محمد علي القاسمي الحسني: الجزائر: تجار الثورة.. متى أصبح الصحفي الثرثار بطلا قوميا؟!

محمد علي القاسمي الحسني

قرأت عنوان مقال في احدى الصحف الوطنية ( فخامة الشعب ) ( الشعب السيد ) ( بوحيرد مع الشعب ) ، و في الواقع فان هذه العناوين الفكاهية المضحكة ، تصيب المرء بالغثيان حين يقرأها لعدة مبررات لاحق ذكرها ، و لكن قبل ذلك وجب القول بأن الشعب الفرنسي عند ثورته لم يقل فخامة الشعب و حين أسقط المجريون هيمنة موسكو عليهم لم يمدحوا أنفسهم كما لم يمجد التونسيون ثورتهم رغم اسقاطهم لأعتى النظم العربية بوليسية .

الثورة الناجحة هي الثورة المجرية حين دخل ثوارها مقر التلفزيون في بودابست ليلة 24/10/1956 و ثورة الايرانيين ضد الشاه ، كما هي ثورة البوليش ضد السلطة المركزية في موسكو ، و رغم أن عدد الضحايا في كل هذه الثورات الشعبية كان لا يقل عن 800 قتيل مثلما هي ثورة براغ سنة 1968 ، الا أنها خلدت في التاريخ كثورات شعبية ناجحة أوصلت الشعب الى رأس النظام الحاكم و شكلت ائتلافات و عملية تحول ديمقراطي ناجحة بكل المقاييس .

على النقيض تقف الجزائر بتعداد سكاني يفوق التعداد السكاني الذي كان في كل الدول التي شهدت ثورات شعبية في حينها عدا ايران و فرنسا ، و بمقدرات اقتصادية رهيبة و تركيبة جيوسياسية بالغة الخطورة ، و لكن مشكلة المشاكل فيها هي عدم القيام بالنقد الذاتي و الاعتراف بالخلل الهيكلي الموجود في النسق السياسي و الاجتماعي فضلا عن الانحطاط الفكري المعاش داخل هذه البؤرة التي تم دعمها بمليار و 800 الف يورو من قبل الاتحاد الأوروبي لاقامة مناطق تجارة و صناعة و دعمها البنك الدولي بمجموعة خبراء و مستشارين هم نفسهم اللذين عملوا في دول تقدمت مثل كوريا الجنوبية و البرازيل و رومانيا ، و لكنها لازالت دولة متخلفة ذلك أن طبيعة الفرد الطاردة و تركيبة المجتمع المخلخلة و طبيعة النظام السياسي الرافضة للتغيير .

غريب هو افتخار الكثيرين بطلبة الجامعة كثوار حالهم حال ذلك الذي يعتبر بورقعة و بومالة و طابو معتقلين سياسيا و كلاهما يشترك في حالة التخلف العقلي ، فالطلبة سنة 1968 في نانتير لم يرفعوا صور صحفي ثرثار و سياسي تم صنعه في مكاتب وزارة الداخلية بل خرج معهم سارتر و فوكو و دريدا و غيرهم من قامات الفكر و الفن ، فنجحت الأولى نجاحا أبهر العالم أما الثانية فلازالت محط اهتمام الصحف الجزائرية فقط و شلة من اللذين يهتمون بالوصول الى المناصب ، ذلك أن ضعف الثقافة السياسية الناجم عن انعدام التنشئة السياسية الراجع لضعف القاعدة الفكرية المكونة للعقل الجمعي و السياسي ، فان كان جيل الخمسينات و الستينات قد تكون على أيدي النخبة التي خرجت من رحم الثقافة الفرنسية ، فان الجيل المولود منذ السبعينات لغاية اليوم يعاني تيهانا فكريا و هوياتيا أثر بشكل خطير على نمط التفكير و لعل هذا ما يتجلى في رفع الآلاف لصور صحفي ثرثار صدع رؤوسنا بخطاباته التافهة و سياسي أحمق جنى على نفسه بسبب غباءه و اتكاله الزائد على مموليه فكان السجن مصير كليهما .

مشكلة الجزائري للمرة الألف انه حاله حال المصري ، ارتكز على الثورة التحريرية لتسويق صورته للخارج و تبيان عظمته ، رغم ان الاستقلال كان تحصيل حاصل للسياسة الدولية و تغيرات الواقع الدولي المفروض آنذاك ، و لكن بومدين راح يصور الجزائري على أنه البطل الأسطوري الذي قهر فرنسا ، و لكن نظرا لأنه و من معه لا علاقة لهم بالاقتصاد و السياسي ، فانهم لم يذكروا أنه 60 بالمئة من الجيش الفرنسي و معداته قد دمرت من قبل الألمان في البحر المتوسط كما أن أول قطع السلاح الذي بدأت به الثورة هو سلاح من بقايا الحرب العالمية الثانية ، فتصور الجزائري أنه فعلا شخص عظيم ينعدم مثيله ، حاله حال المصري الذي جعل منه عبد الناصر شخصا متغطرسا يظن أن مصر هي الوحيدة التي تمتلك حضارة و دولة قوية و هذا ما يتجلى حتى في كلام سياسيين و عسكر مصريين ذوي مقام عال على شاكلة بطرس غالي و سعد الدين الشاذلي و عمرو موسى ، و نفس الصفة تنطبق على الجزائري في كلامه ، و لعل خير مثال هو طريقة الحديث عن الثورة التي وقعت قبل سبعين سنة ولازال يعتمدها كمرجعية لسياسته و خطابه ، رغم أن ماو غير سياسة الصين بعد عشر سنوات ، كما غير دوغول سياسة فرنسا بعد شهرين من المظاهرات الثورية التي أجبرته على الهروب الى ألمانيا لأيام .

لم يسبق لي أن سمعت مليكة مقدم و قبلها آسيا جبار أو رشيد بوجدرة أو المسكيني في تونس و غليون السوري و السمان و حرب يتحدثون عن التوافه التي يناقشها المجتمع الجزائري بل و حتى من تعتبر نخبة مثقفة أو سياسية في الجزائر ، تلكم هي الكارثة العظمى ، انه الجهل المقدس و العبودية الطوعية و القابلية للاستحمار ، الثلاثية المكمدة التي أصيبت بها الجزائر و لم تستطع القضاء عليها رغم صدمة الحداثة ثم العولمة ، ذلك أن الجزائر لم تعرف مشكلتها الحقيقية الممثلة في عدم القدرة على بناء عقل جزائري يمكنه العمل على قيادة قاطرة التقدم و التمدن ، فبقي المجتمع بدويا رغم سكنه المدن و العقل رجعيا رغم لبس الدجينز و زيارة دول العالم و بقي النظام منغلقا لأنه نتاج ثقافة المجتمع و اذا لم يتغير كلاهما في الجيل القادم فلن يبقى لهذه البلاد أثر في ظل التغيرات المتسارعة هنا و هناك .

في الأخير ، يبقى التخبط هو السمة المميزة للسياسة الداخلية الجزائرية ، فبعد أن راهنت حكومات بوتفليقة المتعاقبة على سياسة شراء السلم الاجتماعي ، هاهي حكومة عبد العزيز جراد تراهن على الرقمنة و التكنولوجيا ، رغم أن سرعة الانترنت في الجزائر تعد من الأبطئ عالميا ، ان الجزائر دائما ما تختار المسالك الخاطئة و تسير بها نحو المجهول حتى تقع الصدمة ليتم تغيير المسلك ، ذلك أنه بدون اعادة بناء للساحة السياسية بكفاءات و برامج واقعية و لها أساس علمي لا يمكن الوصول الى جزائر نامية .

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

14 تعليقات

  1. سبق للدكتور أن علق دات مرة على مقال الكاتب و بالضبط في تاني أو تالت مقال له بعد وفاة المرحوم القاسمي الدي كان يوقع كتاباته تحت إسم فلاح جزائري .
    من جهة أخرى كوني من ” الأشقاء ” لا يعني أن الكاتب مجبر على تغيير قناعاته حتى ياخد صك الوطنية .
    الوطنية تعني مكاشفة الحقيقة وكم من كاتب هنا على شاكلته و هو ممن دعاهم الدكتور ” بالاشقاء” و نقرا لهم لكن بدون أن ننتقص منهم أو نتهمهم بشيء فداك من باب الحرية ، والاختلاف لا يفسد للود قضية.
    تحياتي الخالصة للدكتور عميمور

  2. أؤيد الكاتب في تعطيم الشعب تعظيما لا معنى له.. وأختلف معه بعد ذلك في بقية تحليله

  3. أعترف بأني كنت قاسيا في نقدي للكاتب الذي لم لأكن قرأت له شيئا في الماضي ، لكنني أكره أن يتحدث أي كاتب باستخفاف عن قضايا شعبه وممارسات مواطنيه، خصوصا خارج الوطن، كالمقدمة المتعالية التي عبر بها عن استهانته بما أنجزته الجزائر وتناول فيها ما يكتب في صحفنا قائلا (قرأت عنوان مقال في احدى الصحف الوطنية ” فخامة الشعب” ” الشعب السيد ” “بوحيرد مع الشعب ” (المقصود المجاهدة جميلة بو حيرد ، وهيَ ومن هيَ) ، و في الواقع ( يقول الكاتب) فان هذه العناوين الفكاهية المضحكة ، تصيب المرء بالغثيان حين يقرأها لعدة مبررات لاحق ذكرها “.
    و لكن قبل ذلك ( يقول المعلق باستخفاف واضح وبعيد عن الواقع) “وجب القول بأن الشعب الفرنسي عند ثورته لم يقل فخامة الشعب و حين أسقط المجريون هيمنة موسكو عليهم لم يمدحوا أنفسهم كما لم يمجد التونسيون ثورتهم رغم اسقاطهم لأعتى النظم العربية بوليسية ”
    ثم يصل الكاتب إلى القول بخفة لا متناهية ( الجزائر دائما ما تختار المسالك الخاطئة و تسير بها نحو المجهول حتى تقع الصدمة ليتم تغيير المسلك ) وصفة “دائما” هي إدانة مجانية متسرعة لمسيرة الجزائر مذ استرجاع الاستقلال.
    ويصل الكاتب إلى حضيض الشعور بنقص يتناقض مع انتمائه الجزائري ولا يمكن أن يحس به أبناء الرجال الذي حرروا الجزائر فتحررت بلدان وبلدان، وهو يقول : ” مشكلة الجزائري للمرة الألف انه حاله حال المصري ، ارتكز على الثورة التحريرية لتسويق صورته للخارج و تبيان عظمته ، رغم ان الاستقلال كان تحصيل حاصل للسياسة الدولية ( وهو قول يعتبر جريمة في حق التاريخ ) و تغيرات الواقع الدولي المفروض آنذاك ، و لكن بومدين راح يصور الجزائري على أنه البطل الأسطوري الذي قهر فرنسا ( وكأن الذي قهر فرنسا وأجبرها على التنازل عن ملكيتها المطلقة للجزائر كان …بابا نويل) ، و لكن ( يقول الكاتب ) نظرا لأنه و من معه لا علاقة لهم بالاقتصاد و السياسي ، فانهم لم يذكروا أنه 60 بالمئة من الجيش الفرنسي و معداته قد دمرت من قبل الألمان في البحر المتوسط كما أن أول قطع السلاح الذي بدأت به الثورة هو سلاح من بقايا الحرب العالمية الثانية (وهذا شرف للجزائري في أنه أطلق الثورة ببقايا أسلحة متهالكة) فتصور الجزائري أنه فعلا شخص عظيم ينعدم مثيله ” (والجزائري هنا مجد ثورته كما مجّد كل الثورات التي بذلتها شعوب الأمة العربية والفيتنام وناميبيا وغيرها)
    ويندفع الكاتب للحديث عن الثورة بما يبرر تعليقا غاضبا بتوقيع عبد الرحمن ، ولا يملك الجزائري إلا أن يغضب ، لا للأحكام المرسلة ولكن للجهل بحقائق التاريخ ، كالادعاء بالقول :” لعل خير مثال هو طريقة الحديث عن الثورة التي وقعت قبل سبعين سنة ولازال يعتمدها ( الجزائري) كمرجعية لسياسته و خطابه ، رغم أن ماو غير سياسة الصين بعد عشر سنوات ، كما غير دوغول سياسة فرنسا بعد شهرين من المظاهرات الثورية التي أجبرته على الهروب الى ألمانيا لأيام “.
    فهو ينسى هنا اعتزاز الفرنسيين متواصل بدوغول وبنابليون قبله رغم كل ما واجههاه، ويتجاهل أن صورة ماو تسي تونغ ما زالت معلقة في صدارة ميدان ” تي إن منه ”
    وليت الكاتب يُراجع نفسه ويتفهم سبب القسوة في التعامل معه، خصوصا عندما يُسجّل التهليل الذي قابل به بعض “الأشقاء” سطوره التي استهانت بجهد الرجال، وبحيث يقول معلق أعرف مواقفه جيدا (المقال يستحق أن يتم تدريسه في الأكاديمية. ) وهو ما لم أقرأه عن كتابات أخرى في هذه الجريدة لها مستواها المتميز

  4. ليس بالضرورة أن يعرف وزير الإعلام شخصا حتى يصير كاتبا ،
    ولكن عيب أن يتكلم وزير الإعلام على مواطن بطريقة إستعلاءية منتقصا من شخصه الكريم اولا فما بالك أن يكون كاتبا و أدبيا يحتاج الدعم والتشجيع .
    لقد مل الناس من الصوت الواحد و الكتابة الواحدة و النظرة الواحدة و ليعلم الدكتور أن متل هدا المنطق هو ما تسبب في العشرية السوداء و هو ما تسبب في الاحتباس الأخير وما لم يتم القطع معه سنظل نرى تلك الاحدات .

  5. الكتاب ليسوا فقط من يخرج من رحم السلطة ، بل من الشعب .
    عل على كل حال المقال يستحق أن يتم تدريسه في الأكاديمية.

  6. للمرة الأولى أعرف أن لدينا كاتبا بهذا الاسم ، ولا أملك إلا أن أطلب من العلي القدير أن يشفي كل مريض
    أما الذين ينكرون على شعبنا ما أنجزه فليتهم يقولون لنا ماذا أنجزوا هم وماذا أعطوا لوطن أعطاهم الكثير
    شاهت الوجوه وتبت الأيدي ولا قرت الأعين

  7. جزيل الشكر يا محمد علي القاسمي.. على المقال الشيق و صريح تحياتي

  8. اللهم يحفظ لسانك وقلمك يا عبد الرحمن أنت جزائري أصيل شكرا لك على الرد على ذيول فرنسا وأصحاب الفكر الماركسي الذي زال في بلده ويردون أحيائه في بلاد الإسلام تبا لهم

  9. شيئ خطير جدا و كانك تنادى الى ثورة عنيفة ، بينما الثورة هي التغيير بسلمية و سلاسة ، العنف لا ياتى الا بالدمار و هذا حرام في جميع الشرائع ، اتقي الله و اعرض عن هذا

  10. لقد كشفت بكل وضوح للأعمى قبل البصير ، أنك من عائلة القياد و الحركى ، الذين ما يزالون يحقدون على الجزائر وشعبها . شكرا جزيلا على فضح نفسك و على تعريتها ، وتزيينها بالتبرج الفاضح لأسيادك الذين تقيم عندهم . لا لوم عليك أيها العبد الذي يظن أن لا سيادة للإنسان إلا تحت أقدام فرنسا . فالجزائر لا يفهمها و لا يعرف قيمتها و عظمتها إلا الأصيل ابن الأصيل ، والشريف ابن الشريف والكريم ابن الكريم و العزيز ابن العزيز والشهم ابن الشهم و الأبي ابن الأبي . فما أنت إلا ورقة في مهب الريح ، { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227)}. الشعراء.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here