محمد بونوار: عودة قوارب الموت بين المغرب واسبانيا

محمد بونوار

عادت بقوة ظاهرة قوارب الموت الى نشاطها خاصة بين الخط الرابط بين شمال المغرب وجنوب اسبانيا , والتي يبقى الشباب المغربي دون الثلاثين هم من روادها , بما فيهم النساء طبعا , وقد ظهر ذالك من خلال  فيديوات منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي , حيث لا يجد الشبان والشابات أي غضاضة من نشر صورهم وهم في مغادرة الرحيل من البلد الاصلي – المغرب – الى بوابة أروبا – اسبانيا –

للتذكير فقط المسافة التي تفصل شمال افريقيا والقارة الاروبية هي حوالي 20 كلم عبر مضيق جبل طارق , و150 كلم بين الحسيمة ومالقا , والسفر يتم في قوراب صغيرة ليلا , بالاداء طبعا .وغالبية المشاركين في هذه المغامرة يصمم للرحلة دون علم أحد بما فيهم الاولياء , وهناك من يفرض على أبويه أن يتدبروا له مصاريف الرحلة وتوابعها .

الفكرة التي دفعتني الى كتابة هذا المقال هو أسباب هذه الهجرة السرية , طبعا الفقر والعوز , وقلة فرص التشغيل , والتهميش والاقصاء الاجتماعي , و….

هذه الامور كلها تأزم شخصية الشباب وتفقدهم الامل في الحياة والعيش في الوطن , كما تدفعهم الى هجرة العاءلة , والزوجة , والاطفال ,والاصدقاء , والاحباب , وأخيرا هجرة الوطن .

يقول مثل مشهور , لا أحد يهرب من الوطن اذا لم يكن مرغما .

هذا الهروب من الوطن , وهذه الهجرة السرية , وهذه المغادرة العشوائية , وهذه المغامرة الكبيرة , لها واجهة سياسية واقتصادية من جهة , ولها أيضا واجهة اجتماعية وثقافية من جهة اخرى .

الواجهة الاولى تتحملها الدولة طبعا , وهو ما يترجم مدى نجاعة برامجها وتوجهاتها وخططها وتصوراتها , والتي تقف ورائها الاحزاب والحكومة والنقابات والمؤسسات والادارات التي لها صلة سواء بالتشغيل او المراقبة او الحكامة او الاقتراحات او التصورات او المبادرات .

خلق فرص الشغل يبقى هو العمود الفقري لهذه الظاهرة بامتياز , علاوة على مراجعة الاجور , فلا يعقل مثلا أن يكون العامل , او الموظف لا يقوى على مسايرة مصاريف الحياة العامة براتبه الشهري , ناهيك على الفئة التي لا تلوي على دخل شهري قار , والتي تأرق نفسها بنفسها وتأرق من حولها  .

حث الشباب على الاستثمار تبقى الورقة الرابحة في ظل ضعف فرص الشغل , لكن هذا البرنامج يحتاج الى ترميم وطني ومساعدة مالية في البداية ,واشتشارة قانونية  ,ومتابعة ميدانية , وتكوين مستمر , وتشجيع دائم ,ولو اقتضى الامر مشاركة فعلية بين المواطن والوطن من خلال تعاونيات في جميع المجالات .

الواجهة الثانية لقوراب الموت , أوالهجرة السرية , أو الهروب من الوطن هي الواجهة الاجتماعية والتي لها تأثير مباشر على الشباب الذين يطمحون ويطمعون ركوب قوارب الموت كلما سنحت لهم الظروف بذالك  .

حينما يموت الامل في قلوب الشباب من فرط العطالة ومن فرط الافراط في المعانات والتهميش والعيش الفقير والحياة الضنكة , تغلق جميع ابواب الامل والسعادة  , ولا تظهر في الافق الا  الهجرة الطوعية رغم عواقبها  الغير المحمودة .

كما سبق ان قلت , هناك عاءلات تشجع ابناءها على الرحيل , بل وتسهر على تمويل الرحلة على أمل ان يجد أبنائها عمل خارج الوطن يعود بالنفع على الجميع , وهناك عائلات تحث أبنائها بالابتعاد عن الهجرة الغير المرخصة , والتي يمكن أن تكون نهاية الوجود , بدل تحقيق الوجود .

أظهرت الدراسات الاجتماعية أن جميع الكائنات الحية فوق الكون تهرب من الفقر بشكل طبيعي , دون مراعاة للعواقب الوخيمة والتي يمكن ان تكون مميتة, أعني موت محقق ,والدليل هنا هو قطعان البقر الذي يغامر بقطع الوادي بحثا عن العشب والكلئ دون مراعاة لوجود التماسيح في الوادي ,والتي يمكن لها أن تلتهم البقر في أي لحضة .

الصمود في وجه الفقر اذا لم يكن معززا  بتدابيروقائية مرنة وفعالة  على ارض الواقع لكي تترجم حب الوطن لمواطنيها وحمايتهم والدفاع عنهم لا يعطي اي نتيجة على الاطلاق  , خاصة في ظل انعدام المساعدات الاجتماعية بكل أشكالها .

القضاء على الفقر موضوع كبير ويحتاج الى برامج دقيقة وطويلة شيء ما , في التاريخ المعاصر هناك دول كانت فقيرة ,وخرجت من دائرة الفقر بسياستها وبرامجها , وهناك دول كانت غنية وتراجعت الى الخلف عما كانت عليه من خلال تخطيطاتها الغير الناجحة .

جمعية الامم المتحدة والتي تعتبر أكبر جمعية في العالم , همها الكبير هو محاربة الفقر اينما كان , ولها برامج تنموية جد فعالة ,والعمل معها لا يقتضي علم كبير , قدر ما يقتضي نية صادقة وملحة وغيرة وطنية خالصة .

طبعا الفقر عدو كبير , قد يستحيل القضاء عليه , لكن صده والوقوف امامه يبقى بغير عزيز , اي بغير مستحيل .

النقطة الخطيرة في موضوع قوارب الموت والهجرة السرية والتي تجري بين شمال المغرب وجنوب اسبانيا هي موضوع الحرية والكرامة والتي  بدأت تكتسي صبغة أخرى , أكثر من المألوف ,ولهذا على الحكومة والمسؤولين بالمغرب ان يسارعوا الى تطويق الظاهرة عمليا , عوض البيانات والخطابات المتكررة , انطلاقا من هذا  المنعطف الجديد , ألا وهو الهجرة بسبب انعدام الحرية والكرامة  وابداء الراي .

اذن المغرب الان بين أمرين الهجرة السرية والتي تعود اسبابها الى انعدام فرص الشغل بالنسبة للشباب المغربي, والهجرة السرية  التي ينتظرها مئات الافارقة التي تعج بهم كبريات المدن المغربية  , وبين المغادرة السرية والتي يقال ان اسبابها تعود الى انعدام الحرية والكرامة, وقد تم استغلال بعض الشباب من مدينة الحسيمة , خاصة الذين شاركوا في الحراك وتم الاعفاء عنهم ,والذين فضلوا هجرة الوطن , تم استغلالهم بالصوت والصورة وهم يغادرون المغرب في قوارب صغيرة الى اسبانيا لترويج هذا المنحى  .

على الحكومة المغربية والمسؤولين  أن يأخذوا هذا الموضوع  بجدية كبيرة ,وهو مغادرة الوطن لا من باب الفقر والعوز والبطالة كما ذكرت , لكن  من باب انعدام  الكرامة والحرية واٍبداء الراي وحرية التعبير .

هذه النقطة اذا تفاقمت طبعا يمكن أن تعطي للمغرب صورة قاتمة وحزينة لدى الراي العام الدولي .

موضوع  قوارب الموت بين المغرب واسبانيا , موضوع كبير , ويمكن استعماله كورقة رابحة للضغط على الاتحاد الاروبي لضخ المزيد من المال لمواجهة كل من يصمم وينوي اختراق مضيق جبل طارق سواء من بعض الشباب المغربي , او القادمين من الصحراء .

اذا كانت الدول المطلة على البحر خاصة منها تلك المرشحة لاستعمالها كنقطة عبور او نقطة وصول  تشدد على حراسة الشواطئ والسواحل بتقنيات المراقبة العالية , فان تجار البشر يستغلون أوقات تكون فيها المراقبة غير حاضرة بقوة .

حاليا يبقى مضيق جبل طارق هو الوجهة المفضلة , بعدما اغلقت تركيا ودول البلقان عملية الهجرة السرية ,وبعدما شددت ايطاليا سواحلها بالحراسة البحرية والقوانين الصارمة .

رغم المسافة القصيرة بين المغرب واسبانيا والتي يمكن مراقبتها بكل سهولة , تصلنا كل اسبوع تقريبا فيديوات بالصوت والصورة عن عبور المضيق من منصة العالم الاخضر – الفايس بوك – , كدليل عن تحدي الحراسة البحرية المغربية والاسبانية .

وما يجعل هذا الموضوع غير مفهوم , هو قدوم زوارق بحرية مجهزة بمحركات تصل قوة محركاتها الى 500 حصان , تصل الى شواطء المغرب خاصة في الشمال – مرتيل –  وتعرض خدمات الرحلة  بالمجان على الشباب المغرب الذي لم يعد همه الوحيد سوى مراقبة قدوم هذه القوارب لنقلهم الى أرض غير أرضهم .

كاتب مغربي مقيم بالمانيا .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here