محمد علي القاسمي الحسني: الديمقراطية.. فرض لتجنب الفناء.. الجزائر مثالا

mohamad alqasimi

محمد علي القاسمي الحسني

لا يختلف اثنان في كون معظم الأنظمة السياسية العربية الحالية من المحيط إلى الخليج تعاني حالة من التخبط في القرارات و التأزم الداخلي و في السوادن الذي نفيق كل يوم لنجده انضم لحلف خير مثال ، ذلك أن صنع القرار في عالمنا العربي لا يقوم وفق عمليات بحثية كبرى و حسابات إستراتيجية دقيقة و معلومات مخابراتية يحللها و يعكسها فعلا مجموعة خبراء و باحثين كما هو الحال في الدول المتقدمة بل يصنع القرار بطريقة فردية غالبا تخدم اللوبيات المتحكمة باقتصاد الدول و سياساتها محولين بذلك الدولة إلى مزرعة صغيرة يتحكم فيها مجموعة إقطاعيون و المواطنين رعايا فقط و هذا ما يجعل الفرد العربي داخل وطنه لا يشعر بالانتماء القومي و الهوية الوطنية كما هو الحال بالنسبة للغرب ، ذلك أن النظم الحاكمة لا تقدم للفرد ما يجعله يحترمها أو يشعر تجاهها بالاحترام بل تعمل على تمرير شرعيتها عبر أساليب مختلفة كالقرارات المرضية لفئة معينة أو رفع الأجور و منح العلاوات رغم أن جل هذه تعتبر حلولا ترقيعية جزئية بعيدة عن المشاكل الرئيسية ، و لعل تصرفات الكثيرين في الجزائر مثلا حيث يتم التعامل مع ممتلكات الدولة بسوء دائم و ذكرها بحالة من السخرية خير مثال على أن الجزائري يشعر بحالة غضب تجاه الدولة بمفهومها الشعبي ، و بالخيبة نظرا لعدم تحقيق آماله و أحلامه الطامح لها برغم تحسن الحالة الاقتصادية للبلد في سنوات معينة لكن بدون فائدة بالنسبة لمعظم شباب البلد ، و هؤلاء اللذين يشكلون ثروة ديموغرافية يمكن أن يشكلوا يوما خطرا على النظام في حالة خلق ثورة شعبية عند ثقتهم بقدراتهم للوصول لتحول ديمقراطي سلس يفك عقدة النقص التي يشعر بها الفرد تجاه النظام السياسي و تجاه السياسيين ، ذلك أن نسبة كبيرة منهم ذوي شهادات جامعية و تكوين عال لكن العراقيل و المثبطات الموضوعة أمامهم تمنعهم من الوصول الى مراكز عليا في البلد لأن ذلك سيمس بسلطة الطبقة الاقطاعية الحاكمة ، و هذه الظاهرة الجزائرية عامة على معظم الدول العربية التي لازالت تعاني لأجل الوصول لتطبيق صحيح للمفاهيم الغربية في العلوم السياسية كالديمقراطية و المواطنة و القومية أو خلق مفاهيم نابعة من الواقع العربي ، فاذا كان الغرب قد وصل لايجاد أنواع جديدة من الديمقراطية كالتشاركية و التوافقية فاننا في العالم العربي لازال النقاش متواصلا حول تطبيق الشورى أو الانتخابات .

    فمصطلح الديمقراطية الذي ولد لدى الاغريق و طوره الغرب في العصر الحديث مع كتابات دو توكفيل و روبرت دال و غيرهم من القامات ، غدى اليوم متجذرا في الدول الغربية بتباين في تطبيقه حسب طبيعة النظم و لعل خير مثال على عراقته هو حالة الدول الاسكندنافية و بريطانيا ، أما الدول العربية التي عاشت تحت السيطرة العثمانية لقرون عديدة فانها لم تعرف هذا المصطلح سوى في بدايات القرن العشرين نظرا لتأخر ظهور الدراسات السياسية حالها حال معظم مجالات التي حجر عليها من قبل سلطة الباب العالي ، ما غيب معرفة بأبجديات السياسة التي كان الغرب قد قطع أشواطا فيها و حين تم تطبيق فكرة الديمقراطية كما ظهرت في الغرب تعرضت لعديد العراقيل تلخص في عبارة واحدة ( الفكرة اذا لم تنبع من قلب المجتمع و ينظر لها علمائه فمحكوم عليها بالفشل ) .

    و في الحالة الجزائرية فان الممارسة الديمقراطية قد وجدت منذ فترة الاحتلال الفرنسي ، حيث عرفت انشاء عديد الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات و منظمات المجتمع المدني الفاعلة بشتى الطرق ، و بعد نجاح الثورة التحريرية تراجعت هذه الممارسة لصالح حكم الحزب الواحد الشمولي ممثلا في حزب جبهة التحرير الوطني وسط سيطرته على جل مفاصل الحياة السياسية بالبلاد ، الى غاية مظاهرات 5 أكتوبر 1988 التي تسببت في صياغة دستور جديد منح الحق بإنشاء الأحزاب السياسية و إعادة تفعيل التعددية و فتح المجال أمام جل الممارسات الديمقراطية .

    غير أن هذا الفعل جاء متأخرا للغاية من قبل نظام اتبع المنهج الاشتراكي دون معرفة بأدق مبادئه نظرا لعدم توافره عند الاستقلال على خبراء و باحثين لهم القدرة على اختيار النمط الأفضل للتسيير ، فكانت معظم القرارات تتخذ حسب مزاج الرئيس أو قرار المجموعة الحاكمة مثلها مثل معظم الدول الشمولية التي تنحصر سلطة القرار فيها لدى اللجنة المركزية للحزب الحاكم و الملاحظ أن هذا النوع من الأنظمة فشل خصوصا بعد تفكك الاتحاد السوفييتي الذي دق المسمار الأخير في نعش الشمولية بالغرب و التي لازالت مظاهرها بارزة في الدول العربية مع الأسف رغم مرور عقود على استقلال معظمها .

    و بالتالي فقــد أدت الأزمات التي عاشتها الجزائر منذ الاستقلال متمثلة في أزمة الهوية و عدم المساواة في توزيع الموارد بين الأفراد و المناطق ، و صعوبة تكيف النظام مع المتغيرات المتسارعة بالداخل و الخارج إضافة للتراجع الاقتصادي ما أدى لارتفاع للأسعار و زيادة المديونية الخارجيـة وتفاقمها و التي تعتبر أحد مؤشـرات فشـل الحكومات وعجزهـا في تحقيق برامجها التنموية الموفرة لحياة سعيدة كان يتمناها الشعب حين ثار في وجه الاستعمار الفرنسي ، ليعيد حراكا اجتماعيا ثانيا يوم الخامس أكتوبر 1988 نظرا للمشاكل السابق ذكرها ، و إذا كانت الثورة قد أتت بالاستقلال للجزائر فان الحراك أتى لها بدستور يقنن الممارسة الديمقراطية و هذا ما تجلى في الحرية السياسية منذ صدوره إلى غاية إيقاف المسار الانتخابي للظروف المتعارف عليها ، و هذه المحطة يمكن اعتبارها النقطة المريرة في تاريخ الديمقراطية بالجزائر و التي عمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على تجاوزها منذ توليه منصبه حيث أعاد فتح الحرية الصحفية و حماها عبر مجموعة قوانين و هيئات و أعاد صياغة قانون الأحزاب وفق منهج يواكب التغيرات الحاصلة و هيئ المناخ الملاءم للابداع الفكري و الممارسة الديمقراطية ، غير أن مقام الرئاسة بقي منطقة يحرم الاقتراب منها الى حين انتقال الجزائر لحكم فرد مدني يفتح المجال أمام جميع التوجهات السياسية و الإيديولوجيات الفكرية .

    فالديمقراطية ضرورة اليوم في عالمنا العربي لجمع شمل العرقيات و ضبط ممارساتها بطريقة قانونية عبر منح الحرية الفكرية و السياسية للجميع لأجل اللحاق بركب الدول المتقدمة ، و الا فان انقراض العرب قد يصبح ممكنا مستقبلا .

 ( الطالب الجزائري )

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here