غالبا ، ذلك الذي كان يهين المرأة و يدني من شأنها ، المجتمع المنافق لدى رشيد بوجدرة ، نجمة الثائرة في وجه قطار الحياة المؤذ عند كاتب ياسين ، كتابات وصلت إلى مشارق الأرض و مغاربها ، شغلت النقاد و الباحثين و ترجمت إلى ما يفوق الأربعين لغة ، أما النصوص المكتوبة اليوم فهي نصوص رجعية غالبا بعيدا عن جمالية العربية وقوة تعبيرها ، اللهم ما يكتبه الحبيب السايح و بشير مفتي و واسيني بالعربية ، هؤلاء يعدون حاليا علامات فارقة و مميزة تحفظ ماء وجه الأدب الجزائري الذي يسير في طريق الانهيار العلني الواضح ، مساءلة الحبيب السايح للتاريخ الرسمي و بحثه عن المجتمع المتسامح الذي كان البارح ، حنين واسيني للأجواء الأندلسية و تنبؤه بالزوال العربي و بوليسية نصوص مفتي مع نكهة نفسية و سياسية تدفع القارئ لإكمال الرواية في ساعات مستمتعا بها ، أما غير ذلك فهباء و لغو زائد عن الحاجة .

إن فشل الروائيين الجزائريين في تحقيق الاستمرارية المنشودة بين كتابات الأجيال الأولى ثم اللاحقة خصوصا الجيل الحالي لهو كارثة عظمى في تاريخ الأدب الجزائري ، فرغم تقدم المستوى التعليمي في المدارس و الجامعات و تحسن الوضع المادي للكتاب و توفر الكتب بشكل مبهر ، إلا أن المواضيع المهمة و الحساسة واضح في الكتابات العربية للرواية الجزائرية ، إذ يتغافل الكتاب عن الكتابة العلمية و العاطفية للرواية فيسقطون في فخ الشعبوية كما سقطت فيه أحلام مستغانمي و خولة حمدي اللتان تعدان قدوة الكتاب حاليا ، هذا التخلف في الكتابة سيدفع الأدب الجزائري فاتورته غالية ، بل انه حاليا يدفعها عبر تزوير و تفريخ لعدد معتبر من الكتاب بالفرنسية ممن تصنع منهم فرنسا نجوما .

ان التقوقع داخل ثقافة واحدة و تسييجها بمتاريس و حصون قوية ، سينتج رواية مليئة بالانغلاق الفكري على الآخر و الاكتفاء باجترار مواضيع كتبها كتاب سابقون بأسلوب ممل لا يرقى لأسلوب الأجيال الثلاثة السابقة ، لكن المؤسف هو تفرد هؤلاء بالامتيازات التي تقدمها الوزارة و التي تؤذي لتشجيع الكتابة لأجل الحصول على الجوائز و التي ستجعل الرواية رديئة لا محالة ، لكن العجيب هو الميزة التي يحملها هؤلاء و هي ظنهم بالكمال المعرفي و الفكري فقط لأجل حصولهم على جائزة أو جعلهم أعضاء في لجنة تحكيمها ، فيرفضون أي نقد أو تحليل أو مساءلة ، ثقافة النبذ و الإقصاء التي حاربها كاتب و رشيد و مولود و آسيا و غيرهم من قامات الأدب الجزائري أصبحت اليوم ديدن هؤلاء الكتبة على أبواب الشهرة و السلطة السياسية ، هؤلاء اللذين يصمون آذانهم عن الواقع المرير للشعب و ينسحبون للكتابة في المواضيع العاطفية التي لم تعد موضوعا شيقا خصوصا إذا كتب بطريقة غير علمية ولا شعرية ،

أخيرا ، فان الرواية حالها حال المقال ، يجب أن تقوم على أساس التحرر من سلطة المجتمع و الاكليروس ، إذ أن الكتابات الخالدة هي التي انبثقت وسط ظلمات المجتمع و قادته نحو التقدم بالنظر لتحليلها الواقعي لمأساته ، فالكتابة يجب أن تنقل العقول من صراع الكلمات الى اختلاف الأفكار و التلاعب بالكلمات بطريقة فلسفية شعرية عبثية ، للوصول لنص أدبي راق يحرك العقول ويفيدها بفكر جديد محفز على كسر المهاب ، و غير ذلك فهو بزنس علني لأجل تحقيق الشهرة و كسب المال على حساب العقول و الأدب.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. مقالة رائعة كاشفة لخفايا بازار الجوائز الأادبية العربية ومدى تحيزها وترهلها وبعدها عن التقييم الابداعي الحقيقي…والكلام اعلاه ينطبق على معظم حالات الجوائز التي أصبحت تغني منفردة بعيدة عن الجمهور والابداع وأصبحت هدفا بحد ذاته وليست تحفيزا وتتويجا …

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here