محمد علي ابراهيم: قراء في كتاب “المعارك الحربية على الجبهة المصرية”: بعد 47 عاما من اكتوبر 73 من كان علي حق السادات أم الشاذلي!

محمد علي ابراهيم

خصص اللواء أركان حرب متقاعد جمال حماد الفصل العاشر من كتابه «المعارك الحربية على الجبهة المصرية»، الصادر عن دار «الشروق» لقصة الخلاف الشهير بين الرئيس الراحل أنور السادات والفريق سعد الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة (16- مايو 1971- 12 ديسمبر 1973) خلال الأيام الأخيرة من حرب أكتوبرـ وهى مسألة ذائعة الصيت، ويدور بشأنها لغط كبير حتى اليوم.

ونؤكد ونحن نعرض لبعض تفاصيل هذا الخلاف –وفق ما أورده المؤلف- على أننا نكن الاحترام والتقدير لكلا الرجلين، لما قدماه للوطن من أعمال بطولية تجسدت في انتصار أكتوبر العظيم، وأن عرضنا لطبيعة الخلاف بين الرجلين بات جزء من تاريخ الوطن يتعين على أجيال المحروسة قاطبة أن تأخذ منه الدروس والعبر

يقول حماد عند تصديه لهذا الموضوع «كان للأزمة العنيفة التى نشبت بين الرئيس السادات والفريق الشاذلي في المرحلة الأخيرة من حرب أكتوبر، التي انتهت بإقالة الفريق الشاذلي من منصبه رسميًا كرئيس للأركان، مساء يوم 12 ديسمبر 1973، بعد حوالي ستة أسابيع من انتهاء العمليات الحربية وسريان وقف إطلاق النار، وقع بالغ الأثر سواء داخل مصر أو في الخارج، وزاد من حدة الموقف أن كلا من الرئيس السادات في كتابه «البحث عن الذات»، والفريق الشاذلي فى مذكراته عن حرب أكتوبر، قد وجه للآخر سيلا من الانتقادات اللاذعة والاتهامات الخطيرة بصورة لم يسبق لها مثيل، وهو الأمر الذى أثار ضجة كبرى وبلبلة شديدة في نفوس الناس، وجعلهم في حيرة بسبب هذا التراشق الحاد بالتهم بين رجلين يُعدان من أبرز الشخصيات التي أدت دورًا حيويًا في حرب أكتوبر».

ويضيف حماد: «استكمالاً لدراستنا المطولة والموضوعية عن حرب أكتوبر، رأينا أن نتصدى لبحث هذا الموضوع رغم ما قد يكون في ذلك من حساسية وحرج، إيمانًا منا بأن الحقائق ينبغي أن تتكشف أمام القراء بصراحة ووضوح، وأن التاريخ يجب أن يسجل بصدق وأمانة، مهما كلفنا ذلك من عنت وعناء».

ماذا قال السادات؟

وبدأ المؤلف ببعض ما قاله الرئيس السادات في هذه الأزمة، فنشر ما قاله الأخير في مذكراته «البحث عن الذات» عن ثغرة الدفرسوار، وكان نصه كالتالي: «في يوم 16 أكتوبر أرسلت رئيس الأركان الجنرال سعد الشاذلي للتعامل مع الثغرة، وكان ذلك من السهل جدًا التعامل معها في ذلك اليوم، فقد كان السباق فيها للزمن.. ولو أنه نفذ ما طلبته منه أنا والفريق أحمد إسماعيل، وفى التوقيت الذي حددته له فأحاط شاطئ البحيرة المرة بسد يسجنهم داخلها ويوقفهم في مكانهم لأصبح من السهل القضاء عليهم، وكان في إمكانه أن ينتهي من العملية كلها بعد وصوله بساعات، ولكنه أضاع الليلة بأكملها في جمع المعلومات وإنشاء قيادة ينافس بها غريمه الجنرال أحمد إسماعيل، وكانت قوات الصاعقة قد تقدمت إلى الدفرسوار ووصلت فعلا إلى نقطة النزول، واعترف الإسرائيليون بشراسة قتال قوات الصاعقة والقوات الخاصة.. ولكن الشاذلي أعطاهم الأمر بالانسحاب إلى أن يجمع المعلومات وكانت النتيجة أن توسع اليهود في الثغرة.

في يوم 19 أكتوبر، عاد الشاذلى منهارًا وقال لابد أن نسحب قواتنا في شرق القناة لأن الغرب مهدد، وكان هذا لو تم، هو ما يريده الإسرائيليون، فطلب مني أحمد إسماعيل في منتصف ليلة 19/20 أكتوبر أن أذهب إلى القيادة العامة حتى أتخذ قرارًا مهما بوصفي القائد الأعلى للقوات المسلحة، ذهبت إلى القيادة واستعرضت الموقف فوجدت أن لنا خمس فرق كاملة شرق القناة وعندنا 1200 دبابة فى الشرق أيضًا، أما في الغرب فعندنا فرقة مدرعة تواجه قوات إسرائيل وفى القاهرة فرقة يمكن سحبها، هذا غير قوات الحرس الجمهوري الخاص بي والذي أدخلته الحرب وقاتل قتالًا مجيدًا وعاد كاملاً بكامل دباباته.

بعدما اتضح الموقف لي جمعت القادة كلهم، وكان معي الفريق أحمد إسماعيل، القائد العام للقوات المسلحة، والفريق الجمسي، مدير العمليات، والفريق حسني مبارك (قائد القوات الجوية) والفريق محمد علي فهمي قائد سلاح الصواريخ، وكانوا جميعًا فى رأيي وهو أن ما يحدث شيء يدعو للقلق، فأعطيت الأمر الذي أعتبره أهم من قرار 6 أكتوبر بأن لا ينسحب جندي واحد أو بندقية واحدة ولا أي شيء على الإطلاق من شرق القناة، وأنه علينا أن نتعامل مع الغرب حسب الأوضاع الموجودة، ثم بدأت اتصل بنفسي مع قائد الفرقة المدرعة في الغرب، وكان يقودها ضابط اسمه (العميد عبد العزيز) قابيل وهو بطل من أبطال أكتوبر، وقلت له: ثبت الإسرائيليين ولا تجعلهم يتمكنون من التوسع وإياك أن تشتبك معهم إلى أن تصلك الإمدادات.

وفى هذه الليلة أعطيت تعليماتي لأحمد إسماعيل بعزل الشاذلي من رئاسة الأركان على أن لا يعلن هذا القرار على القوات حتى لا يحدث رد فعل عندنا أو عند الإسرائيليين، وفي نفس الليلة استدعيت الجمسي وعينته رئيسًا للأركان».

ماذا قال الشاذلي؟

بعد ذلك عرض حماد لمجمل ما قاله الشاذلي في مذكراته بشأن اتهامات السادات له كالتالي، والكلام للفريق الشاذلي «عدت إلى مركز القيادة مساء يوم 19 أكتوبر بعد أن قضيت حوالى 24 ساعة مع الجيش الثاني، كان من الواضح أن توزيع قواتنا لا يتمشى مطلقًا مع متطلبات المعركة. إن مسئولية كل قائد هو أن يحشد قواته وإمكاناته فى المعركة، لا أن يترك جزءًا من قواته يقاتل تحت ظروف سيئة بينما تقف باقى القوات موقف المتفرج واللامبالاة، لقد أصبحت خطة العدو واضحة وضوح الشمس. إنه يهدف إلى تطويق الجيش الثاني والجيش الثالث، إنه يقوم بتوسيع الثغرة فى منطقة الدفرسوار كل يوم، ويجب ألا ننتظر المعجزات من قواتنا التي تقاتل غرب القناة، إن لواء مظليًا مصريًا يخوض معركة مريرة (يقصد اللواء 182 مظلات) ضد فرقة مدرعة من لواءين مدرعين ولواء مظلي إسرائيلي، قد يستطيع المقاومة لمدة 3: 4 أيام أخرى، ولكن لا يمكن أن تستمر مقاومته إلى الأبد، كان جدول مقارنة القوات بيننا وبين العدو يصرخ بالانتقاد، إن نظرة واحدة من رجل مدني لا يفهم في الشئون العسكرية لكفيلة بأن تقنعه بأن هذا التوزيع خاطئ، وأنه إذا لم يتم إصلاحه فورًا فقد تحدث الكارثة، ومع ذلك فإنى لم أستطع أن أقنع لا وزير الحربية ولا الرئيس السادات بتعديل هذه الأوضاع، بحثت الموقف مع أحمد إسماعيل، وقلت له، إذا لم نعد توزيع قواتنا لمقابلة التهديد القائم، فقد تحدث كارثة فى خلال ثلاثة أيام أو أربعة، إن العدو يستطيع أن يدفع بفرقة مدرعة جديدة هذه الليلة إلى الغرب دون أن يكون هناك أى خطورة على موقعه فى الشرق، ليس هناك خطورة كبيرة من إمكان تطويق الجيش الثاني، نظرًا لوجود ترعة الإسماعيلية، واللواء 15 المدرع شمال الترعة، ووجود لواء المظلات الذي يمكنه أن يقاتل لمدة 3: 4 أيام أخرى، ولكن الخطورة الكبرى تقع في الجنوب بالنسبة للجيش الثالث، إن الأرض مناسبة لعمل المدرعات، وقد أصبح في إمكان العدو أن يستخدم قواته الجوية ضد قواتنا البرية اليوم، ولأول مرة منذ بدء القتال، إذا قام العدو بنقل فرقة مدرعة أخرى إلى الغرب، فسوف يصبح له فى القطاع الجنوبي غرب القناة فرقتان مدرعتان تدعمهما القوات الجوية مقابل فرقة مدرعة واحدة من جانبنا؛ ولهذا الموقف يجب أن نسحب 4 ألوية مدرعة من الشرق لمقابلة التهديد فى الغرب، فى خلال الأربع والعشرين ساعة التالية، ولن يؤثر ذلك في سلامة خطوطنا ومواقعنا في الشرق، وسوف يزيد من قدرتنا على مقابلة تهديد العدو لنا في الغرب.

وبعد أن فشلت فى إقناع الوزير بوجهة نظري، أفضيت لبعض مساعدي بأنه إذا لم نسحب جزءًا من قواتنا من الشرق إلى الغرب، فسوف تقع كارثة لا يعلم أبعادها إلا الله، وهنا اقترح على اللواء سعيد الماحي قائد المدفعية، أن أدعو الرئيس وأشرح الموقف، لم أتحمس أول الأمر لهذا الاقتراح، لأنى أعرف وجهة نظر الرئيس السادات منذ الخلاف الذى وقع بيني وبينه في غرفة العمليات يوم 16 أكتوبر، ولاعتقادى بأن أحمد إسماعيل وهو رجل عسكرى قبل أن يكون سياسيًا، ما كان ليقبل مثل هذا الموقف، لولا أنه تحت ضغط سياسي، وبعد أن فكرت قليلا، قررت أن استدعاء السادات وشرح الموقف أمامه، سوف يضعه أمام مسئوليته التاريخية وذهبت إلى أحمد إسماعيل فى غرفته وقلت له: إن الموقف خطير ويجب أن يحضر الرئيس للاستماع إلى وجهة نظر القادة، لم أخرج من عند الوزير إلا بعد أن وعدني بأنه سيتصل به فورًا، اتفقت مع الوزير على أن يحضر هذا اللقاء مع الرئيس كل من: أحمد إسماعيل، سعد الشاذلي، محمد علي فهمي، حسني مبارك، عبد الغني الجمسي، سعيد الماحي، فؤاد نصار.

وصل رئيس الجمهورية ومعه المهندس عبد الفتاح عبد الله وزير شئون رئاسة الجمهورية إلى مركز القيادة حوالى الساعة العاشرة والنصف مساء يوم 19 أكتوبر، وتوجه فورًا إلى غرفة أحمد إسماعيل، حيث بقى معه ما يقرب من ساعة، بينما كنت أنا مجتمعًا مع باقي الأعضاء فى غرفة المؤتمرات الملاصقة لغرفة العمليات، نتبادل وجهات النظر حول الموقف، وفى النهاية دخل علينا الرئيس ومعه أحمد إسماعيل وعبد الفتاح عبد الله، طلب الرئيس الكلمة من المجتمعين واحدًا بعد الآخر، وقد قام كل منهم بشرح موقف القوات بأمانة تامة، وبعد أن استمع إليهم جميعًا لم يطلب مني الكلمة، وعلق قائلا: لن نقوم بسحب أي جندي من الشرق. لم أتكلم ولم أعلق، غمزني المهندس عبد الفتاح عبد الله وهمس في أذني: قل شيئًا، ولكنى تجاهلت نصيحته، ماذا أتكلم وقد اتخذ الرئيس القرار ولا يريد أن يسمعني، إننى أريد أن أسحب 4 ألوية مدرعة من الشرق، وهو يعارض سحب جندي واحد، إنه لم يتخذ هذا القرار عن جهل بل عن معرفة تامة بالموقف، إنه لا يستطيع أن يدعي بعد ذلك بأنه كان يعتقد أن العدو لديه 7 دبابات فى الغرب، إنه يعرف الحقائق كلها، وهذا هو قراره.

يدعى السادات فى مذكراته بأنني عدت من الجبهة منهارًا يوم 19 أكتوبر، وأنني طالبت بسحب قواتنا في شرق القناة، لأن الغرب مهدد، ويؤسفني بأن أقول إن هذا كـذب رخيص، لقـد كنا تسعـة أشخاص مات واحد وما زال الثمانية الآخرون أحياء، وإنى أتحدى إذا كان أحد من هؤلاء الأحياء يستطيع أن يشهد بصدق ما يدعيه السادات، لقد طالبت حقًا بسحب جزء من قواتنا من الشرق إلى الغرب، وكانت مطالبتي بهذه العملية يوم 19 أكتوبر هى خامس محاولة لإنقاذ الموقف، إن شرف القوات المسلحة المصرية وتاريخها الرائع الذي كتبته بدمائها في أكتوبر 1973 يتطلبان منا أن نحدد من هو المسئول الحقيقي عن حدوث الثغرة، ولماذا لم تدمر في حينها؟ ومن هو المسئول الحقيقي عن حصار الجيش الثالث؟ إن حصار الجيش الثالث جريمة لا تغتفر، وإنى أتهم السادات بأنه هو المسئول الأول عنها، لقد رفض السادات وقف إطلاق النار عندما كنا فى موقف قوة، وطلب وقف إطلاق النار عندما أصبحنا فى موقف ضعف، لقد كان اقتراحي الخاص بسحب 4 ألوية مدرعة من الشرق ليلة 19/20 أكتوبر هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرف العسكري المصري، لقد فقدنا المبادرة نهائيًا بعد ذلك وحتى نهاية الحرب».

تحليل الخلاف

وبعد عرض وجهات نظر السادات والشاذلى قال حماد: «هكذا يتضح لنا من أقوال الرجلين أن كلا منهما يتهم الآخر بصراحة تامة بأن تصرفاته خلال الحرب تجعله هو المسئول الأول عن الثغرة، وما تمخضت عنه بعد ذلك من أحداث خطيرة أثرت تأثيرًا بالغًا في سير القتال ومجرى الحرب، سنقوم بتحليل ودراسة تلك الأقوال التى ذكرت ومناقشتها بطريقة علمية وموضوعية، لكي نصل في النهاية للحقيقة الكاملة التى يتطلع الجميع لمعرفتها».

ويضيف المؤلف: «قبل أن نمضي في بحث وتحليل العوامل التي تسببت في الأزمة العنيفة التى نشبت بين الرئيس الراحل السادات والفريق سعد الشاذلي في المرحلة الأخيرة من حرب أكتوبر، يهمنا أن نسجل أن أحد العوامل الرئيسية في نشوب هذه الأزمة وتصعيدها يرجع إلى العلاقة الشخصية السيئة بين الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر والفريق سعد الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقتئذ، قد أثرت بلا جدال فى جو العمل فى مركز العمليات، ولم تكن قط فى مصلحة القوات المسلحة، إذ كيف يمكن أن تسير الأمور سيرًا طبيعيًا في مقر القيادة العامة، في الوقت الذي يوجد فيه هذا الانشقاق الخطير بين القائدين اللذين يتوليان أخطر منصبين في الحرب، وهما القائد العام ورئيس الأركان؟ ومن تتبع سلسلة المصادمات التى وقعت بين أحمد إسماعيل والشاذلي خاصة في المرحلة الأخيرة من الحرب، نجد أنها قد انعكست بدرجة مؤثرة على العلاقات بين الرئيس الراحل السادات والفريق سعد الشاذلي، فكلما وقع خلاف حاد في الرأي بين القائد العام ورئيس الأركان بشأن إدارة الحرب، كان السادات لا يلبث عند استدعائه للحضور، أن ينحاز في الحال إلى رأي القائد العام، وأن يهاجم في حدة وعنف رأي رئيس الأركان، حتى اعتقد الشاذلى في النهاية كما أوضح فى مذكراته أن آراء أحمد إسماعيل التي كان يتمسك بها، والتى كانت تتسبب فى إثارة أوجه الخلاف بينهما، لم تكن فى واقع الأمر سوى آراء السادات نفسه.

وليس هناك من شك فى أن أحمد إسماعيل كان شديد الولاء والإخلاص للسادات، ولا يمكن أن يفكر فى معارضته أو الوقوف فى وجه آرائه، فقد كان السادات هو صاحب الفضل الأول عليه بعد أن أطاح به عبدالناصر وأحاله على التقاعد فى 10 سبتمبر عام 1970 على أثر الإغارة البرمائية الإسرائيلية على الزعفرانة على خليج السويس، ومن الواضح أن أحمد إسماعيل كان ينتهج خلال الحرب الأسلوب الذى يتمشى مع سياسة السادات، وأن الرجلين كانا على اتفاق تام بشأن الطريقة التى تدار بها الحرب، وكانا شريكين فى جميع القرارات الحيوية التى تم اتخاذها فى أثناء المراحل المختلفة للحرب، ولهذا السبب كان أحمد إسماعيل لا يتزحزح عن موقفه حتى عندما يواجه بمعارضة شديدة من القادة لأى قرار من قراراته، مهما كانت درجة وجاهة رأيهم أو قوة حجتهم، كما جرى مثلا عندما تم اتخاذ القرار بشأن تطوير الهجوم فى اتجاه المضايق يوم 14 أكتوبر، فعندما أبدى الفريق الشاذلى واللواء سعد مأمون قائد الجيش الثانى واللواء عبدالمنعم واصل قائد الجيش الثالث معارضتهم الشديدة لهذا القرار، وأوضحوا عواقبه الضارة الخطيرة، لم يستطع أحمد إسماعيل إقناعهم بضرورة تنفيذه، إلا بعد أن صرح لهم بأن هذا القرار هو قرار سياسى يهدف إلى تخفيف الضغط عن سوريا، ولذا ينبغى الالتزام به دون نقاش أو جدال».

ويحلل المؤلف ما قاله الرجلان، فيقول: «من الواضح أن السادات كان حريصا على أن يسجل فى كل أحاديثه الصحفية التى نشرت، وفى مذكراته التى صدرت، أنه قد أرسل الشاذلى إلى الإسماعيلية يوم 16 أكتوبر، ولهذا التاريخ أهمية كبرى، فهو أول يوم تتمركز فيه القوة الإسرائيلية فى منطقة الدفرسوار غرب القناة، بعد أن تم لها العبور من الشرق إلى الغرب ليلة 15/16 أكتوبر، وبصرف النظر عن شهادات القادة وسجلات الحرب التى تثبت كلها أن الشاذلى لم يغادر القاهرة إلى الإسماعيلية يوم 16 أكتوبر، فإن الأمر الذى نستطيع أن نؤكده، هو أن السادات نفسه كان يعلم علم اليقين أن الشاذلى كان موجودا فى هذا اليوم، بمقر القيادة العامة بالقاهرة، ليس فقط لأن الرئيس قد زار مركز القيادة فى مساء يوم 16 أكتوبر، والتقى بالطبع مع الفريق الشاذلى، بل أيضا لأن صداما عنيفا قد وقع بينهما فى تلك الليلة فى غرفة العمليات شهده عدد من القادة وضباط العمليات، ولذا فإن إصرار السادات على أنه أرسل الشاذلى للتعامل مع الثغرة يوم 16 أكتوبر رغم علمه بالحقيقة ليس له سوى معنى واحد؛ هو أنه أراد تحميل الشاذلى مسئولية توسيع الإسرائيليين للثغرة، وكذا مسئولية الفشل فى تصفيتها رغم سهولة هذه العملية فى ذلك التوقيت».

ويمضى حماد قائلا: «بعد أن ثبت لنا بالدليل القاطع أن الفريق الشاذلى قد وصل إلى مقر قيادة الجيش الثانى بالإسماعيلية فى الساعة الخامسة مساء يوم 18 أكتوبر وليس يوم 16 يصبح ما زعمه السادات من أنه كان فى إمكانه أن ينتهى من العملية كلها بعد وصوله بساعات ضربا من الخيال، إذ إن الوضع العسكرى فى قطاع الجيش الثانى جنوب ترعة الإسماعيلية فى التوقيت الذى وصل فيه الشاذلى إلى قيادة هذا الجيش بالإسماعيلية لم يكن يتيح الفرصة لأى قائد عسكرى مهما بلغت درجة براعته وعبقريته، أن ينتهى من عملية تصفية الثغرة بعد وصوله بساعات، بل ولا بعد ذلك بعدة أيام، فقد أصبح وضع القوات الإسرائيلية غرب القناة مساء يوم 18 أكتوبر على درجة عالية من القوة».

ويمضى حماد قائلا: «ورد ضمن أقوال السادات أن الشاذلى أضاع ليلة وصوله بأكملها فى جمع المعلومات، وإنشاء قيادة له ينافس بها قيادة غريمه الجنرال إسماعيل، ولا شك فى أننا نستبعد أن الشاذلى أو أى قائد آخر لديه الكفاءة لقيادة جيش ميدانى يضيع ليلة بأكملها فى جمع معلومات، إذ إن هذه العملية لا يمكن أن تستغرق أكثر من ساعتين على أكثر تقدير، ولها أسلوب أكاديمى مدروس يعرفه القادة على مختلف المستويات، ولم يكن الشاذلى بحكم منصبه كرئيس للأركان يحتاج لزمن يذكر، لكى يعرف حقيقة الموقف وأوضاع قوات العدو وقواتنا فى قطاع الجيش الثانى، فقد كان على دراية كبيرة بحقيقة الموقف والأوضاع العسكرية على مستوى الجبهة بأكملها، بحكم كونه رئيس الأركان والرجل الثانى فى مركز العمليات.

أما القول بأنه أنشأ بعد وصوله إلى الإسماعيلية قيادة له، فهذا بلا شك أمر يدعو إلى العجب الشديد، إذ إنه من الثابت أن الشاذلى قد حضر إلى الإسماعيلية بعربة جيب عسكرية، ولم يكن برفقته سوى سكرتيره العسكرى المقدم مظهر عيسى، وسائق سيارته وجندى حراسة من الشرطة العسكرية، ولم يمكث بالإسماعيلية إلا 44 ساعة على وجه التحديد، فكيف ومتى استطاع إنشاء مركز القيادة الجديد؟ وكيف يتيسر له أن يقيم مركزا للقيادة ينافس به مركز القيادة بالقاهرة، الذى سخرت لإنشائه أفضل إمكانات القوات المسلحة (…) إن هذا الزعم بالطبع ليس له أساس من الصحة، ومن الثابت أن الشاذلى بعد وصوله اتخذ مكانه فى ملجأ القيادة تحت الأرض، بجوار اللواء عبدالمنعم خليل قائد الجيش الثانى، وأخذ يمارس مسئوليات القيادة بدلا منه مستعينا بنفس معاونيه وأجهزة قيادته، مستخدما نفس وسائل اتصالاته السلكية اللاسلكية، ولم يبارح مركز القيادة المتقدم للجيش الثانى إلا عندما توجه إلى القاهرة.

ويواصل حماد فى موضع آخر قوله: «إن أقوال السادات بشأن معركة الصاعقة فى الدفرسوار، ليست سوى ادعاءات لا سند لها من الواقع، ولا يقصد منها سوى تحميل سعد الشاذلى وحده مسئولية ما جرى من أخطاء فى التعامل مع الثغرة، إذ إن معركة قوات الصاعقة مع العدو كانت قد انتهت قبل أن يصل الشاذلى إلى الإسماعيلية».

ويفرد المؤلف مساحة واسعة لمناقشة اقتراح الشاذلى بسحب4 ألوية مدرعة من الشرق للغرب للقضاء على الثغرة، يقول فى نهايتها «يمكننا أن نقرر عن ثقة وإيمان ــ على ضوء الحقائق التى عرفناها عن الموقف ــ أن اقتراح الشاذلى وإن كان سليما من الناحية التكتيكية فإنه لم يكن من المتيسر تنفيذه من الناحية الواقعية».

.

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. بـبساطه وبعيدا عن العلوم العسكريه, كان سعد الدين الشاذلي يقاتل كمحترف يؤدي واجبه المهني الذي تدرب عليه وأخذ مكانه الوظيفي لأجله دون أجندات سياسيه يقاتل لاجل النصر وهذا واجب كل عسكري على وجه الارض بينما كان أنور السادات وهو مغموس بالسياسه الى قمة رأسه يريدها حرب تحريك وليست حرب نصر او تحرير وهذا ما اثبتته الايام والسنون اللاحقه.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here