محمد بونوار: دور النخبة المثقفة في المجتمعات

محمد بونوار

في كل دولة هناك جيوش وعساكر تحرس الحدود وتدافع عن الوطن اذا تعرض الى اعتداء خارجي ,وفي كل دولة توجد الشرطة والقوات المخزنية والتي تعملان على تأمين الاستقرار واستثباث الامن بين المواطنين والتصدي لكل ما يمس الاستقرار الاجتماعي .

لكن في عصر العولمة وانتشار الثقافة الرقمية وجب الاهتمام بحماية المواطن فكريا وأخلاقيا وايدلوجيا وعقائديا من الافكار الخبيثة والتصرفات الشاذة والايدلوجيات المستوردة  والتدين المتطرف .

المسؤول الاول عن هذا الموضوع هو النخبة المثقفة والتي كانت تسمى بالوجهاء فيما مضى ,والدعاة تارة , والصفوة المختارة  تارة أخرى .

ماهو دور النخبة المثقفة في المجتمعات ؟

دور النخب المثقفة في المجتمعات هو حماية المواطن والدفاع عنه كلما لحق به الضرر سواء فكريا , أو اجتماعيا , أو اقتصاديا , أو أخلاقيا , أو دينيا .

علاوة على التصدي لكل الثيارات وكل الافكار المسمومة والتي تعبر اليه – اي المواطن – بدون رقابة من خلال الوساءط الرقمية .

وأخيرا , التوجيه , لان المواطن اليوم يحتاج الى من يوجهه ويرسم له الطريق ,ولان المواطن يحتاج الى مرجعية ثقافية تغني رصيده الفكري والرحي والاجتماعي .

دور النخبة المثقفة هو ترسيخ مبدأ الحكامة في قرارات الدولة وسياستها وتصوراتها وبرامجها  لئلا يسقط المواطن في صراعات مع توجهات الدولة .

 لكن مع كامل الاسف هذه النخب انسلخت عن دورها الاساسي ,وانحازت الى  وجهات مختلفة . وذالك انطلاقا من اكراهات تارة ومن اغراءات تارة أخرى . وهكذا انقسمت النخب الى عدة فرق في ذات البلد

عادة لكي يتسنى لهذه النخب ان تقوم بدورها على أحسن ما يرام , وجب عليها ان تبقى غير منحازة لجهة الحكم والحكام , لان انتماء النخبة الثقافية الى حزب معين , أو نقابة , أو ما شابه ذالك  , أو ثيار ايدلوجي معين ينقص من مصداقيتها أولا , ويجعلها غير قادرة على مواكبة مشاكل المواطنين .

لابد من التذكير أن هذه النخبة المثقفة , هي صفوة القوم في الابداع والفن والادب والاخلاق والتربية والاقتصاد , وجميع المجالات والقطاعات , وهي صمام الامان لئلا يمس المواطن في حياته العامة من قريب أو من بعيد , حاضرا , أو مستقبلا ,  أي ضرر , ولئلا تنتشر الافكار العقيمة والتصرفات الغير الحسنة في المجتمعات .

هناك ثلاثة نقط اذا توفرت تكون النخبة في المستوى المطلوب , واٍذا لم تجتمع غابت النخبة وتاهت في متاهات أخرى :

الصدق في المشاعر والغيرة الوطنية . 

 التفاعل مع الظواهر الاجتماعية  ومتابعة الاحداث والغوض فيها ورصدها وترجمتها.

وثالثا ,وأخيرا , تأتي عملية الانتماء الثقافي , لان المثقف اذا انحاز الى جهة معينة سقطت منه كل المصداقية فيما يكتب, أو يقول  .

لابد هنا أن نقف بعض الوقت للاشارة أن هناك مثقفين في دول عربية ,  لكنهم يفكرون بعقلية المستعمر ويكتبون بلغة المستعمر ويحاولون أن يقلدوا نمط عيش المستعمر في بلد يدعون أنهم ينتمون اليه , لكنهم في الواقع يخربون بيوت الناس بابداعاتهم ويشوشون على عامة الناس بأرائهم .

لا أحد يدري ماذا يمكن أن يحدث أن استفحل الفقر بين الناس وهم بعيدين عن الوعي من جراء غياب النخبة المثقفة التي تمهد الطريق لكي لا يزيغ المواطنون عن المألوف  , عندما تلتقي الازمة الاقتصادية بأزمة في الاخلاق والسلوك والتصرفات والمعاملات , يتراجع الوعي الى الوراء , ولا يهتم المواطن بمتابعة بما يسمى بالنخبة المثقفة , أو أصحاب الطليعة والبصيرة ,جراء التهميش الذي يطال النخبة ذاتها والذي يكون عن قصد , أو عن غير قصد  ,وهو الامر الذي يدفع بالنخبة المثقفة الى بقعة صغيرة لتنطوي فيها , خاصة في غياب القراء والقراءة من جراء الفقر الذي يبلغ مبلغه في صفوف المواطنين  .

في هذه الحلات ينمو العمران ولا تنمو العقول بل تتراجع الى الوراء , فتنجم عنه فوضى في المعاملات وتعج المحاكم بالملفات وتتراجع القيم بشكل رهيب ,ويبدأ البحث عن المال بجميع الطرق وبدون هوادة , فينتشر الفساد في البلاد , وتجري العباد وراء المال , وينمو الاحتكار الاقتصادي , فينقسم المواطنون الى ميسور ومضرور  .

أعود لاقول أن النخبة المثقة هي النخبة التي يجب الاحتذ اء بها والانصات اليها فيما يخص التربية والتعليم والقيم بصفة عامة , لكن مع كامل الاسف ما نشهده اليوم لا يزرع الاطمئنان في المجتمعات .

بعدما عرضنا دور المثقف في المجتمع , الان جاء دور انعدام النخبة الثقفة في المجتمات .

في كل دولة وفي كل مجتمع , هناك من يحرس الحدود الترابية وهم جنود وعسكر. 

وهناك من يحرص على استثباث الامن الداخلي والعام وهم الشرطة والامن الوطني . 

لكن من يحرص على الاستقرار والامن الفكري والايديولوجي هم النخبة المثقفة .

هذه النخبة عادة تكون بدون انتماء حزبي . أو نقابي , أو سياسي .

هذه النخبة يجب أن تبقى منحازة عن الدولة , لكي تدلي بأراءها بدون حرج . 

هذه النخبة بلغة بسيطة هي عبارة عن جهة تدافع عن حماية المواطن فكريا وماديا وعقاءديا واجتماعيا .

هذه الصفوة هي صمام الامان من التقلبات والاحداث الاجتماعية , طبعا بأرءها وتصوراتها وحدسها ورصدها واستباطها وتحليلاتها وفرضياتها وحسها وبصيرتها , كل من موقعه وتخصصه , لان المواطن يحتاج في كل وقت الى من يجدد له فكره ويشرح له ما يلوج بخاطره لكي يطمئن قلبه  .

في غياب هذه النخبة المثقفة , ما ذا يقع ؟

يدخل المواطنون في شرود فكري واجتماعي وعقائدي , فتختلط عليهم الامور , وما يزيد الطين بلة هو عندما تغيب النخبة ويتفشى الفقر بين المواطنين , طبعا يتراجع الوعي الفردي والجماعي والشعبي , وتعم الفوضى في الاذواق والحياة العامة والمعاملات ,ويصبح من المستحيل الخروج من الازمة .

أعود الى دور المثقف في المجتمعات 

اولا , لابد من تحديد المثقف الذي يعتبر من الوجهاء والنخبة . 

المثقف داعية وطنية في المجال الذي يميل اليه بدون نفاق .

لكن في عصرنا الحالي انقسمت النخبة الى فئات عدة : 

فئة لا تريد الظهور ولا تساهم بافكارها وأرائها , وكأنها تقاطع كل شيئ في صمت رهيب . 

فئة تقف بجانب الحكام وتمجد القرارات الصادرة عن الدولة , ولا تقف الى جانب المتطلبات ولا المطالبين 

وفئة , تخرب القيم بابداعاتها المستوردة  ,ولا تقدم نصائح , ولا تحليلات , ولا حلول . 

المثقف يجب ان يكون هو صمام الامان والذرع  الواقي من كل شر مبين, ومن  جميع ما يمكن ان يعكراستقرار فكر وقيم  المواطن في ثقافته واخلاقه وعقيدته وتقاليده وتربيته وسلوكه وتصرفاته ومعاملاته .

كاتب مغربي مقيم بالمانيا

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. أحييك على هذا المقال الاكتر من رائع وفعلا ازمتنا الحالية هي ازمة نخب مثقفة منقسمة مابين حالة سكون وصمت على ما يجري واخرى تعرض نفسها للبيع سواء لأعداء الداخل او الخارج .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here