محمد رجا: سترجع من ساحة التحرير مهزوما يا ولدي

محمد رجا

 

لعل هذا الوقت المناسب لكي اتحدث اليك أيها الثائر المهزوم منذ اول ايام ثورته، والفاشل في فكره الثوري، والمسكين في كفاحه البدائي، والطفولي في تفكيره السياسي، لعل لا اريد ان احمل سوط اللوم واجلدك، فالأيام القادمة كفيلة بذلك.

عزيزي الثائر اود ان اشرح لك بعض اسباب فشل ثورتك، وتبين الحالة التي ستكون عليها نفسياً وامنياً وفكرياً، وبالوقت ذاته اريد منك ان تدرك وتعي تلك الدروس فأن لم ترتد عن الثورة والثوار، وان لم تكفر بها كما كفر الاولين.

ستدرك بعد فض الاعتصامات ورحيل الهتافات انك مهزوماً, و لست ذلك الذي كان ممكن ان يكون سبباً في تغيير مصير امة كما كانت تخيل له الاناشيد الحماسية، وانه ليس كما قرأت في التاريخ وفي خطابات الاحزاب عن اهمية الشباب القيادية، بل انك رقماً عابراً في نشرة اخبارية، وتدرك ان الثائر الحق هو من يكافح خلف الشاشات والمنتديات بصمت، وان كل يوم جديد في الثورة سيكون بحاجة ماسة الى ثورة.

سوف تدرك حتماً ان هتافات “العكال يبقى يسولف والكذله كذله” كنتيجة واقعية اكثر من ان شيء غير ذلك، فالكذله لايمكن ان تكون قائدة للثورة، فالثورة دوماً بحاجة الى الفكر، فلن لم تحمل في طياتها فكراً ورسالة، فهي صرخة جياع، او نوبة محبط، اوعبث يائس.

لان الثورة الناجحة تلك التي تتحلى بالوعي لا بالحماسة، وتعمل بالتخطيط لا بالفوضوية، ان تستطيع اذخار قوة ثوارتها في نهايتها اكثر من بدايتها، ان تتقن استخدام الوسيلة قبل الوصول للمبادئ، ان تؤمن بالفشل فرضية متوقعة قبل ان تؤمن بان النجاح حتمية، ان تقرأ التاريخ كما يفهمه الطغاة قبل ان تقرأ كيفما يقرأه الثوار، وان تأخذ بالأسباب قبل ان تنطلق بالوسائل، ان تتعلم قبول الخسارة قبل السعي للنصر.

ان كنت تجد ايها الثائر في هذا مبالغة فوق العقلانية، وان قلت لم سبق وان سمعت بثورة كانت بهذا القدر من التعقيد، فأعلم ان وجود مثل هكذا ثورة لم يخطر على افلاطون في أسوء حالاته او اي يساري سكير.

وستدرك ان العمامة اسوأ بكثير وانها سوف تبقى معضلة العراق الازلية فكريا واجتماعيا وان الحديث عنها يطول، لكن حتماً ستدرك حجم تلك المعضلة من واقع معاناتها المتزايد بعد انتهاء الثورة، ستجد نموذجا اقبح من العمائم ورجال الدين.

وستدرك ان ثمة اسباب ميتافيزيقية ان شئت اوصفها، اذ كثيرة تلك الدول والامم التي عانت وكانت عرضة للظلم والاضطهاد ليست فقط لسنوات انما لعصور متتالية، حيث هناك نوع من الظلم والطغيان، تفشل امامه كل الوسائل والأليات او تحد منه.

وهناك نوع اخطر من الاضطرابات ليس لها حلاً، لتعقيدها البالغ وتأثيرها الواضح، لهذا ان فشلت كل الوسائل الثورية المثالية، يبقى الرهان على الزمن هو الحل القائم، فهذه سنة كونية تكاد تلتمس عند قراءة التاريخ، فان يبقى العراق كما هو الحال عليه الى أمد طويل هو افتراض تاريخي اكثر من اي شيء اخر.

وستدرك حتماً ان انك انت المشاغب ليس قوات مكافحة الشغب, وستدرك حتماً بان خروج عارياً وانت تتلاقى رصاص الشغب، حماقة ثورية كنت تمارسها انت وتحت تأثير الاناشيد الثورية، وتدرك ان ما كنت تسميه تضحية في سبيل الثورة، هو رخص مبتذل منك اليك، والا كيف تفسر انعزالك عن كل الاحتمالات، وكيف يمكن ان يكون عقلك الذي يريد ان يحرر بلداً لم يحرر نفسه من احلامه وخياله الذي وقع اسيرا في حدود ساحة الاعتصام، كيف لم تأخذ بالعواقب السلبية والايجابية وكيف لم يفكر بالحلول النوعية.

ستدرك انك ضيعت من عمرك عمراً، وعرضت نفسك وذويك لقهراً تكاد تسميه غير مبرراً، وانت تتجرع لعنة الندم على ما كنت تعتقد انه صوابا، وتعاني انكساراً قاسيا وما اقسى الخيبة بالوطن، ومااخطرها ايضا فانها تدفع الثائر للاستحقار الوطن ان لم يكن ناضجاً، اما تلك الدموع التي ذرفتها في تلك الساحات ستفكر كيف كانت طفولية الى هذا الحد وكم ان الاحداث متسارعة وفوضوية.

ستدرك ان الكثير من الرفاق الثوار مندسون ومدعون وان اكثرهم مزايدة اسرعهم للخيانة، ستجد ان القلة هم الصامدون المبدئيون. وكما سوف تدرك ان كل الطقوس الثورية اليومية في ساحات الاعتصامات التي تمارسها بطمأنينة وسلام انها عاراً وتهمة مكلفة تلاحقك بها السلطات وكلام الشعب الذي سوف يحملك العواقب قبل غيرك.

ستدرك ان صاحبك الذي استشهد في هذه الثورة، كان يمكن ان يعيش بسلام، وان موته فكرة عاهرة، والا كيف يموت الثائر وتصبح الثورة فاشلة، ان كل تلك الدماء والرصاصات والايام المؤلمة ستكون ثمن بخس لقضية عظيمة وهي تحرير وطن يأبى ان يتحرر.

ستدرك يا صديقي ان نجاح الثورات بفكرها وعقلها واساليبها، وطرقها، ستدرك ان الثائر الحق هو من يحافظ على حياته ليذيق الطغاة الوجع، لا من يقدمها قربناً عاجلاً، وكما تدرك ان الصراع مع هؤلاء الاوباش صراعاً طويلاً, انه صراع كيف يمكن تجد حلاً ثوريا يزيل وجودهم وانت استنفذ الحل الاخير بالثورة هذه!

فاذا كانت الثورة التي كنت تشارك فيها عجزت عن ازالة وجودهم فأي فكرة او تسمية يمكن ان تقلع جذورهم النتنة من هذه الارض الطاهرة؟

تدارك واستدرك حجم المعضلة وتفهم الواقع جيدا وتمعن بالمعطيات لتخرج بحلول جديرة, فنجاح الثورة اليوم، يتطلب ثورة نوعية جديدة بل انه يتطلب مفاهيم جديدة تليق بهذا الجيل من الطغيان وبهذا الحجم من التعقيد، اذ ان قيمة الثائر اليوم ليس بالرقص امام قوات الشغب ولا بأي وسيلة تقليدية ثورية سلمية او دموية كانت؛ لأننا امام منعطف جديدة مختلف جذريا فالعالم ليس كما تعتقد انظر جيداً وتمعن.

لان ستدرك ان النظام العالمي اختلف وان العولمة قد أثمرت، وتدرك ايضا ان الخارطة السياسية الدولية اختلفت، وان الوسائل تبدلت، وان الافكار والانظمة السياسية تنوعت، ستدرك ثمة تغييرات وانماطاً جديدة في العالم السياسي مختلفة كليا، وكما ستدرك ان التطور في التفكير السياسي للأمم يكاد يكون ضعف التطور التكنولوجي الذي تعيشه، فهل وجدت التكنولوجيا بدون السياسة!

ستبدأ بفهم كيف يجري العالم، وتكتسب مهارة ان لا يجذبك اي خبر عاجل، وان لا يثير انتباهك اي قضية رأي عام، ستتعلم كيف تقرأ الاخبار وتفهم العناوين ومضامينها وتفهم المستقبل من الماضي وتفهم ان السياسة اعمق من نعيق محلل سياسي خريج جامعة اهلية تابعة لحزب سياسي، ستفهم السياسة والعالم من وجهة نظر مختلفة تماما.

وستدرك ايضاً ثمة تغير وعقلانية في تفكيرك الثوري وان ثمة برود شاحب يسيطر على انفعالاتك السياسية ويحدد سلوكها، وتفهم بان الوسائل مهمة وان السياسة هي كما فهما مازاران وهي الواقع فعلا, ليست كما تنظر الحركات الثورية اليسارية والاحزاب الدينية الاسلامية وغير الاسلامية، ببساط لان الحق ليس دوماً منتصر، ان تقنع بهذا هو ثورة ذاتية شرسة في تأثيرها.

وكما سوف يشمل ادراكك المتأخر بان الواقع المحلي ومكوناته مقرفة وبشعة، والصدر مثالا بظاهرته السياسية والدينية والاجتماعية اخطر من المهدي والمهندس، وتفهم ان هذا النوع هم “القواد” الفعلييين والخطر الواجب الحذر منهظ لا التعاون معهم وطلب حمايته او الرضا بها.

لان ليس هناك احمق من فكرة ان تتعاون مع طرف ذا علاقة بمن تحارب ولا احمق من ان تحاربهم جمعياً في آن واحد، وهنا تكمن سمات العقل الثوري الذكي في التعامل وايجاد الحلول، لان التعقيد بالغ فان حاربت الصدر يعني ان تواجه قطيع غير منضبط، وان لم تحرب حتماً سوف يغدر بك.

وستدرك ان التيار المدني والشبابي وكل الانشطة الشبابية المستقلة هي انشطة ثورية خاوية، انها تفتقد للتأثير والقوة، فحتى ان كان لها اتباع كثر وهو امر مبالغ به فالناس يتبعون القوة وخاصة العراقيين، فهل تضن ان فلان المدني يثق به شريحة من العراقيين بانه سيكون غاندي ؟

وغير ذلك من الاسباب المهمة وهي الوضع الديني والسياسي من تشتت وانقسام وتأثير الطائفية الذي لازال قابعاً، ناهيك عن التدخلات الدولية والاقليمية المسيطرة التي ان تعاملت معها بمبدأ صديق عدوي صديقي، يلزم ان تتساءل هل تعتقد انك ناضجاً لكي تمرر هكذا تكتيك على الكبار.

لهذا سوف تؤمن بأننا بحاجة الى عقل ثوري ناضج بدأ من هذه الايام ، لكي يحاول تلافي الاخطاء ويضع من البدائل ما تضمن حفظ كرامة الشهداء, ويدرك حتماً بان الصراع طويل وان مهما كان لابد من الثورة لأنها الفطرة التي يولد عليها الانسان الحر!

ومن هذا يؤسس كياناً علميا في ثورته, منهجياً في تفكيره على الاقل يبقى يناشد وانت في السجن بدمك وحقك عندما تلاحقك الميليشيات، ويكون سيرة ثورية سياسية عالمية في تأثيرها وايقونة في كفاحها, يستمر بالكفاح داخلا وخارجاً هناك بين اروقة الامم المتحدة ومن على شاشات الاعلام على الاقل ان يستمر وفاءا لتلك الدماء.

ليس بالضرورة ان يكون نموذجا لحركات مجاهدي خلق والجماعات التقليدية السائدة، المهم ان يتطلع هذا الكيان ثورية علمية ناضجة في اسسها قادرة على تسطر مفاهيما ودروسا للعالم في نجاحها عظيمة في اهدافها تكون قادرة على ايجاد الحلول الناجحة، بما يتلائم لمواجهة الجيل الجديد من الطغيان والاستعمار.

وستدرك ختاما يا صديقي ثمة دروس لا يمكن ان تعبر عنها كلمات ولأيمكن ان توصل أحاسيسها اي لوحات بائسة ، لأنها دروس صادمة وجودية، دروس ترفض الاقتناع بها العقول السطحية.

لا أريد ان اكون قد بالغت، ولهذا لعل لا أريد ايضا سولا ان تحسب هذه الكلمات الا خاطرة عابرة لثائر محبط، وثوري فاشل من ثوار العبث-الربيع- العربي، لأنني صدقا أتألم عندما ارى نزيف الثوار في تزايد، وأنزف قهراً عندما اجده بلا ثمن وانه مجرد ارقام..

 

 كاتب عراقي 

 

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. في ال50 الاخيرة قامت في العالم 100 ثورة بما في ذلك الثورات الصغيرة كثورة الكمون في باريس فشل منها 80 ربما تكون ثورة العراق واحدة منها او هكذا يبدو الامر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here