محمد سالم عبدلله: فرنسا والحجاب.. أزمة متجددة وجدل موسمي

 

 

محمد سالم عبدلله

تعود الى الواجهة من جديد أزمة الحجاب و إرتدائه في فرنسا بعد حادثة البرلماني اليميني المتطرف الذي طلب من سيدة ترافق ابنها بضرورة نزع الحجاب ، و اشعل مقطع فيديو نشره النائب الذي ينتم الى حزب التجمع الوطني اليمني المتطرف “الجبهة الوطنية سابقا ” مواقع التواصل الاجتماعي .

انقسمت آراء المغردين بين مؤيد و معارض لتصرف النائب ، و لم يقتصر المغردين على عامة الناس بل ادل عدد من النواب و الوزراء بآرائهم حول الموضوع .

يأتي هذا الجدل بعد حادثة مقتل اربع أفراد من الشرط على يد زميلهم الذي كشفت التحقيقات انه اعتنق الإسلام منذ مدة و ان فرضية العمل الإرهابي تظل قائمة ، خصوصا بعد وصف الرئيس ماكرون الإسلام بالوحش الذي يجب مراقبته.

مشكلة فرنسا مع الإسلام ليست وليدة اللحظة و الجدل حول الإسلام الذي اصبح الديانة الثانية في فرنسا لا ينتهي ، فرنسا دون غيرها من الدول الغربية كانت لها عدة خصوصيات باعتبارها الوجهة الأولى لبلدان المغرب العربي و دولة تتمتع بقوة المنظمات المانحة لحق اللجؤ ، مع ذلك تبقى الدولة الأكثر عداء لشعائر الإسلام و التي ترى باريس انها لا تتماشى مع قانون الجمهورية بل و انها تشكل خطر على الأمن العام .

وصف بعض الساسة في فرنسا المسلم على انه قنبلة موقوتة لا ندري متى يتم نزع المؤمن لتنفجر ، و ذهب اخرون الى ابعد من ذلك باعتبارهم الشخص المسلم شخص عدائي لا يرحم وليس له مشاعر آدمية .

حاول ساركوزي الرئيس السابق لفرنسا (2007-2012) ان يستنسخ إسلام على مقاس فرنسا ظن منه ان الإسلام دين مطاطي يمكن ان ناخذ منه ما نريد و نترك منه ما لا يروقنا ، فشل هو كما فشل من أتى بعده في جعل الإسلام شبح يرتبط ذكره بمصطلحات مثل الإرهاب و التطرف و داعش و غيرها من أشياء جعلها إعلام اللوبي اليهودي المتحكم في منظومة الاعلام بفرنسا (BFMTV و CNEWS) تترسخ في اذهان الفرنسيين على انها حقيقة رغم زيف ذلك.

نلاحظ أيضا ان ملف الإسلام و الحجاب تتزامن إثارته مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية من اجل استمالة أصوات اليمين و اليمين المتطرف و العنصريين و أنصار الهوية و الكثير ممن يرون فرنسا المستقبل خالية من الإسلام و المسلمين .

فرنسا العلمانية منذ سنة 1904 و التي فصلت الدين عن الحكم و جعلت الكنيسة بعيدة عن الصراعات السياسة كرست مجموعة من القوانين من شأنها ان ترسخ مباديء العلمانية و كان اخرها قانون سنة 2004 و الذي يمنع ارتدا اَي رموز الدينية داخل المؤسسات التعليمية حتى المستوى الجامعي حيث يسمح بذلك ، رغم ان القانون تم نصه من اجل كبح انتشار الحجاب داخل المؤسسات التعليمية ، الا انه فهم على انه قانون عادل يساوي بين الأديان .

فرنسا الاستثناء حاولت من خلال قوانين الاندماج ان ترسخ مجموع من القيم التي ترى انه لا مناص منها في المجتمع و ربما أهمها هو ما يتم تدريسه في دورات الاندماج من طرف المكتب الفرنسي للهجرة و الاندماج “OFII” مثل تعدد الزيجات و حرية المرأة و الأطفال بعد البلوغ و غيره من القوانين التي وجدت فرنسا ان الإسلام يبيحها رغم ان قانون الجمهورية يمنعها .

الحقيقة التي تغض فرنسا عن الطرف و لا يأتي على ذكرها الرئيس ولا الكتل البرلمانية ولا حتى الاعلام الفرنسي الذي اثبت ان الاسكريبت يأتيه من تل أبيب ، هي ان المسلمين في فرنسا يمثلون قوة و كتلة مندمجة في المجتمع تدفع الضرائب و تنشط سوق العمل و تستثمر و تشارك بايجابية في الحياة السياسية و انها جزء من فرنسا و جزء اهم و اكبر من الجالية اليهودية وغيرها ، مسلمين فرنسا الذين خرجوا من صلاة الجمعة و هم يكررون عبارات التضامن مع صحفيين شارلي إبدوا و مع ضحايا الباتكلان و مع حادثة القس المسيحي ، مسلمي فرنسا ورغم المعوقات اظهروا انهم معتدلين في دينهم و ان دينهم دين تسامح و تعايش و ليس وحش كما قال ماكرون .

مساجد المسلمين مفتوحة في فرنسا و الخطب التي تلقى بها مرت كلها على المصالح الأمنية الفرنسية ، فلماذا تخاف فرنسا من الإسلام ؟ أم ان الحرب الشعواء على الإسلام و المسلمين تخصص فرنسي بحت ، أم ان فرنسا الرسمية تبنت فكر اريك زيمور و غيره ممن يبثون سموم التفرقة بين اطياف المجتمع الفرنسي و يوزعون اكياس الكراهية على صفحاتهم و من خلال مؤلفاتهم التي تحقق مبيعات ضخمة رغم انها ممنوعة من التواجد داخل المكتبات الرسمية.

تناقض كبير و تخبط تشهده الساحة الفرنسية مع كل أزمة تطل و يكون الإسلام طرف فيها ، لان فرنسا لم تتصالح بعد مع ذاتها و لم تتخط عقدة ان الإسلام اصبح دين فرنسي و ان الفرنسيين يعتنقونه مع كل شمس يوم جديد ، و انه لا مناص من ان تحترم فرنسا شعائر المسلم و تسمح له بان يأذن كما يفعل في بريطانيا و ان يكون العيد عطلة مدفوعة الأجر و ان تكون الأضحية حق لا جريمة و ان تقنع ابنائها ان الإسلام ليس وحش بل هو غصن زيتون و حمامة سلام و أخلاق النبي صلى الله عليه و سلم .

كاتب من الصحراء الغربية

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here