محمد علي القاسمي الحسني: أصنام و أوهام

محمد علي القاسمي الحسني

جلست في المقهى رفقة صديق نتجاذب أطراف الحديث ، كالعادة المقهى مزدحم و صاخب إلى حد لا يطاق ، ميزته الوحيدة هي أنه يجمع شخوصا لا يدخنون فالتدخين ممنوع ، تمام الساعة التاسعة و أربعين دقيقة بدأ بث حصة الشيخ فلان على إحدى القنوات الخاصة الجزائرية ، صمت الجميع و جلسوا منصتين باهتمام لكلامه العامي ، فتاوى لا فائدة منها من الناحية العلمية لكونها معروفة لدى من قرأ أبسط كتب الفقه ، لكن الجميع يحترم الشيخ ، أذكر أنني حضرت ذات يوم ملتقى بجامعة الجزائر فإذا بالمئات تصطف لالتقاط صورة معه كما حدث ذات الأمر مع إحدى الكاتبات في معرض الجزائر للكتاب ، هؤلاء اليوم هم النخبة البارزة في المجتمع ، شهرتهم تفوق شهرة عبد الله العروي و تركي الحمد و غيرهم من قامات الفكر ، فالجزائري أصبح اليوم غير مهتم بالفكر بل بمتابعة التفاهة المصدرة من قبل جهات معروفة تعمل في مخابرها على تجهيله و التلاعب بعقله كما أرادت ، لتبقى سحابتها طاغية على المناخ الفكري و السياسي .

الخطر الأكبر وراء هذه الشخوص التي سماها الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون الآلهة الكاذبة هو كونها تتلاعب بعقول الجماهير و تسففها إلى الحد الذي يجعل نقاشاتها و مواضيعها اليومية سخيفة و غير مجدية ولا نافعة للواقع المرير أو لمحاولة تغييره ، و هذا ما نجح فيه مسير سحابة الشمولية في الجزائر عبر خلق إعلام ينشر التفاهات و الحصص منحطة المستوى فضلا عن جعل بعض الشخوص الجاهلة علماء دين و خبراء سياسة و اقتصاد ، هؤلاء اليوم أصبحوا يشكلون مخيلة الناس و نمط تفكيرهم ، فقبل أشهر حضر ما يفوق العشرة آلاف شاب عيد ميلاد شاب مجهول القيمة ، ليقوم بعض الصحفيين بدعوته و جعله نجما ، العجيب أن جل الجزائريين تركوا كتب أركون و المسيح و برهان غليون و انهالوا على متابعة الأغاني الهابطة و الشخوص المجاهيل اللذين صنعوا لأنفسهم مكانة في مواقع التواصل الاجتماعي ، اليوم هؤلاء يسيرون بالمجتمع بخطى ثابتة نحو الوراء لحماية شهرتهم التي صنعوها فوق عقول تماثلهم .

تقول نظرية المؤامرة بأن هناك دولا تخطط لمحو دول أخرى من الخريطة السياسية أو للتحكم بها ، كذلك في الداخل هناك مخابر تخطط و تعمل بمختلف العلوم لصنع أصنام تنشر الأوهام وسط المجتمع ، هؤلاء يجب أن يكونوا دون مبادئ ولا أخلاق ، جهال ليس لهم مستوى علمي عال ولا إيديولوجية ثابتة بل يلهثون وراء الشهرة و المال ، هكذا صنعت الأصنام في الجزائر ، كل يوم يخرج مهرج جديد يشغل بال الجماهير ، في البداية كانوا في اليوتيوب ما يسمى اليوتيوبر اللذين شغلوا العقول تلاهم بعض المغنين و الآن السياسيون و الشباب اللذين ينشرون التعليقات و الخطابات المفرغة من المعنى ، جل هؤلاء يملئون الوقت الضائع للناس و يشغلون عقولهم بنكاتهم و تعليقاتهم ، فيتحول المجتمع من ثقافة القراءة و الكتابة الى ثقافة ملئ الوقت بالفيديوهات و الحصص المضحكة فتضيع حياته و وقته هباء ، و تصبح مخيلته لا تختلف عن مخيلة المجانين .

أخيرا ، فان المرحلة القادمة للجزائر ستكون صعبة و ضنكة على المجتمع و الثقافة ، ذلك أن خبث الذي يوجهه  صعب مواجهته في ظل تهريج النخبة و بزنستها بالثقافة ، فإذا كان العرب هم الإرهابيون الأقوى في العالم كما يدع الغرب ، فان هناك ارهابا فكريا موجها ضد الشعوب و إجراءات اقتصادية تفرض عليه لجعلها تواقة للتغيير العنيف ، و هكذا تغتصب أراضيهم أمام أعينهم و في غفلة منهم وسط تهليل تلك الأصنام التي اتخذوها آلهة .

كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. مقال ممتاز يرحم الله الوالد العزيز ،لقد اشتقنا لكتاباته المميزة ، ندعو له بالرحمة و الغفران

  2. أجــــــل : لــــــم يبــــــق ثــمة حيـــــــاء أن يــقــــــدم أي شــــخص نفـــسه للــمجتـمع أنه العالم المتبحـــــر صــاحب الفــكر الوقاد صــــاحب الفتوي والاجتـهاد ، أنتم ترون من نصبوا أنفسهم علماء أقوياء كلما تكلموا وعولوا علي الاستشهاد بحديث نبوي أو آيـــة قرآنية إلا وشد الانسان أنفاسه خوفا من بهدلة تسافر وتنتقل علي الهواء، يطلعني زميل قديم من زملائي الآعزاء وهو مدرس لغة فرنسية، يقول جاءه داعية أو علي الآحري سمـي نفسه داعية ، جاءه يطلب منه أن يمده بكلمات فرنسية كي يدخلها في خطبته وهو علي المنبر حتي يبهر الناس أنه البورفسور الأكاديمي فتقام له الدنيا ولا تقعد أهـــــلا سمعتم وانظروا وفكروا إن بقيت لنا عقول وأفكار، أن فئة أو شريحة كما يقول السياسيون تطالب الان أن تمنحها الدولة ـــ الهنـدام ـــ هــــندام خطبة المنابر شبيه بلباس الاحرام وهي شريعة جاء بها الآسلام ( كما قالوا) ومن وراء الهندام 10 مليون سنتيم شهريا في حق الإمام، لانخفي سرا ولا نقول جزافا من بين هؤلاء جلهم لاأقول كلهم اسأل عن مستوياتهم؟ اسأل عن شواهدهم لاتجد إلا السراب …. الله في عونك يامجتمع .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here