محمد حسين الرخمي: المبادرة التي لم يُبادر إليها أحد!

 

محمد حسين الرخمي

بغض النظر عن عدالة ومشروعية التطبيع مع كيان محتل وغاصب، تاريخه ملطخ بالدماء، وعدم توافق ذلك مع أبسط قواعد وأسس العقل والمنطق، إلا أن السؤال الذي يبطح نفسه أرضا مع كل موجة تطبيع يتم التسويق لها: لماذا تفشل جميع تلك المحاولات رغم الجهود السياسية الكبيرة التي تُمارس لإنجاحها ومحاولة تمريرها على الشعوب، منذ فترة الثمانينات وحتى اليوم؟!

وهل المشكلة في الأنظمة العربية التي في المجمل لا تُخفي تلهفها على ذلك، بل وبعضها يُمارس التطبيع في الخفاء ومن تحت الطاولة منذ زمن، أم أن المشكلة لدى الكيان الصهيوني وتركيبته الاستعلائية العنصرية، التي طالما تعاملت مع هذه الأنظمة كتابع ومنفذ سياسات فقط، وعدم قدرته على التعايش مع الآخر واحترام سيادته وحقه في الوجود!

في مارس ٢٠٠٢م وقبل أشهر من انتخابات الرئاسة الأمريكية، فُوجئت الشعوب العربية بمبادرة أطلقها الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، للسلام بين الفلسطينيين وإسرائيل مقابل اعتراف بلاده وبقية الدول العربية وتطبيعها الكامل للعلاقات مع إسرائيل، والتسليم بحقها في تأسيس دولتها اليهودية في قلب المنطقة وعلى أراضي فلسطينية وعربية خالصة، وأطلق على تلك المبادرة حينها اسم “المبادرة العربية للسلام” .

وبالرغم من حصول تلك المبادرة على الضوء الأخضر من الإدارة الأمريكية، وتلقيها ضمانات كبيرة بقبول الجانب الإسرائيلي وموافقته عليها، خصوصا وأن البنود التي قدمتها تلك المبادرة لم تأتي بجديد وأغلبها تكرار وتأكيد لقوانين ومواثيق دولية مُتعارف عليها سابقا.

وبالرغم أيضا من كون إسرائيل قادرة على الموافقة ظاهريا على تلك المبادرة، ثم المُماطلة في تنفيذها قبل أن تنقلب عليها لاحقا كالعادة، إلا أنها استكثرت ذلك على الدول العربية عموما وعلى المملكة السعودية بشكل خاص، ووجهت حينها بُومبه كبيرة للملك عبدالله راعي المبادرة، والذي كان – فيما يبدو- يُراهن عليها كثيرا في ختام حياته وتاريخه السياسي، وقد يستحق عليها جائزة نوبل للسلام، إلا أن إسرائيل بخلت عليه بذلك وأعلنت رسميا رفضها للمبادرة العربية ورفض حتى مُجرد التعامل معها ومناقشتها!

والمُضحك أن المبادرة العربية التي استندت في معظم بنودها إلى قوانين ومواثيق دولية، حاولت إرضاء إسرائيل وإغرائها على قبول المبادرة بالتنازل عن حق الفلسطينيين بالعودة إلى أرضهم ومنازلهم التي هُجروا منها في ١٩٤٨م، رغم القرار الشهير الصادر بحقهم من الجمعية العامة للأمم المتحدة، والذي يقضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض، واصرار المجتمع الدولي على تأكيد هذا القرار منذ صدوره ولأكثر من 135 مرة دون معارضة أي دولة من دول العالم، باستثناء دولة الكيان الصهيوني طبعا.

ورغم ذلك التنازل الغير مشروط في مبادرة زعماء العرب، والذي لم تكن تحلم به إسرائيل والدول الداعمة لها، إلا أنها وبكل بجاحة واستخفاف أعلنت تراجعها والقبول بمناقشة ذلك البند فقط، مع الاستمرار في رفض بقية البنود.

وهكذا تمر السنين والأيام وينسى الجميع تلك المبادرة ولم يعد احد يتذكرها سوى مُعدو برنامج “حدث في مثل هذا اليوم” أو مع تصريحات تظهر وتختفي فجأة لمسئولين بالجامعة العربية في معرض التهديد بسحب تلك المبادرة، والتلميح بأن هذا العرض العربي السخي للسلام لن يبق أمام العالم والجانب الإسرائيلي إلى الأبد.

واليوم يعود الحديث مجددا عن تلك المبادرة، على صدى أخبار تطبيع حكام الإمارات والبحرين المفاجئ مع إسرائيل، في محاولة لتذكير العالم والمجتمع الدولي بأننا لا زلنا هنا وبنفس المبادرة السابقة التي تقدمنا بها قبل ٢٠ عاما، ولم يلتفت او يُبادر إليها أحد!

كاتب وصحفي من اليمن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here