محمد عبدالرحمن عريف: من صراع على وجود إلى نزاع على حدود.. مذكرات نبيل العربى

محمد عبدالرحمن عريف

   هو نبيل عبد الله العربي، مواليد (15 مارس 1935)، أمين عام جامعة الدول العربية خلال الفترة (15 مايو 2011 – 30 يونيو 2016) ووزير خارجية جمهورية مصر العربية خلال الفترة (7 مارس 2011 – 15 مايو 2011) في وزارة عصام شرف. تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على ماجستير في القانون الدولي، ثم على الدكتوراه في العلوم القضائية من مدرسة الحقوق بجامعة نيويورك.

   في تجاربه عن حياته الدبلوماسية العملية لمدة تزيد على نصف قرن.. (يقدم) فصولًا حية تنطق بالحقيقة عن حدث مر عليه، فلم يكن شاهد عيان فقط، وإنما أيضًا مشارك فعال في سياسة مصر الخارجية، هكذا قدمت لطيفة محمد سالم، مقرر اللجنة العلمية لمركز الدراسات التاريخية، لكتاب نبيل العربي المعنون «طابا.. كامب ديفيد.. والجدار العازل ــ صراع الدبلوماسية من مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية».

   الكتاب هو بالأحرى إطلالة على بعض من فصول ملحمة الصراع العربي الإسرائيلي، يرويها العربي كما خبرها في عوالم السياسة -متجولًا بين عواصم الشرق الأوسط ونيويورك مقر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وجنيف مقر مؤتمر نزع السلاح والمجلس الدولى لحقوق الإنسان ومتحاورًا، أحيانًا بالاتفاق وأحيانًا أيضًا بشجاعة بل وربما جسارة الاختلاف، مع القيادات السياسية التي اختارت وقررت.

   العربى إذن يقدم لنا ما يزيد على 300 صفحة خطها بعناية تجمع بين التحليل السياسي لدبلوماسي ترأس وفد مصر في كل من جنيف ونيويورك، وروح الانصاف لقاضي تقلد أرفع المناصب الدولية ودارس القانون الذي يعرف بدقة المدى الذي يمكن أن يذهب إليه والحدود التي يقتضي عليه أن يتوقف عندها. ويعلم كل من اتاحت له الفرصة أن يتحدث مع زملاء العربى أن ما اختار حجبه ــ ربما لحين وربما للأبد ــ هو أكثر بكثير مما أفصح عنه.

   العربي (كما تقول سالم) يتحدث عن قضايا مصيرية بـ«تحفظه الذى يقف حجر عثرة» أمام المزيد من البوح.. فهناك، كما تضيف سالم «المسموح به وهناك غير المسموح». وكما يقرر العربي نفسه في أولى صفحات كتابه الجامع بين التدوين والتحليل والاستشراف لم يرد تضييع أمانات أوكلت له حكم عمله الدبلوماسي ــ وبعضها «أمور قد يفسرها البعض على أنها تتعلق بالأمن القومي المصري ولا يصح نشرها» ــ أو تلك التي خبرها حكم عمله القضائي. بل إن العربي يقول إنه تحسب كثيرًا كتابة بعض ما لديه لأنه أبدًا لا يريد إفشاء أسرار أؤتمن عليها ولكنه بالتأكيد ــ كما القاضي وأيضًا كما الدبلوماسى ــ يريد أن يضع الأمور في نصابها بحيث لا يأتي السرد ممتعًا إلى حين الانتهاء من آخر صفحات الكتاب وحسب، ولكن ليكون في السرد ما يدعو للتأمل والتفكير وربما إعادة التقييم.

    العربى أضاف إلى ما كتب أكثر من مائة صفحة من وثائق وأوراق لتمحيص ما طرح في صفحات «طابا.. كامب ديفيد.. والجدار العازل ــ صراع الدبلوماسية من مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية» التي تحكي لنا ما كان يدور على المسرح ووراء الكواليس بأسلوب سهل وسلس وممتع، يجعلنا نعيش معه في كل المواقع التي ذهب إليها والتي أتت إليه في سنوات التحامه الطويل بالصراع العربي ــ الإسرائيلي، وهي السنوات التي اختار فيها دومًا وبلا تردد أو حساب لمكسب وخسارة شخصية أن يكون فاعلًا ولا يكون مجرد مشاهد حسب أول دروس الدبلوماسية التي تلقاها في روما محطته الأولى في العمل الدبلوماسي وناصية أول لقاء جمعه مع شريكة حياته نادية علوي تيمور المهندسة المصرية الشابة التي وافقت في نادى هيلوبوليس بمصر الجديدة أن تذهب مع العربي في طريقه، لتؤازره وتشاركه صناعة النجاح وتكوين أسرة.

   نشأ العربى في ضاحية مصر الجديدة ــ واحدة من ركائز الطبقة المتوسطة التي يتمتع ابناؤها بيسر اقتصادي يفقونه دومًا بتعلم يليه تعلم ــ لأب كان أستاذ القانون العام في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول وقتئذ (القاهرة الآن). الدكتور محمد عبدالله العربى (بك) صاحب الجذور الصعيدية ودرجة أكسفورد الجامعية، كانت لديه مكتبة قانونية وأدبية وتاريخية واقتصادية وثقافية ضخمة، نهل منها العربي بينما كان يدرس ويتقن تعلم اللغات الاجنبية وتذوق الثقافة بمختلف روافدها، فيكون له من الادراك أن يقرأ وهو بعد في الثانية عشرة «بإعجاب شديد بيان النقراشي باشا في مجلس الأمن عام 1947» في إطار محاولات مصر الحصول على جلاء الانجليز.

    ربما كان ذلك هو الفأل بعينه، فالعربي سيذهب إلى مجلس الأمن بعد ثلاثة عقود بحثًا عن جلاء إسرائيلي اغتصب بعدوان السلاح وتواطؤ السياسة وتراجع القيادة ــ كما يقول العربي بالتلميح أكثر من التصريح ــ أراضي مصرية وأخرى عربية، جلها فلسطينية. ولكن تصدي العربي للاحتلال ورغبته في مقاومته بكل ما أوتي من قوة لم تبدأ مع ذهاب العربي للانضمام لبعثة مصر الدائمة لدى مقر الأمم المتحدة بنيويورك عام 1966 قبل أقل من عام من وقوع الهزيمة العسكرية المرة في يونيو 1967، فالعربي كان عضوًا نشطًا في مظاهرات ونشاطات سياسية ــ حاول ولكن الظروف حالت أن تكون أيضًا مسلحة ــ ضد الاحتلال في سنوات الأربعينيات والخمسينيات في وقت «كان الشباب فيه يشعر بانتماء للوطن واهتمام حقيقى بالشأن العام».

   تتيح صفحات «طابا.. كامب ديفيد.. والجدار العازل ــ صراع الدبلوماسية من مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية»، لمن يقرأها أن يعلم أن العربي حصل على لقب سفير وهو بعد في الـ41 من عمره إنه كان مشاركًا، في الأغلب بصورة مباشرة، في متوالية الصراع العربي ــ الإسرائيلي سواء من خلال عمله في بعثات مصر الدبلوماسية أو من خلال عمله بديوان وزارة الخارجية حيث كثيرًا ما كانت مسئولياته مرتبطة بعمل بعض من أبرز وزراء الخارجية المصريين: محمود رياض، مراد غالب، محمد حسن الزيات، إسماعيل فهمى.

   عندما تقاعد العربى من عمله فى وزارة الخارجية عام 1999، عمل كشريك في مكتب الدكتور زكى هاشم للمحاماة والاستشارات القانونية، ثم انتخب قاضيًا في محكمة العدل الدولية في أكتوبر 2001 ليتركها في 2006 دون أن يترك العديد من المناصب الرفيعة التالية في الممارسة القانونية ودون أن يكف على الانشغال بالشأن السياسي، خاصة ما تعلق منه بملف الصراع العربي ــ الإسرائيلي.

 «من النكسة إلى ارهاصات كامب ديفيد»

    هكذا يمكن أن يكون إيجاز السياق الذي يروي فيه العربي الفصول الأربعة الأولى من كتابه الواقع في عشرة فصول. الفصول الستة الباقية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة اجزاء: «التفاوض من اجل انهاء الاحتلال الواقع في 1967، «أوراق طابا»، «15 عامًا بين نيويورك ولاهاى». وفي كل ما يرويه يفصل العربي بين الشخصي حيث يسمح لنفسه بقدر من الحرية المأطرة بتحسب المتواضع في الحديث عن دراسته الدولية للقانون واستزادته من العلم وبين المهني حيث يلتزم حدود القانون والمصطلحات المتفق عليها دوليًا فهو لا يتحدث كثيرًا عن النكسة وإنما عن حرب 1967، كما أنه لا يتحدث عن العدو الإسرائيلي وإنما عن إسرائيل، دولة الاحتلال، وأيضًا هو ملتزم بتعبير النزاع العربي الإسرائيلي ولا يطلق العنان لاستخدام تعبير الصراع العربي الإسرائيلي ــ دون أن ينال ذلك من حق أصبح مشروعًا له بالتقاعد في الاعراب عن وطنية صادقة، غيورة وأيضًا حزينة أحيانًا.

 1967: الحرب التي قلبت موازين القوى في الشرق الأوسط

    «إن السمة الغالبة للنزاع العربي ــ الإسرائيلي كانت قبل الحرب (في 1967) إنه نزاع على وجود ولكن بعد الحرب وبعد صدور قرار مجلس الأمن رقم 242 (1967) أصبح نزاعًا على حدود»، حسبما يقرر العربي في بدايات الفصل الأول لكتابه ليوضح وجهة نظره بأن تلك الحرب كانت فاصلة في تطور الصراع العربي الإسرائيلي الذي بدأ في 1947 واستمر التعامل مع جميع أبعاده الرئيسية في إطار الأمم المتحدة لثلاثة عقود قبل أن ينتقل إلى أيدي الوسيط الأمريكي ــ مع الاتحاد السوفييتي إلى حين ــ وذلك بموجب ما أتى به القرار 242 الذي طالب الطرفين العربي والإسرائيلي بالدخول في مفاوضات لتنفيذ جميع بنود القرار «تحت إشراف مناسب». ولكن العربي، وليضع الأمور في سياقها، يعود قليلًا للوراء ليتحدث عن تجربة حرب 1956 ــ العدوان الثلاثي ــ فيشير إلى «فشل مجلس الأمن في اتخاذ أي قرار (حول العدوان) إثر تآمر بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل على مصر بدعوى حماية قناة السويس ثم استخدام بريطانيا وفرنسا الفيتو ضد القرار العربي الذي قدم لوقف العدوان والمطالبة بالانسحاب»، وما تبع ذلك من «تقدم الولايات المتحدة بطلب عاجل إلى السكرتير العام لعقد اجتماع للجمعية العامة طبقًا لقرار الاتحاد من أجل السلام، تم اتخاذ قرار بالتوقف الفوري للقتال وانسحاب القوات المعتدية من الأراضي المصرية إلى خطوط الهدنة».

    قبلت مصر إذن أن تتواجد داخل أراضيها، كما يتذكر العربي، قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة التي انشئت بموجب القرار 1000 الصادر في نوفمبر 1956، ولكن إسرائيل تملصت ــ كما ستستمر لعقود وعقود ــ من التزاماتها حسب نفس القرار الذي كان يقضي بأن تكون المراقبة على جانبي الحدود.

   في حديثه القصير عن حرب 1956 والحديث الاطول عن حرب 1967 يأسف العربي، كما يقول لأشياء من بينها أن تلك المعضلات العسكرية أسيء استغلالها من بعض العواصم العربية لتوجيه أسهم النقد والاتهام لمصر ونظام جمال عبدالناصر ــ الذي لا يبالغ العربي في نقده ولا يذهب إلى إعفائه من كل الاخطاء. كما وأنه يأسف لتخبط عملية المتابعة واتخاذ القرار والاستفادة من خبرة المستشارين ــ خاصة في ملابسات حرب 1967 وما تلاها من تعامل مع تبعات الاحتلال ثم التفاوض من أجل انهائه.

بداية أزمة 1967 والدور الأممي في تفاقمها

   يذكر العربي بما لا يذكر به كثيرًا في وجه الرواية الإسرائيلية المتغلغلة إلى الاعلام الغربي ــ بل والعربي أحيانًا ــ من أن طلب مصر «حسب وثائق الأمم المتحدة الرسمية» في عام 1967 ــ وبعد كثير وكثير من الاستفزازات الإسرائيلية ــ «الذي أبلغه ضابط الاتصال المصري العميد عز الدين مختار إلى الجنرال إندار ريكي قائد قوات الطورائ الدولية لم يطلب في البداية سحب جميع القوات الدولية بصفة نهائية لأن الطلب كان مجرد إبعاد قوات الطوارئ الدولية عن منطقة الحدود بين مصر وإسرائيل، ولن يتعرض الطلب إطلاقًا إلى القوات الموجودة في غزة أو إلى تواجد قوات الطوارئ شرم الشيخ».

   العربى أيضًا يلوم السكرتير العام للأمم المتحدة عندئذ على أنه بعث برسالة إلى الرئيس جمال عبدالناصر يقول له فيها «إما أن تسحب القوات كلها أو أن تبقيها كلها»، بدلًا من أن يفعل كما فعل سابقه في أزمة 1956 بأن يأتي للقاهرة للتفاوض على مخرج من الأزمة الناشئة بالأساس عن الاستفزازات الإسرائيلية. «بدلًا من هذه الرسالة كان يمكن لأوثانت (السكرتير العام للأمم المتحدة في ذلك الوقت) أن يبلغ الرئيس عبدالناصر أنه سوف يأتي للقاهرة لمقابلته وبحث الموضوع معه.. ولماذا لم يعرض الأمر على مجلس الأمن.. يبقى هذا الأمر سؤلًا مطروحًا بدون رد مقنع إلى اليوم، وهناك بالطبع روايات كثيرة حول مؤامرة إسرائيلية أمريكية للإيقاع بالجيش المصري».

أخطاء مصرية وتلاعب إسرائيلي

   العربي بالتأكيد لا يتردد في القول بأن «الطلب كان من مصر وإن مصر أخطأت لا شك في التقدم بمثل هذا الطلب في هذا التوقيت وإن الطلب المصري كان مفاجأة للجميع ودون مقدمات ودون دراسة كافية ومتعمقة لنتائجه». كما أنه يشير إلى رواية تقول بأن أمر طلب سحب جزء من القوات الدولية «لم يرفع إلى القيادة السياسية إلا بعد أن تسلم سكرتير عام الأمم المتحدة الطلب المصري، وهذا بالطبع يعكس التخبط وانعدام النظام اللذين كانا يسودان المؤسسة العسكرية التي كان يرأسها المشير عبدالحكيم عامر».

   يضيف العربي دون أن يبالغ في تحميل القيادة السياسية المصرية في ذلك الوقت أكثر من نصيبها من أسباب الأزمة بأنه «يجب الاعتراف بأن معالجة الازمة من جانب مصر لم تكن مدروسة بأسلوب جاد بل كانت انفعالية، وقد استغلت إسرائيل هذا الموقف»، كما أنها «قررت استغلال يوم سفر الوفد المصري (الرفيع) إلى واشنطن للتشاور حول الأزمة.. لشن الحرب قبل أن يصل الوفد إلى (العاصمة الامريكية).. وذلك كان مرتبطًا بمعرفة إسرائيل أن مصر كانت لا تتوقع أن تبدأ إسرائيل بالهجوم في نفس اليوم الذي يسافر فيه الوفد..كما أن القيادة الإسرائيلية العسكرية اقتنعت تمامًا في ذلك الوقت أن الدولة التي سوف تقوم بالضربة الجوية الأولى سوف تنتصر في الحرب».

    يشير العربي إلى أنه بعد نحو ثلاثة عقود من حرب 1967 التقى روبرت ماكنمارا وزير الدفاع الامريكي الأسبق الذي «أكد أن واشنطن كانت تعلم بأن إسرائيل سوف تبادر بالهجوم بعد إغلاق خليج العقبة ولكنه لم يكن يعلم بتوقيت الهجوم على وجه الحدود». ويعود العربى ليشير إلى أخطاء مصر في التعامل مع الازمة فيقول «وحقيقة الأمر أن المضيق لم يغلق ولكن مصر أعلنت انها أغلقته لأسباب غير مفهومة»، كما يتحدث عن تضليل الاعلام المصري الرسمي للرأي العام بحديث عن انتصارات عسكرية وهمية وقتما كانت الهزيمة العسكرية أصبحت مكتملة الأركان، كما يتحدث، بإحباط غاضب يبدو أنه ما زال يسكنه منذ ذلك الوقت، عن سوء التواصل بين القاهرة وبعثة مصر الدائمة لدى الأمم المتحدة بنيويورك وتبعات ذلك على إدارة الموقف.

    لكن العربي يقول أيضًا إنه «كان من المفروض أن يصدر مجلس الامن قرارًا بوقف اطلاق النار وسحب القوات المعتدية فور اندلاع القتال.. ولكن مجلس الأمن أخفق في أداء واجبه والقيام بمسئولياته بسبب تعنت الولايات المتحدة»، ويضيف بدون مواربة «يعتبر موقف مجلس الأمن في هذا الصدد سابقة خطيرة تتعارض مع القرارات التي أصدرها المجلس في حالات مشابهة».

مع السادات

     يأتى العربى للحديث عن إدارة الصراع في عهد الرئيس أنور السادات فيشير إلى أن السادات سمح في صيف عام 1973 ــ قبل شهور من حرب أكتوبر ــ لوزير الخارجية محمد حسن الزيات بتنفيذ مشروعه بالتوجه إلى مجلس الامن للمطالبة بتوضيح صريح للمفهوم الغامض في القرار 242 حول الانسحاب من (ال) أراضي التي احتلتها في عام 1967. كما يتحدث العربى عن بادرة إنسانية من السادات الذي وقف متلقيًا العزاء يوم وفاة والد نبيل العربي والتي وقعت بينما كان الأخير بعيدًا عن الوطن.

   يتحدث العربي أيضًا عن إصغاء السادات له في مقابلة بادر بطلبها حول الموقف الدولي من الصراع العربي الإسرائيلي وسبل إدارته من خلال الأمم المتحدة، بل إنه يقرر أن الوضع في مصر إبان اندلاع حرب 1973 كان مختلفًا عن الفوضى التي كانت سائدة في يونيو 1967.

    العربي أيضًا يشير إلى أنه «لم تبدأ الأمم المتحدة في تناول حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة إلا بعد صدور القرار 338 في 22 أكتوبر 1973». ثم يعود العربي ليتحدث عن قرارات يتخذها السادات، خصوصًا مع هنري كسينجر، بعيدًا عن التشاور مع الوفد المصري السياسي والعسكري المشارك في مفاوضات فض الاشتباك ــ التي شارك فيها العربي نفسه، بما في ذلك ما يتعلق بانسحاب إسرائيلي لا تعود معه كل آبار البترول في سيناء إلى مصر، ويشير أيضًا إلى عدم تسامح السادات مع القادة العسكريين، بما في ذلك عبدالغني الجمسي، الذين لم يتماهوا تمامًا مع السياسات والخطوات التي تبناها أثناء مفاوضات فض الاشتباك الأول والثانى.

مقدمات كامب ديفيد

    «عندما زار الرئيس السادات القدس في 19 نوفمبر 1979، كنت أشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بوصفي مديرًا للادارة القانونية والمعاهدات وتابعت مشاهد الزيارة على شاشات التليفزيون وأنا في حالة ذهول شديد من هول المفاجأة. وتصورت وقتئذ أنه لابد أن مصر قد حصلت عن طريق الولايات المتحدة على تعهدات إسرائيلية واضحة بالنسبة للانسحاب وتنفيذ القرار 242»، يروي العربي في مطلع الفصل الرابع ــ دون أن ينفي ما حققته الزيارة ــ المبادرة من ضغط على إسرائيل أمام الرأي العام الدولي وأن يبدي اعتقاده بأن الرئيس الفلسطينى الراحل ياسر عرفات قد أخطأ باتخاذه موقفًا «سلبيًا من مبادرة الرئيس السادات، كان في غير صالح القضية الفلسطينية».

   الأيام التالية توضح للعربي أن ما تصوره حول تعهدات أمريكية مأمولة لم يكن واقعًا. وتتوالى الاجتماعات التالية لزيارة القدس ويشارك العربي كما فعل سابقًا ــ لكن هذه المرة تأخذه المفاوضات على متن طائرة إلى تل أبيب مع «بطرس غالي وزير الدولة للشئون الخارجية وعصمت عبدالمجيد المندوب الدائم (لمصر) في نيويورك والسفراء أسامة الباز وعبدالرءوف الريدي وأحمد ماهر السيد ومستشارين من بينهم عمرو موسى وأحمد الزنط وحسين حسونة، بالإضافة إلى عدد من الخبراء العسكريين منهم العميد فؤاد هويدي من المخابرات العامة وعدد من الدبلوماسيين كان منهم محمد البرادعي».

    «وكان شعورنا أثناء رحلة الطائرة التي استغرقت حوالي خمسين دقيقة أننا قد انتقلنا من الكرة الأرضية إلى الفضاء الخارجي»، يتذكر العربي، كما يتذكر «ضابط أمن الدولة» الموجود معهم على متن نفس الطائرة والذي أغرورقت عيناه بالدموع بسبب سفره إلى تل أبيب.

   يبقى أن العربي ترأس وفد مصر في التفاوض، لإنهاء نزاع طابا مع إسرائيل (1985 – 1989)، وكان أيضًا مستشارًا قانونيًّا للوفد المصري أثناء مؤتمر كامب ديفيد للسلام في الشرق الأوسط عام 1978. وعمل سفيرًا لمصر لدى الهند (1981 – 1983)، وممثلاً دائمًا لمصر لدى الأمم المتحدة في جنيف (1987 – 1991)، وفي نيويورك (1991 – 1999). كما عمل مستشارًا للحكومة السودانية في التحكيم بشأن حدود منطقة أبيي بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان. وعمل قاضيًا في محكمة العدل الدولية من 2001 إلى 2006، وكان عضوًا بلجنة الأمم المتحدة للقانون الدولي من 1994 حتى 2001، ويعمل كعضو في محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي منذ 2005.

    كذلك شغل منصب رئيس مركز التحكيم الدولي، والقاضي السابق بمحكمة العدل الدولية والذي كان ضمن القضاة التي أصدرت حكمًا تاريخيًا في يونيو عام 2004 بإدانة الجدار الفاصل التي تبنيه إسرائيل واعتبرته غير قانوني. تم تكليفه في ديسمبر 2009 بإعداد الملف المصري القانوني لاستعادة تمثال الملكة نفرتيتي من برلين. وفي 4 فبراير 2011 م تم تعيينه عضوًا في لجنة الحكماء التي تم تشكيلها أثناء اندلاع ثورة 25 يناير عام 2011. توليه منصب وزير الخارجية جاء خلفًا للوزير أحمد أبو الغيط. وكان قد سبق ترشيحه في 4 مارس 2011 من قبل شباب ثورة 25 يناير لتولي حقيبة الخارجية بدلاً من أحمد أبو الغيط الذي لاقى معارضة قوية؛ كونه رمزًا من رموز نظام الرئيس السابق محمد حسني مبارك. وكان قد حذر إسرائيل بلهجة شديدة من الإقدام على عمل أي عمل عسكري ضد غزة، وهو ما قوبل باستنكار إسرائيلي شديد. كما طالب إسرائيل بدفع فروق أسعار الغاز المصري المصدر إلى إسرائيل منذ عهد حسني مبارك.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here