محمد عبدالرحمن عريف: اللواء سعد مأمون: بين قيادة (القوات العربية في اليمن 1966) و(الجيش الثاني الميداني 1973)

 

 

محمد عبدالرحمن عريف

هو سعد مأمون (14 مايو 1922 – 28 أكتوبر 2000) قائد عسكري مصري، شارك في حرب أكتوبر 1973 وتسلم قيادة القوات العربية في حرب اليمن في عام 1966 وقائد الجيش الثاني الميداني في حرب أكتوبر 1973 وهو قائد قوات الخطة “شامل” التي حاصرت الإسرائيليين في الدفرسوار وعمل محافظًا لمطروح والمنوفية والقاهرة من عام 1975 حتى عام 1983 وعين وزيرًا للحكم المحلى في مارس 1983 وتوفى في 28 أكتوبر 2000. 

التحق للدراسة بالكلية الحربية، وتخرج فيها برتبة ملازم ثان. وحصل على ماجستير العلوم العسكرية، وتخرج في الدورة الرابعة لكلية الحرب العليا. عمل عقب تخرجه من الكلية الحربية في القوات المسلحة، وتدرج في رتبها. ثم شغل وظيفة رئيس أركان، ثم قائد لواء مدرع، فرئيس أركان هيئة التدريب، ورئيس فرع التدريب بهيئة عمليات القوات المسلحة، ثم قائد فرقة مدرعة. عُين في وظيفة رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، ثم شغل منصب مساعد رئيس أركان حرب القوات المسلحة، ثم صدر قرار بتعينه قائدًا للجيش الثاني، ثم شغل منصب مساعد وزير الدفاع. واشترك سعد مأمون في عدة حروب، منها حرب اليمن، وحرب أكتوبر 1973، التي كان له فيها دور بارز.

حين حدث انهيار عصبي في غرفة عمليات حرب أكتوبر

البدايات مع قادة حرب أكتوبر من داخل غرفة عمليات القوات المسلحة المصرية يتوسط الصورة الرئيس «محمد أنور السادات»، يمينه المشير «محمد الجمسي» ويساره المشير «أحمد إسماعيل».

كان الرجل الثاني في الجيش، رئيس الأركان الفريق الشاذلي في زيارة عاجلة –الثالثة منذ بدء الحرب– للجبهة، لتفقد أحوال القوات، والاطمئنان على المعنويات، خاصة بعد أحداث صباح هذا اليوم، والذي تجاوزت خسائر جيشه فيه، خاصة الدبابات، مجموع خسائر الأسبوع الأول مجتمعة. فوجيء الشاذلي بأن قائد الجيش الثاني اللواء سعد مأمون ليس في غرفة عملياته، وأنه في الراحة برفقة طبيبه. وأن رئيس أركان جيشه يتولى القيادة بالإنابة في هذه الساعات الحرجة. توجه الشاذلي إليه فورًا ليطمئن على أهم قادته الميدانيين. فالجيشُ الثاني يضم حوالي ٦٠٪ من مجموع القوات المحارِبَة. ويسيطر على الجزء الشمالي الأطول من الجبهة، من جنوب بورسعيد شمالًا إلى البحيرات المرة جنوبًا.

أُخبِرَ رئيس الأركان أن اللواء سعد لم يتحمل أخبار الخسائر الجسيمة التي حدثت لقواته صباحًا، فأصيب بانهيار عصبي شديد. ولذا استجاب لضغط معاونيه وأخلد للراحة، واستدعوا له الطبيب، والذي أخبر الشاذلي أنه يفضل إخلاءَهُ من الخطوط الأمامية. رفض اللواء سعد بشدة، وحاول إقناع الشاذلي أنه يتحسن، فطلب من الطبيب أن يطمئنه باكرًا على حالة اللواء سعد، واحتياجه أو عدمه لرعاية طبية خاصة.

نعم تتفرد حرب أكتوبر/تشرين الأول ١٩٧٣، بكونها الحرب الوحيدة التي كانت الجيوش العربية النظامية فيها ندًا لعدو حديث التسليح كإسرائيل، تضم ترسانته نخبة الصناعات العسكرية الأمريكية والبريطانية والألمانية والفرنسية. كان العدو لحظة اندلاع المعركة، في أوضاعٍ سياسية وعسكرية مثالية. تدعمه الولايات المتحدة أحد قطبي العالم دعمًا مفتوحًا، وتنافحُ عنه في المحافل الدولية. وجيشه لا يزال منتشيًا بانتصار يونيو/حزيران 1967 الساحق، عندما ضاعف الأراضي المحتلة 4 أمثالها في 6 أيام، وسحق أكبر جيشيْن –المصري والسوري– من دول المواجهة. فأصبح مرتكزًا على حدودٍ آمنة، تحصنها مرتفعات الجولان الوعرة، في الجبهة الشمالية.

أما في الجنوبية، فهناك قناة السويس، المانع المائي العسير. وعلى ضفتها خط بارليف الشهير، المكون من ٣٥ قلعة محصنة، يوازيه ساتر ترابي شاهق، وتليه خطوط دفاعية، ووحدات مدفعية محصنة، وقواتٍ مدرعة في أنساق متتالية للتدخل السريع تتجاوز ٣٠٠ دبابة .. الخ.

يظلل كل هذا، تفوق جويُّ كبير كمًّا وكيفًا عن طيران دول المواجهة مجتمعة وبعد ٤٤ عامًا من حرب ١٩٧٣، لا يزال في جعبتها الكثير من العبر والأسرار، ومازالت بعض قطع (البازل) الفارقة في إبراز وجهها الحقيقي ناقصة. ويرجع هذا إلى الداءُ العُضال المتمثل في غياب الشفافية، والمحاسبة النزيهة، والنقد البناء، دون مزايدات أو تخوين.

هنا دخلت السياسة على الخط كثيرًا للمتاجرة بالمعركة العظيمة لاكتساب الشرعية، وللتعمية على كوارث سابقة ولاحقة، ارتكبتها –ولا تزال– . كما دخلت السياسة على الخط كثيرًا للمتاجرة بالمعركة العظيمة لاكتساب الشرعية، وللتعمية على كوارث سابقة ولاحقة، ارتكبتها –ولا تزال– دولة يوليو/ تموز الشائخة، وما يصاحب هذا من مبالغات تسيء كثيرًا لأصحاب التضحيات الحقيقية العظيمة في هذه الحرب. أو إبراز بعض أجزاء المشهد، حتى تحجب ما سواها، كما شاهدنا في زمن صاحب الضربة الجوية.

إضافة إلى محاولة إغفال بعض الأسئلة المُلحَّة في فهم تغيرات مسار المعركة. كأسباب الخلاف الشديد أثنائها بين الرئيس السادات، والفريق الشاذلي في إدارة معركة الثغرة التي كادت تقلب النصر هزيمةً نكراء. حتى وصل الأمر إلى اتهام السادات له في مذكراته –البحث عن الذات– بأنه كان منهارًا بعد العودة من الجبهة. وهذا ما نفاه الشاذلي وغيره مرارًا بعد الحرب. وكذلك أسباب حدوث هذه الثغرة التي تسببت في حصارٍ خانقٍ للجيش الثالث المصري، ووضعت قوات العدو ١٠٠ كم شرق القاهرة.

لكي يعيد التاريخ نفسه بأحسنه، ويجنبنا عاداته السيئة في تكرار الأخطاء بحذافيرها، سنزيل التراب عما يتم إخفاؤه، ونطرح أرضًا سرديات التاريخ المدرسي المُسَيَّسْ دائما. وسنعتمد على يوميات الحرب في مذكرات الفريق الجمسي رئيس هيئة عمليات الحرب.. طبعة الهيئة العامة للكتاب. ومذكرات الفريق الشاذلي، طبعة مركز بحوث الشرق الأوسط – سان فرانسيسكو.

نعم صمدت المشاة المصرية، بصواريخها المحمولة على الكتف، أمام الدبابات، والمواقع الحصينة لساعات حتى فتح المهندسون ثغرات الساتر الترابي، وأقاموا الكباري. إذ عبرت أول دبابة بعد ٥ ساعات و٥٠ دقيقة. وتأخر العبور في بعض القطاعات إلى ١٨ ساعة. وخلال يومين .. سقط خط بارليف كاملًا سوى موقعيْن. ودمرت أغلب دبابات الدفاع الأول. أما ذراع إسرائيل الطولى فيكفي أن ننقل ما ذكره الجمسى من مذكرات أليعازر –رئيس أركان جيش العدو– أنه في الدقائق الأربعة الأولى من محاولة استهداف قوات العبور، أسقط الدفاع الجوي من حائط الصواريخ الشهير (كان يغطي غرب القناة، وحتى ١٥ كم شرقها) ٥ طائرات. وعصرًا تم التقاط أمر من رئاسة الأركان الإسرائيلية للطيارين بعدم الاقتراب لمسافة ١٥ كم من القناة.

كان يوم ٨ أكتوبر/ تشرين الأول من أيام الله على جبهة سيناء. فقد اكتمل تعبئة احتياطي العدو، وهاجم الجبهة كاملة بحوالي ألف دبابة. فشل الهجوم في كل الاتجاهات بعد خسائر مرعبة للمهاجمين. وفي أحد القطاعات دُمرَت ٣٠ دبابة صهيونية في أقل من نصف ساعة، وأُسر العقيد الإسرائيلي عساف ياجوري وظهر على شاشة التلفزيون المصري مساءً.

بحلول ٩ أكتوبر/تشرين الأول، كانت القوات المصرية قد حققت الهدف الأوّلي للحرب، فحررت القناة بالكامل، ومدينة القنطرة شرق، وسيطرت على ١٢-١٥ كم شرق القناة. وهو أقصى ما يغطيه حائط الدفاع الجوي.

على الجبهة السورية، كان الوضع أسوأ. فبعد يومين، كان العدو قد استعاد ما فقده، وبدأ هجومًا مضادًا واسعًا، وقصف دمشق يوم ٩ أكتوبر/تشرين الأول. ولم يعتدل الميزان نسبيًا إلا بعد تدخل فرقتين عراقيتيْن بدءًا من يوم ١٠ أكتوبر/تشرين الأول.

١٠-١٤ أكتوبر/تشرين الأول

”… سيادة الفريق أنا مستقيل.. لا أستطيع تنفيذ التعليمات التي أرسلتموها ..“ هكذا رد اللواء سعد قائد الجيش الثاني على الشاذلي بغضب عصر يوم ١٢ أكتوبر/ تشرين الأول بعد وصول أوامر الاستعداد لتطوير الهجوم شرقًا خارج حماية الدفاع الجوي، إلى منطقة الممرات الجبلية (٤٠ كم شرقًا).

حدث بعدها اجتماع عاصف في القيادة الرئيسية من ٦-١١ مساءً بين القادة ورئيس الأركان ووزير الدفاع المشير إسماعيل. كان رأي قائدي الجيشيْن الثاني والثالث ورئيس الأركان أن تطوير الهجوم الآن خطأ عسكري فادح. فالجسر الجوي الأمريكي قد عوَّض معظم خسائر المعدات الإسرائيلية، وما زال طيرانهم متفوقًا. وكان الأجدر تطوير الهجوم ٩ أكتوبر/ تشرين الأول أثناء تخبط العدو بعد فشل هجومه المضاد، بدلُا من الوقفة التعبوية الدفاعية التي أخذتها القوات. أو الاكتفاء بما تحقق على الأرض، وهو كبير. وتعلل وزير الدفاع بمحاولة تخفيف الضغط عن السوريين. أخبره الشاذلي أن العدو الآن يمتلك ٩٠٠ دبابة في سيناء، وهي كافية للغاية مع تفوقه الجوي، في صد الهجوم المصري دون الحاجة لسحب أي قوات من جبهته الشمالية.

رد وزير الدفاع في النهاية.. أنه أمر من القيادة السياسية ولابد من تنفيذه! فأذعن القادة. وتم تأجيل الهجوم من فجر ١٣ إلى فجر ١٤ أكتوبر/ تشرين الأول ليكملوا استعداداتهم. وكانت الطامة يوم ١٣ أكتوبر/ تشرين الأول، أن رصدت الرادارات المصرية تحليق طائرة استطلاع أمريكية خارج مدى دفاعنا الجوي، وصوّرت الجبهة كاملة. أي أن العدو أصبح على اطلاع تام بما يحدث. وهكذا فقدت القوات المصرية ٢٥٠ دبابة في 3 ساعات من صباح اليوم التالي عندما تم تطوير الهجوم شرقًا صباح 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1973.

هنا ورد السؤال العنيف في عنوان الفقرة بنصِّه في مذكرات الشاذلي صـ ٢٧٣، في فصل: «ثغرة الدفرسوار.. القرار السياسي الخاطيء» تعليقًا على ما حدث يوم تطوير الهجوم، والذي يحمل مسئوليته كاملة لتدخل السادات في العمليات العسكرية، ولانقياد –كما يقول الشاذلي– وزير الدفاع له، ضاربين بعرض الحائط آراء قادة الجبهة، ورئيس الأركان. ويذكر الشاذلي أنه كان لمصر ١٧٠٠ دبابة. منها ألف دبابة عبرت القناة، وموزعة على فرق المشاة الخمس المتحصنة في الـ ١٢ كم شرق القناة، لتؤازرها دفاعيًا. فلا تصلح للاشتراك في التطوير الهجومي. وكان هناك حوالي ٣٥٠ دبابة (الفرقة ٢١ و٤) كاحتياطي غرب القناة، ليواجه أي محاولة إسرائيلية للاختراق، والعبور المضاد لتطويق الجيشين الثاني والثالث، وقطع إمداداتهما، وتدمير حائط الصواريخ. وتم سحب معظم هذا الاحتياطي، ودعمه بقواتٍ من شرق القناة لتطوير الهجوم صبيحة ١٤ أكتوبر/ تشرين الأول. وهكذا تواجهت ٤٠٠ دبابة مصرية، مع ٩٠٠ إسرائيلية أحدث منها تكنولوجيًا ونيرانيًا، في صحراء مكشوفة، حاولت فيها طائراتنا الدعمَ الجوي، لكنه كان محدودًا أمام الهيمنة الجوية الإسرائيلية خارج حائط الصواريخ المرعب. وهكذا كانت أول هزيمة مصرية في حرب أكتوبر/ تشرين الأول. وكان الأخطر من فشل التطوير، أنه لم يعُد لمصر سوى ١٠٠ دبابة في احتياطي غرب القناة. ولذا –كما يذكر الجمسي– سُحِبَ لواء مدرع من القاهرة خلال الأيام التالية لدعم الجبهة.

وصل العدو بعد خسائر كبيرة إلى القناة، وبدأت قواته تعبر تدريجيًا إلى غربها، ودمرت العديد من مواقع الدفاع الجوي، والمواقع الخلفية للجيشيْن المصرييْن. وهكذا حدثت ثغرة الدفرسوار الشهيرة، والتي كادت تقلب حرب أكتوبر/ تشرين الأول نكسةً أخرى، لولا بسالة القوات المصرية والفدائيين في الإسماعيلية والسويس.

قائد الجيش الثاني الميداني

أما اللواء سعد مأمون –قائد الجيش الثاني الميداني– فقد أبلغ الطبيبُ رئيسَ الأركان يوم ١٥ أكتوبر/ تشرين الأول بأنه لا يزال بحاجة لرعاية صحية، فنُقِلَ إلى مستشفى المعادي العسكري بالقاهرة، واستُبدِلَ بعدها بيومين.

الخطة “شامل”

فى السطور القادمة سنعرض لتفاصيل الخطة (شامل) التى أعدتها القوات المسلحة لتدمير القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة والتى بلغ مجموعها ثلاث فرق مدرعة (فرقة أرئيل شارون، وفرقة أبراهام أدان، وفرقة كلمان ماجن)، بالإضافة إلى لواء مشاة مظلات بفرقة شارون، ولواء مشاة ميكانيكى بفرقة ماجن. 

قبيل عرض تفاصيل هذه الخطة سنعرض لشهادات القادة المصريين حول قدرة القوات المسلحة على تنفيذ هذه الخطة، وكيفية استعادة قواتنا لتوازنها بين الشرق والغرب، وإعادة تسليح وحشد القوات لدحر العدو غرب وشرق القناة.

محاصرة الثغرة

يقول الفريق كما حسن علي في كتابه «مشاوير العمر.. أسرار وخفايا 70 عامًا من عمر مصر.. الحرب والمخابرات والسياسة» إنه «في يوم 26 أكتوبر قمت بزيارة الوحدات التي كانت تحاصر القوات الإسرائيلية في منطقة الثغرة، وعلى رأسها الفرقة الرابعة المدرعة التي كانت تعمل غرب القناة (في قطاع الجيش الثالث)، والتي تم إمدادها بعدد كبير من الدبابات بعد إصلاحها، كما قمت بزيارة اللواء المدرع الجزائري الذي بعثت به الجزائر دعمًا للجبهة المصرية، وتمركز فوق جبل غره جنوب الثغرة، وكان المنظر من هذا الموقع لأرض المعركة يؤكد إمكانية تدمير القوات الإسرائيلية في الثغرة بسهولة، حيث كان طول المنطقة التي عبرت من خلالها القوات الإسرائيلية عبر قناة السويس لا تتجاوز 7 كيلومترات فقط، وقد قامت لجنة من الكونجرس الأمريكى بزيارة الموقع يوم 7 نوفمبر بصحبة اللواء سعد مأمون وخرجت بانطباع يؤكد ضرورة تسوية سلمية لهذا الموقف؛ لأن القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الثغرة أصبحت هي نفسها في حصار أوشك أن يكتمل. وفي 7 نوفمبر كنت في زيارة أخرى للوحدات شرق القناة، وفي طريقي للجبهة سمعت في إذاعة إسرائيل تصريحًا لموشي ديان وزير الدفاع الإسرائيلى يقول فيه إن مصر أكملت دفع الجيش الرابع الميداني حول الثغرة، ولقد سعدت بهذا القول لأنه في واقع الأمر لم يكن الجيش الرابع سوى الإمداد المستمر بالدبابات للوحدات الأمامية تعويضًا لخسائرها طوال أيام القتال وما بعدها، وكانت إدارة المدرعات قد استقبلت من يوغوسلافيا دبابات لواء مدرع (94 دبابة) جاهزة لركوب أطقمها، كما استقبلت دبابات لواء مدرع من ليبيا بدون أطقمه، تم تجهيزه بالأفراد ضباطًا وجنودًا من الاحتياطيات المدربة المشكلة لهذا الغرض، علاوة على وصول مدافع اقتحام مدرعة من الجزائر، وبعد زيارة هواري بومدين لموسكو تم إمدادنا بنحو 200 دبابة (ت 62) خصصت لتعويض دبابات الفرقة المدرعة التي كانت تعمل في الجيش الثاني شرق القناة ودباباتها تدعم رؤوس الكبارى. وقد تركت هذه الفرقة ما يكفى من دباباتها من طراز (ت 55) لاستكمال دبابات الفرق المشاة تعويضًا لخسائرها، وكذلك تم سحب أفراد هذه الفرقة ليلًا إلى القاهرة، وأعيد تدريبهم على الدبابات الجديدة من طراز (ت 62) فى أسبوع واحد، ثم دفعت هذه الدبابات بأطقمها بعد تجهيزها للقتال، سائرة على جنازيرها عند محور طريق الإسماعيلية فأثارت غبارًا يزيد طوله على 30 كيلو مترا، على مدى ثلاثة أيام كاملة، وكان آخرها يوم 7 نوفمبر، الأمر الذى جعل موشى ديان يعلن عن إتمام حشد الجيش الرابع حول الثغرة في ذلك اليوم».

هنا يأتي الحديث عن الخطة (شامل) التي أعدتها القوات المسلحة لتصفية قوات العدو في ثغرة الاختراق غرب قناة السويس، يبدو مقتضبًا في معظم المراجع العسكرية التي تناولت حرب أكتوبر، لكن هناك اتفاق على أن أهداف القيادة المصرية من هذه الخطة كان يتمثل في «إحداث أكبر قدر من الخسائر في قوات العدو وأسلحته ومعدته، مع القيام بعمليات إزعاج للعدو على أوسع نطاق ممكن حتى يصبح بقاؤه غرب القناة جحيمًا لا يحتمل، بالإضافة إلى إرغام إسرائيل على الاستمرار في تعبئة قواتها الاحتياطية، مما يرهق اقتصادها القومى، ويهدد الحياة العامة بالشلل الكامل، مع منع العدو من تحسين وتحصين مواقعه شرق وغرب القناة»، بحسب المؤرخ العسكرى اللواء جمال حماد، في كتابه المرجعي «المعارك الحربية على الجبهة المصرية».

لقد بدأ تكليف اللواء سعد مأمون من المشير أحمد إسماعيل بقيادة الهجوم على الثغرة في الساعة الثالثة من مساء 12 ديسمبر.. استدعاه القائد العام وقال له: «يبدو يا سعد إنك ستغادرنا إلى الميدان من جديد، كمندوب للقائد العام لقيادة القوات الرئيسية غرب القناة لتصفية الثغرة. أنت من الآن مسئول أمام وزير الحربية والقائد العام عن تدمير الجيش الإسرائيلى.. وثقتي فيك لا حدود لها». 

وسافر إلى الجبهة على الفور، وقام بجولة على الحدود الأمامية للقوات من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب. وقام بتعديل الخطة (شامل) على الطبيعة وفق ما ظهر أمامه من حقائق جديدة في الميدان، وصدق وزير الحربية على التعديل الأخير. 

سبق أن أكد اللواء مأمون في حوار مع الصحفي موسى صبري على أن الخطة شامل كانت تعتمد على «تقدير سليم لموقف العدو، وتحديد واضح لنقاط ضعفه، وتحديد سليم لنقاط قوته». وشدد على أن «العدو كان في مصيدة، وكان يجب أن أزيده إحساسًا بأنه في مصيدة، كان العدو متخذًا أوضاعًا دفاعية لا هجومية. كان يدافع في حالة نفسية سيئة. ويبدو قلقه في جميع تصرفاته، كما أن أوضاعه الدفاعية تدل على فزعه.. مثلًا رص العدو أمامه حوالى 700 ألف لغم. حفر خنادق مضادة للدبابات على معظم المواجهة (عرض من 6 إلى 7 أمتار، وعمق 5 أمتار) كان لديه من 500 إلى 600 دبابة. وكان شعاري أن نلقن العدو درسًا أقسى من دروس العبور وتحطيم حصون بارليف. وواقع الحال أن الجيب الإسرائيلى في الغرب كان هشًا.. كل دبابة للعدو في الغرب كان يقابلها حوالى دباباتين في قواتنا، وقطعتين مضادتين للدبابات.. علاوة على نيران المدفعية والطيران، علاوة على احتياطى القيادة العامة للقوات المسلحة الموضوعة تحت سيطرة المشير أحمد إسماعيل. وقد قدرت الخطة الموضوعة لتصفيتة كافة الاحتمالات، بطريقة لعلها أحسن من تحضيرات 6 أكتوبر، وكان تفكيري أن النصر في هذه العملية لا يحتمل الجدل ولا التجربة، وقمنا بمشروعات حقيقية على أرض مشابهة. وكان التقدير: بالنسبة للوضع العسكري العام تم احتواء العدو تمامًا في الغرب.. لقد حاصرنا العدو من كل جانب، وله منفذ واحد في الدفرسوار لا يزيد عرضه على 6 كيلومترات، وكان مقررًا إغلاق هذا المنفذ بالقوات في ساعات قليلة.. وهذه الشريحة كان مخصصًا لها أعداد هائلة من القوات».

لقد أكد اللواء مأمون أنه «كان من المقرر أن نصفي الجيب الإسرائيلي على محاور بالتعاون مع كافة أفرع القوات المسلحة، أي أننا كنا سنهاجم من 4 اتجاهات (تم التعديل لتصبح 5 اتجاهات).. وكانوا حقًا في مأزق». موضحًا أن «قوات العدو في 22 أكتوبر تمكنت من عمل رأس جسر واحد غرب الدفرسوار بمساحة 70 كيلومترًا مربعًا (7 في 10).. قواتنا في الشرق كانت قد عملت رؤوس جسور في الجيوش مساحتها 7 آلاف كيلومتر مربع، أي مائة ضعف، كان موقف العدو العسكري حرج للغاية. لذلك حاول أن يعوض هذا الوضع الحرج (صغر حجم رأس جسره في الغرب) إلى وضع محتمل بأن ينتشر جنوبًا. ثم طور فكرته لأنه أحس أن هذا الانتشار فيه نوع من إضعاف قواته في الكثافة أمام القوات المصرية.. حاول دخول السويس. قطع خطوط المواصلات لعزل جزء من الجيش الثالث في الشرق. والهدف هو أن يساوم بهذا الوضع الجديد على موقفه الحرج في الغرب، ولكن وضعه عسكريًا هش. 

يواصل مأمون «لا يوجد لدى العدو ما نعبر عنه بالاتزان الاستراتيجي.. قواته شبه محصورة في الغرب. عجز عن زحزحة قواتنا في الشرق بوصة واحدة على طول المواجهة من عيون موسى جنوبًا إلى بورفؤاد شمالًا. وخلال حرب الاستنزاف اعتبارًا من نوفمبر 1973 اكتسبنا نحن أرضًا جديدة غربًا وشرقًا. ثم إنه مجبر على التعبئة الكاملة في إسرائيل. كل لقمة.. كل جرعة ماء.. كل دانة مدفعية.. كل نقطة بنزين يجب أن تصل إليه من بعد 300 كيلومتر في الخلف.. من مخنق عرضه 6 كيلومترات». وأكد على أن «التخطيط كان يركز على غلق هذا المخنق أو الممر، ونشعله نارًا. في نفس الوقت الذي ندمر فيه قواته في الغرب، وأستطيع أن أقول أن هذا كان سيتم في (لا وقت) أي وقت قليل جدًا!؛ لأننا نعلم من خط بارليف أن الدفاع مهما كان حصينًا، يمكن اختراقه. فما بالك بهذا الجيب.

قواعد طيراننا قريبة جدًا

الدفاع الجوى استطاع أن ينشئ حائطًا ثانيًا للصواريخ أقوى مما كان.. العدو ثقته فى نفسه وقيادته اهتزت، ولا شك أن العدو بتصويره الجوي لقواتنا في الغرب أدرك ما يمكن أن يحدث له، ولذلك فضل الانسحاب في سلام. وكان من المستحيل أن تنسحب إسرائيل لو كان لديها مجرد أمل في إمكانية البقاء». وخلال الأيام التالية بدأت محادثات فصل القوات بإشراف الأمم المتحدة، التي سميت بمحادثات الكيلو 101 -وإن كانت منعقدة فعلًا عند علامة الكيلو 103 في طريق السويس القاهرة- تأخذ مسارًا جديًا، إلى أن انتهت بتوقيع اتفاقية الفصل بين القوات في 17 يناير 1974.

قال الرئيس السادات في كتابه «البحث عن الذات قصة حياتي» إنه «في ديسمبر سنة 1973 كنت مستعدًا لتصفية جيب الثغرة، فقد بدأت قواتنا حرب الاستنزاف، ولم يتوقف ضغطها على الثغرة لحظة واحدة مما جعلنا نكسب أرضًا جديدة كل يوم.. تارة بالأمتار وتارة بالكيلومترات.. ولكننا كنا نكسب دائمًا.. أنا فعلًا كنت على أتم الاستعداد لتصفية الثغرة، وخاصة أنه ليست أمامي قناة لعبورها ولا خط بارليف للقتال معي، ولكن الخطر الذي كان أمامي كان تدخل أمريكا.. ففي 11 ديسمبر جاء هنرى كيسنجر (وزير خارجية أمريكا) وقلت له «أنا مش مستعد أقبل الأسلوب اللي هم ماشيين به.. وأنا حاصفى الثغرة. قال لي: «أنا قبل أن أحضر إليك عارف إنك جاهز.. أنا طلبت صورة الموقف من البنتاجون فأعطوني تقريرًا كاملًا.. حائط صواريخك يتكون من كذا بطارية.. دباباتك حول الثغرة 800 دبابة.. مدافعك عددها كذا وتستطيع فعلًا أن تصفي الثغرة، ولكن اعلم أنك إذا فعلت هذا سيضربك البنتاجون».

في النهاية تم إنسحاب جميع القوات التي شاركت في هذا الهجوم الفاشل وفي ظهر هذا اليوم 14 أكتوبر عام 1973 في حوالي الساعة الحادية عشر صباحًا حدث إتصال باللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني الميداني لمتابعة سير العمليات في نطاق الجيش الثاني فكان الرد إنه في الراحة ولم يكن هذا أمرًا عاديًا أو طبيعيًا أن يخلد القائد إلى الراحة وقواته مشتبكة في معركة وكانت الأخبار عمومًا لا تبشر بخير. وبلا شك كانت هذه خسارة فادحة أن يصاب قائد الجيش الثاني الميداني أكبر تشكيل قتالي في القوات المسلحة المصرية في هذا الوقت الحرج وقام الفريق الشاذلي بالإجتماع مع كبار ضباط الجيش الثاني وبحث معهم الأمر كما قام بالإتصال بجميع قادة الفرق وبحث معهم الموقف العسكرى لقواتنا وتم إستدعاء اللواء تيسير العقاد رئيس أركان حرب الجيش من مقر القيادة الخلفي للجيش ليتولي قيادته مؤقتًا ثم تحرك للعودة إلي القيادة وأطلع كل من الرئيس السادات والفريق أول أحمد إسماعيل على الموقف.

بعد تعافي اللواء سعد مأمون وخروجه من المستشفي تم تعيينه في يوم 13 ديسمبر عام 1973 قائدًا لقوات تصفية الثغرة وكان في خلال شهر نوفمبر والنصف الأول من شهر ديسمبر عام 1973 قد وصلت إلى مصر إمدادات عسكرية من بعض الدول العربية والدول الصديقة كان أهمها عدد من الدبابات عوض إلى حد ما العدد الكبير مما تم تدميره خلال المعارك التي تمت بصفة خاصة أيام 14 و17 و18 أكتوبر عام 1973م وتم إعادة حشد الفرقتين المدرعتين 4 و21 وفرق المشاة الميكانيكية 3 و6 و21 إلى جانب وحدات من الصاعقة والمظلات حول منطقة الثغرة كما ذكرنا سابقًا وتلقي اللواء سعد مأمون التوجيهات الخاصة بهذه المهمة من الرئيس أنور السادات ومن القائد العام للقوات المسلحة وكانت حينذاك أنظار مصر والعالم كله تتابع هذه العملية بإهتمام وتركيز شديدين بسبب تركيز أجهزة الإعلام الإسرائيلية علي مسالة وجود الجيب الإسرائيلي غرب القناة وكانت تستغل ذلك في القيام بدعاية سياسية واسعة النطاق.

قام اللواء سعد مأمون بعد تكليفه بهذه المهمة بالمرور علي ومعاينة أوضاع القوات التي تم حشدها من أجل تنفيذها كما قام بمراجعة الخطة مراجعة دقيقة وأدخل عليها بعض التعديلات التي رأى أنها مناسبة بعد هذه المراجعة وبعد معاينة الموقف على الطبيعة وفي يوم 18 ديسمبر عام 1973 تم عرضها في صورتها النهائية على القائد العام للتصديق عليها وفي يوم 24 ديسمبر عام 1973 تم عرض الخطة في صورتها النهائية على الرئيس الراحل أنور السادات في إستراحة القناطر الخيرية في حضور القائد العام الفريق أول أحمد إسماعيل علي ورئيس الأركان اللواء حينذاك محمد عبد الغني الجمسي وقادة الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة واللواء سعد مأمون وأقر الرئيس السادات الخطة ووجه بأن تكون جاهزة في أي وقت للتنفيذ إعتبارًا من اليوم نفسه 24 ديسمبر عام 1973 وكانت هذه الخطة مبنية على أسس تكتيكية سليمة وكانت تستهدف ضمان إستخدام القوات المخصصة لهذه العملية الإستخدام الأمثل مع التركيز على التعاون الوثيق بين هذه القوات وبين القوات الجوية وقوات الدفاع الجوى ومراعاة إستخدام المدرعات بإستغلال خصائصها أحسن إستغلال مع عمل حساب عناصر القوة وعناصر الضعف لدى قوات العدو الإسرائيلي الموجودة داخل الثغرة. وقد قامت القوات المخصصة لتنفيذ الخطة شامل بمشروعات تدريب تتفق مع المهام المخصصة لها وعلى أرض مشابهة تحت الإشراف المباشر للواء سعد مأمون وكانت هذه الخطة تقتضي توجيه عدد 5 ضربات من 5 إتجاهات رئيسية أولها ضربة من إتجاه رأس كوبري الفرقة 16 مشاة شرق القناة من الشمال إلى الجنوب بهدف غلق ممر ثغرة الإختراق من المنبع والذي يعد المنفذ الوحيد للقوات الإسرائيلية الذي تأتي منه الإمدادات من شرق القناة إلى غربها وثاني الضربات ضربة على محور طريق أبو سلطان في إتجاه الدفر سوار من الشمال إلى الجنوب أيضًا غرب القناة والضربة الثالثة ضربة على محور طريق جنيفة في إتجاه البحيرة المرة الصغرى والضربة الرابعة ضربة على محور طريق السويس في إتجاه مدينة السويس للوصول بأسرع ما يمكن للمدينة وقوات الجيش الثالث المحاصرة شرق القناة والضربة الخامسة ضربة موازية لخليج السويس من الجنوب إلى الشمال في إتجاه ميناء الأدبية وكان الهدف من هذه الخطة فك حصار مدينة السويس والجيش الثالث وتقطيع أوصال الجيب الإسرائيلي غرب القناة وتحويله إلى أجزاء منفصلة ومن ثم يسهل تدميرها هذا ولم يقيض لهذه الخطة التنفيذ العملي لها حيث تم توقيع الإتفاقية الأولى لفصل القوات يوم 18 يناير عام 1974 يعد مفاوضات شاقة وجولات مكوكية قام بها الدكتور هنرى كيسينجر وزير الخارجية الأميريكي بين القاهرة وتل أبيب والتي كان أهم بنودها أن تقوم إسرائيل بسحب قواتها من غرب وشرق القناة إلى مسافة حوالي 30 كيلو متر شرق القناة بينما تقوم مصر بسحب قواتها من شرق القناة مع إحتفاظها بعدد 7000 جندى وضابط بالإضافة إلى عدد 30 دبابة على ألا يتجاوز وجودها مسافة 10 كيلو مترات شرق القناة وفي الوقت نفسه تتواجد قوات الطوارئ الدولية التابعة للأمم المتحدة في المنطقة الفاصلة بين القوات المصرية والقوات الإسرائيلية وعرضها حوالي 20 كيلو متر مع النص على أن هذه الإتفاقية لا تعد إتفاقية سلام بين الطرفين بل هي مجرد خطوة للوصول إلى معاهدة سلام دائمة بين الطرفين يتم التفاوض بين الطرفين بشأنها داخل إطار مؤتمر جنيف للسلام الذي نادت به الأمم المتحدة في ذلك الوقت ومن ثم فقد تم تجميد الخطة شامل.

يبقى أن مأمون حصل على عديد الأوسمة، فقد حصل سعد مأمون على 22 وسامًا منها: نجمة سيناء ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة من الطبقة الأولى، نوط التدريب من الطبقة الأولى، وسام مأرب من اليمن، ميدالية الاستحقاق من الجيش الشعبي الوطني من ألمانيا، نوط الخدمة الممتازة، وسام نجمة الشرف، نوط الجمهورية العسكري من الطبقة الأولى.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here