محمد عبدالرحمن عريف: سفارات الخليج تعود للفيحاء.. فلماذا يرفض الخليج قبول اللاجئين السوريين؟

محمد عبدالرحمن عريف

سنظل نتذكر أنه وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، فإن الدول العربية الوحيدة التي يمكن للسوريين السفر إليها دونما الحاجة إلى الحصول على تأشيرة هي (الجزائر وموريتانيا والسودان واليمن)، والتي تمثّل جميعها خيارًا صعبًا أو حتى مقاصد غير عملية للسوريين. وختم تقرير الصحيفة بالقول: «يتعيّن على الخليج أن يُدرك الآن أن الوقت قد حان لتغيير سياساته في ما يتعلّق بقبول اللاجئين السوريين»، فتلك “خطوة أدبية وأخلاقية ومسؤولية يتعيّن اتخاذها”.

لماذا يرفض الخليج قبول اللاجئين السوريين؟ سبق وسلّطت شبكة “بي بي سي” عربي، الضوء على مُعاناة اللاجئين السوريين وتفاقُم أزمة محاولة دخولهم إلى دول أوروبا، مُتسائلة عن أسباب عدم توجّه اللاجئين السوريين إلى دول الخليج الغنية والقريبة في نفس الوقت من وطنهم. وعلى الرغم من أن هؤلاء اللاجئين من الأزمة السورية. يحدث هذا بينما بدأت الدول الغربية ببذل الجهود لإعادة توطين بعضٍ من التسعة ملايين لاجئ سوري الذين شرَّدتهم الحرب، يتساءل المُنتقدون عما إذا كانت الحكومات العربية قد قامت بدورها للمساعدة في حلِ هذه القضية. وهنا تركيز الانتقادات كان على دول مجلس التعاون الخليجي (السعودية، البحرين، الكويت، قطر، عُمان والإمارات العربية المتحدة).

  في عددٍ لا يُحصى من المنشورات على الشبكات الاجتماعية والنقاشات، طلب المجتمعُ الدولي من هذه الدول المساهمة في حلِ أزمةِ اللاجئين السوريين. وفقاً لتقرير عنوانه “تُركوا في البرد” نشرته منظمة العفو الدولية في عام 2014، لم تقم دول مجلس التعاون الخليجي بإعادة توطين لاجئ سوري واحد منذ بداية الأزمة عام 2011. تداول على الإنترنت تقارير مُشابهة، وشَكَت بعض دول المنطقة من الادّعاءات التي اتّهمتها بالتقصير. وسبق أن قالت وكالة الأنباء السعودية، نقلاً عن مصدرٍ في وزارة الخارجية، إن قادة المملكة يشدّدون على “ضرورة توضيح جهودها بحقائق وأرقام ردّاً على التقارير الإعلامية التي تتضمّن اتهاماتٍ كاذبة ومُضلّلة تتعلّق بالمملكة”.

قد يكون سبب صعوبة معرفة أعداد اللاجئين الذين تستضيفهم دول مجلس التعاون الخليجي هو أن هذه الدول لا تعترف رسمياً بالوافدين من طالبي اللجوء كلاجئين، ولأن دول المجلس لم توقّع على اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين، فهي ليست مُجبرةً قانوناً على معاملة هؤلاء الوافدين بالطريقة النموذجية أو على منحهم الحقوق التي تُمنح عادةً لطالبي اللجوء في بلدٍ جديد. ربما لم تقم دول مجلس التعاون الخليجي بإعادة توطين لاجئين سوريين بشكلٍ رسمي، لكن سيكون من الخطأ القول إن هذه الدول لم تستقبل أياً من ملايين السوريين الذين نزحوا منذ بداية الحرب الأهلية. والمشكلة أنه ثمة فرق بين أن تكون لاجئاً رسمياً، وأن تكون ضيفاً ضمن برنامج كفالة العمل الذي تتبّناه دول المجلس. الفرق الأكثر أهمية هو أن اللاجئين الرسميين في الدول التي وافقت على اتفاقية الأمم المتحدة المذكورة مؤهّلون ليصبحوا مواطنين خلال فترة مُعيّنة من الزمن.

الواقع أنه في إطار الدعوات المُتواصلة للخليج لاستقبال لاجئين سوريين، سبق أن دعت مسؤولة أممية دول الخليج العربي لتقديم مزيدٍ من العون لمساعدة السوريين المُشرّدين، قائلة إنها لا ترى مؤشّرات، سواء من خلال بيانات أصدرتها تلك المنظمات أو نقاشات مفتوحة على الإنترنت، لناحية عدم قيامها بإعادة توطين أيّ لاجئ سوري منذ بدء الأزمة.

منظمة هيومان رايتس واتش، قالت إن العديد من مئات آلاف المُهاجرين الذين رحّلتهم المملكة العربية السعودية خلال العام ونصف العام الأخيرين أعيدوا إلى مناطق غير آمنة. وأن على المملكة أن تعامل جميع المهاجرين باحترامٍ ولباقة، بصرف النظر عن وضعهم، وأن توفّر لهم معاملة قانونية عادِلة، بما في ذلك حقّهم في نقض قرار الترحيل. ويُعتبر الترحيل الجماعي للعمال نتيجةً لمحاولات دول المجلس إعطاءَ أولوية فُرَص التوظيف لمواطنيها. ثمة أيضاً تصورٌ منتشر أن السوريين الذين يودّون طلب اللجوء في دول الخليج لن يحصلوا على الفيزا، رغم اتّخاذ بعض دول الخليج قرارات بعدم ترحيل السوريين العاملين فيها حتى ولو انتهت تأشيراتهم كما فعلت الكويت لإظهار التعاطف مع أزمة اللاجئين، فقد استمر النقد الغربي المُضاد لدول النفط الغنية في عدم فتح أبوابها للاجئين السوريين رغم اشتراكهم في رابطة العروبة والدين. وحاولت الصحف سرد أسباب هذا الرفض الخليجي لاستضافة اللاجئين وأرجعتها في معظمها إلى أسباب سياسية وأمنية.

صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية علّقت في تقريرٍ نشرته سابقاً، على تقاعُسِ الدول الـ 6 الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي عن استضافة اللاجئين السوريين الفارّين من الحرب الأهلية الطاحِنة في بلادهم بالرغم ، من توافر الإمكانات المادية الضخمة لدى تلك الدول بقولها: “إنها حالة لا مبالاة أو غياب تام للإرادة السياسية”. والصحيفة تعجّبت في تقريرٍ بعنوان: «دول الخليج الغنية لم تفعل شيئاً للاجئين السوريين» من قلة التبرّعات التي قدّمتها كل الدول الخليجية الغنية لصالح اللاجئين السوريين ، والتي تقلّ مُجتمِعة عن مليار دولار وفقاً للصحيفة التي قارنت ذلك بالأموال الضخمة التي أنفقتها كل من السعودية والإمارات على الحرب في اليمن هذا العام، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة وحدها تبرّعت بضعف هذا المبلغ أربع مرات.

لقد استعان تقرير «واشنطن بوست» برسومٍ ساخرةٍ نشرها «كينيث روس» مدير منظمة هيومان رايتس ووتش على حسابه على تويتر تظهر السخرية من دول الخليج التي تُحيط أبواب بلادها بأسوارٍ شائكةٍ تمنع اقتراب اللاجئين السوريين، وبالمقابل يظهر مسؤول عربي من نافذة الباب وهو يشير إلى باب الدولة الأوروبية المجاورة الذي تقف على أعتابه امرأة سورية وابنها ليقول لهم: “لماذا لا تفتحون لهم الباب؟ افتحوا الآن”. سبق وقالت الصحيفة إن العالم انشغل بأزمةِ اللاجئين في أوروبا والتدفّق غير المسبوق للمهاجرين منذ الحرب العالمية الثانية، والصورة المؤلِمة لجثّة الطفل السوري الغريق «إيلان كردي»، وحمّل الكثيرون الحكومات الغربية مسؤولية الإخفاق في مواجهة الأعباء المُلقاة على الدول المجاورة لسوريا، ولكن الدول الخليجية الغنية لم تنل نصيبها من هذا النقد رغم أنهم من العرب. ونشرت الصحيفة الأميركية خريطة رسمها «لؤي الخطاب» من معهد «بروكينجز» توضح أعداد اللاجئين السوريين الذين تستضيفهم دول الجوار السوري، مُقارنة بمثيلاتها في دول الخليج الغنية بالنفط، مشيرة إلى ما أسمته «الرقم الصادِم بالنظر إلى القُرب المكاني النسبي لتلك الدول من سوريا، بالإضافة إلى الموارد الهائلة التي تزخر بها بلادهم”.

نقلت عن «سلطان سعود القاسمي» المُحلّل السياسي المُقيم في دبيّ أن “تلك الدول تمتلك بعضاً من أكبر الموازنات العسكرية في العالم العربي وأعلى مستويات المعيشة أيضاً بالإضافة إلى تاريخها الطويل، ولاسيما في حال الإمارات العربية المتحدة، في استضافة المُهاجرين من بلدانٍ عربيةٍ وتجنيسهم”. ونوّه تقرير الصحيفة إلى أن «أي من تلك الدول لم يوقّع على ميثاق الأمم المتحدة لـحقوق اللاجئين الصادر في العام 1951، والذي يضع تعريفاً للاّجئ ويُحدّد حقوقه، وكذا التزامات الدول في توفير الحماية له»، وأنه “لكي يدخل أي مواطن سوري إلى تلك الدول الخليجية، يتعيّن عليه التقدّم بطلبٍ للحصولِ على تأشيرة والتي نادراً ما يتم منحها في الظروف الحالية”.

إن “قرار دولة الامارات العربية المتحدة بعودة عملها السياسي والدبلوماسي في دمشق يأتي بعد قراءة متأنية للتطورات ووليد قناعة أن المرحلة القادمة تتطلب الحضور والتواصل العربي مع الملف السوري حرصاً على سوريا وشعبها وسيادتها ووحدة أراضيها”. هكذا كتب دكتور أنور قرقاش وزير الخارجية الإماراتي في تدونة على تويتر.

هنا تُطرح الأسئلة عن أسباب عدم إيجاد الفارّين من الحرب المأوى المناسب والأقرب إلى موطنهم، وبالتحديد في دول الخليج العربي، فأين هم عندما تفاقمت أزمة اللاجئين، وخاصة الفارّين من جحيم الحرب في سوريا، يزداد تسليط الضوء على الدور الخليجي في تخفيف هذه الأزمة، أو بالأحرى غياب هذا الدور. فلماذا يبقى الخليج موصِداً أبوابه أمام “الإخوة” السوريين؟.

وسائل إعلام عربية تتسابق للنقل عن مصادر سورية، في أن دولة عربية أخرى في الخليج  ستفتح قريبًا سفارتها في العاصمة السورية دمشق، وذلك بعد أيام من موقف مشابه اتخذته كل من الإمارات والبحرين. ففتح سفارة الكويت في دمشق قد يكون قريبًا، وتصريحات صحفية أخرى بأن “فتح سفارة الكويت بات وشيكًا”. وعن مصادر كويتية أن سفارة سوريا لم تتوقف يومًا عن ممارسة أعمالها في الكويت، وأن عودة سفارة الكويت للعمل في دمشق تنتظر قرارًا من الجامعة العربية. كذلك أعلنت البحرين، استمرار عمل سفارتها لدى الجمهورية العربية السورية، لافتة إلى أن السفارة السورية في العاصمة المنامة تقوم بعملها المعتاد، وذلك بعد سنوات من إغلاق عدد من سفارات الدول العربية بدمشق عند بدء الحرب على سوريا…

أين كان هؤلاء الجمع من أزمة اللاجئين السوريين لثمانِ سنوات خلت؟… حقاً لم يأبى العام 2018 أن يمضي دون تواجد خليجي في دمشق متمثلًا في دولة (الإمارات)، وإن كانت البداية عندما استقبل الأسد نظيره السوداني البشير في منتصف كانون الأول/ ديسمبر، ذلك في زيارة عمل هي الأولى لزعيم عربي منذ بداية الأحداث في سوريا عام 2011. كذلك فصحيفة الغارديان البريطانية ذكرت أن دول “الخليج العربية” تتجه إلى إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية، بعد ثماني سنوات من طرد دمشق منها، وأنه في مرحلة ما من العام 2019، من المرجح أن يتم الترحيب بالأسد كي يأخذ مكانه مرة أخرى بين قادة العالم العربي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here