محمد شرقي: الحراك الشعبي.. “ماركة” مسجلة لمنتوج جزائري

محمد شرقي

عندما تثور الشعوب على حكوماتها يطلق على هذا الفعل ، في بعض الدول اسم “الثورة” أو”المظاهرة”، أو “الاحتجاج”، أو”المسيرة” و”الربيع″ وحتى بالمانيفا manif”..اختصارا لدى الفرنسيين  “. أما نحن في الجزائر فحتى الآن نسمي احتجاجنا “بالحراك الشعبي السلمي”.موشحا بعبارة ” الجيش الشعب خاوة..خاوة ” لما يحمله حراكنا من تلاحم سلمي بين كل أفراد الشعب الجزائري ،وخاصة مع الجيش الوطني الشعبي.

لكل شعب ميزته الخاصة في التعبير عن انشغالاته، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. لكن المتعارف عليه أن أغلب “ الانشغالات أو الاحتجاجات” يميزها “سوء” التنظيم والفوضى وإشعال إطارات المركبات والاحتكاكات مع قوات الأمن ، والاعتقالات ووقوع خسائر بشرية ومادية وحتى سقوط أرواح في أغلب الأحيان.. وخاصة في دول العالم الثالث، وبالبلدان العربية بالأخص ، التى صارت مجتمعاتها تخشى التظاهر لما يسببه لها من “ثمن باهض”. رغم أنه حق دستوري ،وتعبير ديمقراطي لواقع سياسي متأزم.

كنا نعتقد أن التظاهر في بلد “الجن والملائكة” فرنسا ، يميزه التنظيم وحتى الفرجة، لكن تظاهرات “السترات الصفراء” التي اندلعت مؤخرا شابها العنف والحرق والاعتقالات؟ حتى خيل لنا ،أننا في بلد من بلدان العالم الثالث بالنظر لما تناقلته شاشات التلفزيون العالمية من خسائر مادية وبشرية  وقوة المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن.

أما في الجزائر باعتبارها بلد عالم الثالث فقد شذت عن القاعدة كظاهرة احتجاجية اجتماعية سلمية ،لم نتعود عليها بما حملته من سلوكات وتفاعلات حتى أنها صنفتها وسائل إعلام عالمية  بالحضارية والراقية.  فقد أسقط حراكنا كل الرهانات التي كانت تتوقع خروجه عن الطبيعية، ومن ثم إدخال المجتمع الجزائري في أزمة أمنية حقيقية. ومع مرور الوقت أكد الحراك الجزائري تعلقه بمفهوم “السلمية”بما تحمله من معاني الأخوة بين المتظاهرين وقوات الأمن بمختلف أسلاكها تأكيدا وإلحاحه على المطالب الشرعية  المتمثلة في عدم ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة  المريض  من طرف “العصابة” كما وصفها فيما بعد قائد أركان الجيش الوطني الشعبي حتى ان الرئيس نفسه ذكر “أنه لم ينوي الترشح “.

فالأصداء التي رافقت توقعات المتتبعين الغربيين وغيرهم  من بعض العرب بإخفاق الحراك في مطالبه والتصدي له بعنف أو بانزلاقه إلى ما لا يحمد عقباه ، ردت عليها الجماهير الجزائرية بمخالف فئاتها  الواسعة بمواقف وصفت بالراقية والحضارية، حيث يبدأ الحراك بعد كل صلاة جمعة وينتهي قبل أذان صلاة العشاء بنصف ساعة لكي يفس المجال للشباب  تنظف كل شوارع المدن.

لقد وجد النظام المغضوب عليه صعوبة في كيفية تأسيس حلقة اتصال مع مكونات الحراك الشعبي من أجل توفير مخرجا للأزمة رغم أنه في كل جمعة يلبي مطالب الحراك…

فجأة تغيرت صورة الجزائري من ذلك الفرد “المتهور” كما كان يصوره الإعلام العالمي بالتواطؤ مع المفسدين في الداخل، إلى ذلك الإنسان الوديع المحب للسلم والسلام. حيث عبر الشعب الجزائري عن رأيه السلمي في “إرادة التغيير” التي هي سنة من سنن الكون نقرأ عنها في تجارب الشعوب عبر التاريخ التواقة للحرية والمناهضة للظلم والفساد والكراهية.

لقد شكل الحراك الجزائري دهشة لدى العام والخاص في الداخل والخارج “لسلميته” التي كاد أن لا يصدقها أحد، لولا أنها لم تكن منقولة عبر الفضائيات  على المباشر ،وموثقة في مواقع التواصل الاجتماعي..

وما ميّز حراك الجزائر أيضا هو التعامل اللطيف والهادئ للسلطات الأمنية معه مما أعطى صورة راقية لفضاء احتجاجي زينته الشعارات المتنوعة التي حملها المتظاهرون،حتى أن أصحاب “السترات الصفراء” الفرنسيين تمنوا التظاهر في الجزائر، وحتى أن بعض أفراد المجتمع المدني في أمريكا حيوا حراكنا بل افتخروا به.

* أستاذ جامعي –الجزائر-

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. كل ما أخشاه ان يتمخض الجمل فيلد فأراً ، اخشى في نهاية المطاف ان يأتينا هذا الحراك برئيس جسمه في الجزائر ورأسه في باريس او واشنطن ، تذكرت قول جورج واشنطن مخاطباً الشعب الامريكي ايام الثورة الامريكية : ان الامريكي الذي جسمه في امريكا ورأسه في بريطانيا يجب ان تُقطع رقبته . فماذا يجب أن نقول في الجزائر ؟

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here