محمد علوش: التأكيد على ثوابت وجذور القضية الفلسطينية واجب كل الوطنيين والديمقراطيين في مئوية إميل توما

محمد علوش

لكل شعب الحق في أن يحتفي بعظمائه ومناضليه الأوائل ، الذين جسدوا أروع ملاحم البطولة الفردية والبطولة الجماعية لشعب عظيم له سيرته وله تاريخه وله آدابه وتراثه الوطني والحضاري ، ويحق لشعب فلسطين أن يفخر ببطل من أبطاله التاريخيين .. أن يفتخر بمنجزات وإسهامات المناضل الكبير الراحل د. إميل توما .

من عظمة الكاتب والمؤرخ والمناضل الوطني والتقدمي إميل توما وتميزه ، أنه تمكن منذ مطلع شبابه ، بحسه الثوري وثقافته الشاملة التقاط الواقع بأعقد صوره وتطويعه وتشريحه وتحليله وعرضه على عامة الشعب مرفقاً بالتوجيه الصحيح ، وتحويله إلى برنامج كفاحي واضح المعالم والأهداف ، تفهمه جماهير العمال والفلاحين وعامة الشعب ، ويدغدغ آمالها ويحفزها على النضال لتحقيق تطلعاتها وطموحاتها التحررية.

ليس النضال نيابة عن الناس ، بل تسييس الناس واستنهاض وعيهم ، وتوعية الطبقات الشعبية ، ومدها بالأمل بالغد المشرق ، وتعبئتها للنهوض للنضال كما يليق بقائد ثوري ، نذر حياته للنضال .

لم يكن الدكتور إميل توما مناضلاً ثورياً فقط ، بل كان مفكراً ومؤرخاً للقضية الفلسطينية أيضاً ، وحظي باحترام وتقدير عال على الصعيد العربي والدولي ، لما اتسمت به أطروحاته وأفكاره من بعد أممي وإنساني مناهض للتعصب القومي.

ولد إميل توما في حيفا عام 1919 ، وتعتبر عائلته واحدة من العائلات الحيفاوية الغنية ، إلا انه اختار الانضمام إلى قطاعات العمال والفلاحين ، ودرس في ” مدرسة المطران ”  في القدس ، ثم سافر إلى بريطانيا للالتحاق بجامعة كمبردج ، إلا أن الحظ لم يحالفه لمواصلة تطلعه الأكاديمي ، بسبب تواجده في حيفا أثناء اندلاع الحرب العالمية الثانية ، فالتحق عام 1965 بمعهد الاستشراق في موسكو لينال شهادة الدكتورة في  العام 1968.

انضم إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1939، بعد عودته من لبنان ، حيث كان اعتقلته سلطات الانتداب الفرنسي في معسكر بعلبك لثلاثة أشهر.

ويُعد إميل توما واحد من عمالقة الفكر الوطني الفلسطيني الماركسيين ، وواحد ممن كرّسوا وقتهم وحياتهم لقيادة نضال الشعب الفلسطيني في الداخل وللتأريخ للقضية الفلسطينية ولمسيرة التحرر العربي عبر نهج يتجاوز بشموليته جميع المجالات التي سبقته ، ففي عام 1944 ترأس تحرير جريدة   “الاتحاد ” الحيفاوية الناطقة بلسان حال العمال العرب في فلسطين ، وكان يتطلع ، ورفاقه أمثال أميل حبيبي لكي تكون جريدة ” الاتحاد ” منبراً تعبوياً مهماً من أجل استقلال فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة ، وأسس، وعدد من رفاقه اتحاد نقابات وجمعيات العمال العرب ، ولعب دورا أساسيا في تأسيس “عصبة التحرر الوطني ” ، وكان سكرتيراً عاماً لها.

عمل إميل توما ورفاقه في ” عصبة التحرر الوطني ” من أجل ديمقراطية الحركة الوطنية ووحدتها واستقلاليتها ، على أن تكون عصبة التحرر صانعة للقرار السياسي بكل ما يتعلق بالشعب الفلسطيني ، وأصدرت العصبة قراراً يقضي بإقامة جبهة عربية عليا لتكون قائداً للشعب الفلسطيني ، حيث نجح في إقامة ” الجبهة العربية العليا ” ، والتي شملت ” عصبة التحرر الوطني ” و” مؤتمر العمال العرب ” وأحزاب ” الاستقلال ”  و” الدفاع ” و” الكتلة الوطنية ” و” مؤتمر الشباب” .

تميز إميل توما بإنسانيته الصادقة العميقة ، وتجلت في شخصيته وحدة النظرية والممارسة الثورية ، وكان متمسكًا بصلابة بالفكر الأيديولوجي الماركسي – اللينيني ، الذي في صلبه مصلحة الإنسان واحترامه ، وكان في تعامله مع الآخرين يطبق هذه الإنسانية الثورية .

لم يكن إميل توما مناضلا فحسب ، إنما مفكراً ومؤرخا ، حيث كتبت مجلة  “فلسطين الثورة”  في افتتاحيتها في العدد الذي صدر بتاريخ 31/8/1985 ، ” إن إميل توما لم يراقب التاريخ ويسجله من موقع محايد ، إنما شارك في صنع التاريخ ثم سجله من موقع الملتزم ” ، حيث لم تكن مؤلفاته مجرد سرد وقائع تاريخية ، بل كانت تمثل تحليلاً عميقاً ونقداً مبدئياً وموضوعياً ورؤية شاملة مع قدرة عالية على استخلاص العبر والنتائج.

واحتل إميل توما مكانا بارزا في الحركة الوطنية الفلسطينية وعمل مع رفاقه في عصبة التحرر الوطني على تدعيم التيار الوطني الديمقراطي في الحركة الوطنية الفلسطينية وخاصة بين المثقفين والطبقة العاملة ، وشارك مندوباً عن عصبة التحرر الوطني في مؤتمر الأحزاب الشيوعية في بلدان الإمبراطورية البريطانية في عام 1947 في لندن.

قدم إميل توما الكثير ، من خلال مساهماته كمفكر وكقائد شعبي مدافع عن الهوية الفلسطينية وأهمية التمسك بها ، كما قدم الكثير في مجال الدفاع عن الثقافة العربية في مرحلة حاولت فيه سلطة الاحتلال وأبواقها طمس الهوية العربية ونشر الثقافة العدمية القومية.

وفي ظل هذا السجل الحافل في سيرة ومسيرة المناضل الراحل إميل توما والذي نحيي هذه الأيام الذكرى المئوية الأولى لميلاده ، محمولاً بكل هذه المحبة وهذا الوفاء من شعب بأكمله ، بل من الإنسانية جمعاء بما أسهم به طيلة حياته ، مناضلاً وكاتباً وباحثاً ومؤرخاً ، بحث دائماً عن الحقيقة وعن جذور القضية الفلسطينية كما حمل اسم احد كتبه المهمة والملهمة للحركة الوطنية الفلسطينية ككل .

ولا بد من التأكيد في سياق هذه المراجعة ونحن نحتفي بتاريخ هذا المناضل العنيد ، أن نجدد التأكيد على الثوابت والمنطلقات التي صاغها في أحلك الطرف لتشكل دليل عملي لنا في مسيرة نضال شعبنا نحو الخلاص من الاحتلال وتحقيق الحرية الناجزة وتجسيد الاستقلال الوطني في ظل دولة مدنية ديمقراطية تصان فيها الحقوق والحريات وتقوم على أسس الحرية والعدالة الاجتماعي وذات طابع تقدمي ومنهجية ديمقراطية سليمة .

لروحك السلام أيها الباقي في حيفا وفي ذاكرة الشعب الفلسطيني وفي ضمير الإنسانية .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here