محمد عبدالرحمن عريف: سعد زغلول ورفاقه في مذكرات شيخ مُمباسا “مبارك الهنائي”

محمد عبدالرحمن عريف

في رحاب الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، حيث إحياء مئوية ثورة 1919.. جاء عرض وقراءة في مذكرات شيخ مُمباسا حيث اللقاء بسعد زغلول رفاقه في مُمباسا لثمانية أيام، بورقة بحثية للكاتب والباحث صالح محروس محمد مؤرخ شرق أفريقيا، وحيث تشير مذكرات شيخ مُمباسا “مبارك الهنائي” الخاصة, وبعض الأوراق والصور الفوتوغرافية, إلى أن الصداقة الحميمة جمعت بين الشيخ مبارك من ناحية, ومفجر ثورة 1919, زعيم الأُمة المصرية سعد باشا زغلول (1858- 1927) وبعض من رافقه من القيادات المصرية في عقد العشرينيات من القرن الميلادى المنصرم, من ناحية أخرى. فتشير تلك المذكرات, إلى مناسبة المعرفة بينهم تمثلت في الإحسان الذى أسداه الشيخ مبارك لزعيم الأمة ورفاقه, وهم في طريقهم من منفاهم في جزر السيشل إلى منفى أخر في جبل طارق, حيث توقفت السفينة المقلة لهم في ميناء مُمباسا الشهيرة.

كان النظام يقضي بعدم السماح لهم بالنزول إلى اليابسة, لكونهم معتقلين, إلا أن الشيخ مبارك تمكن بنفوذه من اعتلاء الباخرة والتعرف عليهم, ثم الحصول على موافقة سلطة الحماية البريطانية باستضافتهم في منزله, خلال فترة التوقف في الميناء, والتي امتدت لمدة ثمانية أيام في الفترة من 9- 16 حزيران (يونيو) 1923. تشير تلك المذكرات المعززة بما هو ثابت تاريخياً إلى أن رفاق سعد باشا زغلول هم: فتح الله بركات, وعاطف بركات, ومصطفى النحاس باشا, ومكرم عبيد باشا.

 يشير بعض المقربين من أسرة الشيخ مبارك, إلى أن الأخير استقبلهم بما يليق بمكانتهم الإجتماعية والسياسية فى مصر, وأنه أحضر من يفصل لهم ملابس جديدة من قمصان وبدل غاية في ذلك, للمحافظة على كرامتهم, ووجاهتهم ومظهرهم, وإن كانت وجهتهم التالية إلى منفى أخر يذكر أيضاً بأنه أقام لهم قبيل مغادرتهم ممباسا, حفلاً كبيراً فى بيته دعى إليه عدداً كبيراً من الجالية العربية, ومجمل الأعيان, من مختلف المنابت والأصول. لا شك أن الاحتفاء برمز من أهم رموز حركة التحرير الوطنى, ضد الأستعمار البريطانى فى بلد خاضع لنفس الاستعمار, يعوزه الكثير من الجرأة والإقدام, لما يحمله من مضامين التحدى لهذه السلطة.

تشير مذكرات الشيخ مبارك الخاصة إلى أن تلك العلاقة استمرت لسنوات عديدة وأن النحاس باشا قام بدور الراعى أو الحاضن للإبن الأكبر للشيخ مبارك فريد عندما أرسله والده إلى مصر في عام 1938 لتلقي العلم وهو لا يزال لم يتجاوز عمره الثامنه. ولقد التحق فريد بن مبارك بمدرسة (كلية فكتوريا) العريقة في الإسكندرية وهي المدرسة المعروفة بدورها في إعداد زعماء الدول وقادة المستقبل وأن خريجيها كانوا يحصلون على قبول غير مشروط حسب رغبتهم إلى جامعة كمبريدج أو جامعة اكسفورد Oxford البريطانيتين لتمكنهم في اللغة الإنجليزية.

كان من زملاء دراسة فريد في هذه المدرسة الملك حسين بن طلال والممثل عمر الشريف, وأحد أمراء ليبيا غسان شاكر وأحد أبناء أسرة خاشقجي المعروفة بثرائها العريض, وحيث أن الثابت يشير إلى أن فريد بن مبارك كان أول طالب من شرق افريقيا يلتحق بهذه المدرسة الأرستقراطية العريقة. فالراجح يشير إلى أن قبوله ما كان إلا بوساطة قوية من النحاس باشا كما تشير مفكرة الشيخ مبارك. ولقد كان الملك حسين ينظم لزملاء دراسته لقاءاً كل خمسة أعوام, وسبق للشيخ مبارك أن حضر لقائين من هذه اللقاءات فى العاصمة الأردنية عَمان.

يقول السفير فريد الهنائي أنه عندما وصل مصر للدراسة كان أولاد الشيخ محمد بن ناصر اللمكي قد سبقوه إلى هناك, للدراسة في المدراس العامة في القاهرة وفي فترة لاحقة التحق بكلية فكتوريا. كذلك الأمير عبد الله بن السلطان خليفة بن حارب سلطان زنجبار, ومما يذكر  أن الشيخ مبارك أرسل ابنه الثانى فيصل للدراسة في الكلية العريقة ذاتها بعد عامين من إرسال فريد إليها أى في عام 1939، وبعد أن تخرج فيها التحق بجامعة اكسفورد Oxford البريطانية حيث نال منها شهادة البكالوريوس في القانون.

تشير مدونات مفكرة الشيخ مبارك الخاصة لعام 1927 إلى زيارته لمصر  حيث سافر بتاريخ الأول من آب (أغسطس) 1927 من ميناء مُمباسا قاصداً مصر على متن باخرة، وأن محطته الأولى كانت ميناء عدن بتاريخ 6 آب (أغسطس) ثم ميناء جيبوتى بتاريخ 7 آب (أغسطس) وأخيراً السويس وبور سعيد بتاريخ 12 آب (أغسطس) ليصل القاهرة براً بعد ذلك بتاريخ 13 آب (أغسطس). وأول عمل قام به بعد أن حط رحاله في الفندق الذي سكنه في القاهرة زيارته لسعد زغلول باشا وفتح الله بركات. وقام بعد ذلك فى رحلات سياحية لتفقد معالم القاهرة, والريف المصري بتاريخ 23 آب (أغسطس) فاضطر أن يقطع رحلته بالمنصورة والعودة إلى القاهرة للمشاركة في تشييع جثمان سعد باشا زغلول وتقديم واجب العزاء ثم عاد إلى مُمباسا بتاريخ 29 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام ذاته.

تشير المدونات المتقدمة ذاتها إلى أن الشيخ مبارك سافر إلى مصر للمرة الثانية وهو في طريق عودته من انجلترا في عام 1931، حيث قام برحلة حول أوروبا زار خلالها باريس ثم نيس (Nice) فمونت كارلو, واخيراً مارسيليا، من هذه المحطة الأخيرة ركب الباخرة أوصلته ميناء الاسكندرية ومن هذه المحطة الأخيرة اتجه إلى القاهرة حيث تقابل مع أصدقائة هناك وعلى رأسهم رئيس وزراء مصر مصطفى النحاس باشا وفتح الله بركات باشا. وأثناء وجوده في القاهرة اجريت له عملية الزائدة الدودية ثم عاد إلى مُمباسا بتاريخ التاسع من أيلول (سبتمبر) 1931.

أما زيارته الثالثة إلى مصر فقد كانت في عام 1938 عندما قصدها لغايات تسجيل ابنه البكر فريد في مدرسة كلية فكتوريا بالأسكندرية واثناء وجوده في القاهرة راجع الاختصاصيين في مجال الأنف والأذن ثم أبحر إلى فيينا للعلاج وفي طريق العودة مر على ابنه فريد في الاسكندرية للأطمئنان عليه. تشير مذكرات الشيخ مبارك الخاصة إلى أنه بتاريخ 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1938, دعا رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا ومكرم عبيد باشا ومجموعة أخرى من رفاقه على وجبة غذاء في أحد مطاعم القاهرة الفاخرة وأنه اصطحب معه ابنه فريد إلى هذه المناسبة ليبحر بعدها بثلاثة أيام عائداً إلى ممباسا. وهذا الرصد التاريخي المهم يوضح العلاقة القوية التي كانت بين الشيخ مبارك ومصر وزعيمها سعد زعلول ومدى مكانة مصر وكلية فكتوريا التي تعلم بها الرؤساء وكبار الشخصيات  آنذاك.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here