محمد بغدادي: انعكاسات التحول للعاصمة الإدارية الجديدة على خطة الاصلاح الإداري في مصر: في ضوء الخبرة الدولية

 

 

محمد بغدادي

 لعل الثورة التكنولوجية والتقدم العلمي المستمر والتنمية الإقتصادية والاصلاح الإداري والاذدحام، من أهم الأسباب التي دفعت العديد من الدول إلى تبنى إنشاء عواصم إدارية جديدة، فغالباً ما تكون عواصم الدول أكثر ازدحاماً من المدن العادية ؛ نظرا للإرث والزخم السياسى، والاقتصادى والاجتماعى الذى يحيط بها؛ ونظراً للازدحام الذى تشهده بعض عواصم العالم؛ لذلك قررت بعض الدول نقل العاصمة الى مدن أخرى، بل قد يحدث ذلك لأسباب سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية.

ومن ثم تبدو في الأفق العديد من الجدليات والتساؤلات منها: ما هي الأسباب الإدارية الدافعة للتحول للعواصم الجديدة في الخبرات الدولية، وإلى أي مدى تتفق تلك الأسباب مع التحول في الحالة المصرية؟. كيف يمكن الاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير النظم الإدارية المطبقة في الوزارات؟ و إلى أي مدى تأثرت خطة الاصلاح الإداري في الخبرات الدولية بإنشاء عواصم إدارية جديدة؟ و إلى أي مدى تتفق الخطة المصرية للاصلاح الإداري مع التحول إلى العاصمة الإدارية الجديدة؟ وكيف يمكن إدارة العلاقة بين المركز والفروع؟ وكيف يمكن تنظيم العلاقة بين العاصمة الجديدة والعاصمة القديمة؟.

     إن حركة إنشاء العواصم الإدارية الجديدة لم تقتصر على دولة بعينها أو مناطق محدده، بل انتشرت في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء وتناولتها كل دولة على اختلاف ظروفها الداخلية والسياسية والعمرانية التي تتفق مع تحدياتها. حيث تأتي التجربة الروسية على رأس التجارب بإعتبارها تجربة متميزة ، حيث نقلت العاصمة من موسكو لمدينة سان بترسبرج، وذلك في عام 1712، ثم عودتها مرة أخرى إلى موسكو في عام 1918، خلال الحرب العالمية الأولى. كما قررت الحكومة في نيجيريا نفل عاصمة البلاد الأكثر سكاناً في إفريقيا، من لاجوس إلى أبوجا وسط نيجيريا، وتضم العاصمة الجديدة مباني المجمع الرئاسي والمجلس الوطني والمحكمة العليا. كما نقلت البرازيل عاصمتها من ريو دي جانيرو، إلى برازيليا، حيث نقلت السلطة السياسية إلى برازيليا، لتكون العاصمة الثالثة للبرازيل، بعد أن كانت مدينة سلفادور الأولى.

وفي مصر كان الرئيس الأسبق” السادات” هو صاحب فكرة إنشاء العاصمة الجديدة؛ حلاً لقضية الزيادة السكانية التي وصلت لها مصر، فوقع الاختيار على “مدينة السادات”؛ لجعلها عاصمة إدارية جديدة. وتكلف ذلك المشروع ما يقارب ٢٥ مليون جنيه، لكن المشروع لم يحقق الهدف من إنشاؤه؛ لصعوبة الانتقال لمدينة السادات؛ بسبب صعوبات النقل والمواصلات بينها وبين العاصمة القديمة.

كما عادت فكرة نشأة العاصمة الإدارية الجديدة مرة أخرى مع بداية عام 2015؛ ذلك المشروع الذي أعلنته الحكومة المصرية في مؤتمر موسع؛ لتكوين مدينة عالمية جديدة فى مصر بهدف نقل العاصمة؛ لخلق فرص عديدة للإسكان والعمل وتوفير حياة متميزة للتكيف مع أوضاع النمو السكانى والحضارى فى مدينة ذكية تواكب التقدم التكنولوجى المستمر. هذا إلى جانب تأمين فرص اقتصادية متعددة ونوعية حياة متميزة.

ومن جهتها تعمل الحكومة على تعزيز قدرات وحدات الجهاز الإدارى للدولة، في ظل المتطلبات المتزايدة فى معدلات النمو المتسارعة من التطور التكنولوجى، فأصبح ضرورياً أن تعمل الحكومات على الابتكار وربط التكنولوجيا؛ لتوفير متطلبات المواطنين فكانت نشأة العاصمة الإدارية الجديدة . حيث تقع العاصمة الجديدة بين إقليم القاهرة الكبرى وإقليم قناة السويس بالقرب من الطريق الدائري الإقليمي وطريق القاهرة/السويس، ومخطط لها لتكون مقراً للبرلمان والرئاسة والوزارات الرئيسية، وكذلك السفارات الأجنبية ويتضمن المشروع أيضاً متنزه رئيسي ومطار دولي ويقام المشروع على مساحة إجمالية 170 ألف فدان.

وعلماً بأنه سيتم نقل 34 وزارة حكومية على مرحلتين، عقب الانتهاء من مرحلة الإنشاءات نهاية العام الجاري، كما أن كل مرحلة للنقل تستغرق 6 أشهر. وسيتم الانتهاء من المرحلة الأولى للنقل بمنتصف عام 2019، كما أنه سيتم نقل دوادوين الوزارات وبعض الأجهزة والهيئات التابعة للوزارة في البداية. والمرحلة الثانية سيتم فيها نقل باقي الهيئات التي يتم الإتفاق على تأجيلها للمرحلة الثانية، بالإضافة إلي الإدارات الخدمية التي تختص بالتيسير علي الموطن، كما سيتم الانتهاء من عملية النقل تماماً نهاية عام 2020.

وفي ظل هذه التطورات التي تدعو لمزيد من البحث والتساؤل والتي منها: ما هي الأسباب الدافعة لنقل العاصمة الإدارية الجديدة؟ وما هو عدد الوزارات التي سيتم نقلها؟ وما هي البيئة التكنولوجية المناسبة للعاصمة الإدارية الجديدة؟ وما العلاقة بين العاصمة القديمة والعاصمة الجديدة؟ وما علاقة نشأة العاصمة الجديدة بخطط الاصلاح الإداري؟.

ومع تزايد الإهتمام الدولي بعملية الاصلاح الإداري ، وإقامة العديد من المدن الجديدة والعواصم الإدارية الجديدة ومنها العاصمة الإدارية الجديدة في مصر، ونقل الوزارات المركزية من العاصمة الإدارية القديمة (القاهرة) إلى العاصمة الإدارية الجديدة، كل هذا استدعى إعادة النظر في المشكلات الإدارية والتنظيمية التي ستواجه عملية نقل الوزارات، وأن عملية النقل التي توضع بدون دراسة الجوانب الإدارية والقانونية والتنظيمية للوزارات، والمشكلات التي تواجه هذه الوزارات، سوف تمنع من التطور الحقيقي والتقدم في أداء أجهزة العاصمة الإدارية الجديدة. فهل إنشاء عاصمة إدارية جديدة يٌعد حلاً جذرياً للمشاكل التي تعانيها العاصمة القديمة؟ وهل تمثل نظم الإدارة‎ ‎المطبقة في العاصمة الإدارية الجديدة، نمطاً غير سائداً في المدن القديمة من حيث‎ ‎تدعيم اللامركزية والمشاركة والتمكين الإداري؟ وما علاقة النقل بخطة الاصلاح الإداري في مصر؟ كل ذلك استفسارات تطرح نفسها من أجل تحقيق التنمية بشكل مدروس بالعاصمة الإدارية الجديدة.

باحث دكتوراه مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here