محمد باير طبيشات: دفاتر الغربة: “ديموقراطية للبيع”

محمد باير طبيشات

“ديموقراطية للبيع” هذا عنوان لغلاف مجلة الإيكونومست الشهيرة قبل أيام تعليقاً على ما يحدث الآن في بريطانيا. قرأته في نفس اليوم الذي قال فيه نعوم تشومسكي، أحد أهم مفكري القرن العشرين على تويتر: “عندما تقرأ عن نهاية الاتحاد السوفيتي، فإن الأمر دائمًا يتعلق بـ “موت الاشتراكية”. إنهم لا يقولون أبداً “موت الديمقراطية”. لكن العبارتين تحملان نفس الدلالة.”

لا أكاد أصدق ما أرى! فهذه بريطانيا! بريطانيا العظمى. وطن الماغناكارتا. وهذا نعوم تشومسكي، علّامةّ وقامةٌ فكريةٌ ومخترعٌ يشار إليه بالبنان ومواطن أمريكي عمل ونال شهرةً عالميةً بعد أن خدم في أعظم وأهم مراكز البحث في أمريكا. باختصار القولان يشهدان على أن الديموقراطية ماتت أو على الأقل لم تعد تنفع.

هل يمكن أن نكذّب هؤلاء ونصدق أنفسنا؟ نحن الغرباء عن كل ما هو ديموقراطي؟ هل يمكن أن نحاجج أناساً مثل صحفيي الأيكونومست أو قامات علمية عملاقة مثل تشومسكي؟ أحدهم يعرض تراثه السياسي للبيع، والثاني يقول أنه إرثٌ ميت؟ ومن نحن أصلاً حتى نشارك في مثل هذا الحوار؟ نحن الذين نعيش في مجتمعات مستبدة يقودنا فيها رجالٌ (وليس نساء بالمناسبة) أقل ما يقال فيهم أنهم دخلاء أو مدّعون لكل ما يمكن أن يمت للقيم الديموقراطية بصلة؟ نحن الذين لم نرِد يوماً أن نكون ديموقراطيين بصدق. كما أن ساستنا يريدون أن يبدوا ديموقراطيين، وذلك في الشكل فقط لا غير. كلنا نعرف في عمق قلوبنا أن الديموقراطية في بلادنا هي من لوازم “السياسة كمهنة” أو بالعربي الفصيح “من عدة النصب.”

يخطر لي في هذا المقام سياسيون ومفكرون عرب رجعوا إلينا من أوروبّا وأمريكا ينادون بضرورة التحول نحو الديموقراطية وذلك ضمن شعار أوسع هو “النهضة.” ومسألة النهضة عند العرب لمن لا يدري عمرها أكثر من مائتي عام. وهي في ذات الوقت حزمة أوسع تضم أكثر من الديموقراطية والأشتراكية معاً. لكن الجديد للبعض هو أن يسمع أن كلا الولدين ميّتين.

بالطبع أنا لا أنادي أو أنصح بتبني أياً من الطريقين. فلست نيكروفيلياً لا سمح الله! في الأصل وفي المنتهى موقفي هو مع حرية التعبير والتفكير والعمل ضمن مجتمعٍ متحابٍ متضامنٍ قادرٍ على إدارة خلافاته بطرق فعّالة وسلمية. ومثل هذا المجتمع لا يمكن أن تعتاشَ على الجِيَف الفكرية للغير. بل هو من يستلهم ذاته الحضارية وينخرط في جدالات العصر الذي يعيشه لكي يجترح طرقاً إبداعية جديدة تتجاوز ما هو قائم وبالٍ وتثبت قدرته على التجدد وعلى إقامة مجتمعٍ عادل ومستدام كذلك الذي نطمح إليه مع جماهيرنا الغفيرة …. والغفورة. قد يسأل سائلٌ، ما هو الشكل النهائي لمثل هذه الطرق التي سنبنيها؟ هذا السؤال لا يهم الآن. فالأهم هو أنها تخرج تلك الطرائق من قلب صراعنا من أجل التحرر والعيش بكرامة.

المهم أنه مضى على ظهور النهضة في أوروبا أكثر من ستماية عام.أمِن الغريب إذن أن نراها معروضة للبيع على رأي الأيكونومست؟ أو ميتةً كما يعلق تشومسكي؟ لا. ليس ذلك غريباً على الإطلاق. لكن ألغريب بل الأغرب هو أن يشتري البعض شيئاً ميتاً ثم يعيده إلينا، إلى بلادنا التي هي من ألد أعداء الديموقراطية ويقول لنا، إفرحوا، لقد أحضرت لكم هديةً عظيمة إسمها “النهضة،” يمكن أن نربيها ثانية فتتطور وتتحول إلى نمطٍ متكامل للحياة ونظام محلي للحكم. ما فعله هؤلاء الساسة لا يبعث على مجرد الإستغراب. بل إنه يصلح مادةً لمسرح السخرية والعبث أو  السّتاير كما يقال.

هل كُتِبَ علينا نحن عرب اليوم أن لا نحلم بأكثر مما هو مستعمَلٌ أو خردة؟ ثم نحتفي به رغم أن أصحابه أنفسهم عافوه قبل ان يرموه لنا مثل جيفة؟ كيف لأشخاصٍ مثل ساستنا ومفكرينا أو من يرون أنفسهم كذلك أن يدّعوا العلم والمعرفة والدراية والخبرة السياسية وأن يقضوا سنواتٍ من عمرهم ويدفعوا تحويشة عمر أهاليهم ليذهبوا إلى أوروبا وأمريكا للدراسة ثم يعودون بما هو مستعملٌ وقديم وبالٍ؟ إنه في بلاده خردة. فكيف سيصير عندنا؟ تحفة؟ حتى أننا حرمنا من وجودِ نخَبٌ مثقفةٌ تحب اقتناء التحف. وبالأصل إن ما احضره هؤلاء ليس تحفة. في أوروبا وأمريكا الديموقراطية تبدو الآن للملايين كخدعة. لكن سياسيينا ومفكرينا وقادتنا يقدّمونها لنا على انها قمة التحضر! هل يخدع هؤلاء أنفسهم أم يخدعونا؟ صدقاً لا أدري.

* جامعة ظفار – سلطنة عُمان.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. مقال رائع يطرح تساؤلات عديده مشروعه لا اعرف ما هي اجاباتها. علمونا ان فاقد الشي لا يعطيه وان الضعيف ينتظر الاقوياء ليقرروا له مصيره وهؤلاء الاقوياء سئموا من حكمنا والتعامل معنا مباشرة فقاموا باضطلاع هذه المهمه لابناء جلدتنا ممن كما قلت لم ياتوا لنا بالجديد ولا بالخير الذي تحمله الحضارات الغربيه التي درسوا فيها. وربما كما تفضل الكاتب العزيز ان القيم الغربيه ذاتها متحوره وما يصلح لهم هم ليس بالتاكيد ما يريدوه للامم المغلوب علي امرها والتي يريدون حكمها مباشرة او بوساطة اعوانهم وعملائهم من ابناء جلدتنا
    لكن برايي ان اساس الخطا هو قاعدة ان الفراغ يتم تعبئته وعندما تتخلي الامم عن قيمها وكينونتها (مهما كان الاختلاف حول طبيعتها شديدا ) فان هذا يدفع الاخرين من الطامعين بتعبئة هذا الفراغ ويبداون بفرض قيمهم وافكارهم وما عليك الا ان تتبعهم حتي تكون( متحضرا )
    مشكلتنا اننا فقدنا هويتنا وبالتالي اصبحت هويتنا هي هوية جلاديها بل ان بعضنا (وهم ربما الاكثر تاثيرا بحكم مواقعهم) قد استمراؤا الذل والهوان بحيث اصبحوا يسجدون لجلاديهم وهم مبتهلين شاكرون اتمني ان يكون هناك تكمله للحديث وربما التعريج علي فكره القوميه اى العسائريه وتاثيرها في تحديد هويتنا

  2. تحية طيبة لكم … نعم، معظم إن لم يكن كل الزعماء العرب لا يرتبطون بالقيم الديموقراطية المعروفة وادعائهم انهم ينتسبون لقيمها تناقضه أدلة ماديةٌ دامغة. أما علاقاتهم بالحكم الأبوي، أو العسكري، أو الوراثي، أو الريعي، أو القبلي، أو حتى ذلك القائم على القهر المادي والجسدي فهي راسخة وأحياناً منقولة من جيلٍ إلى آخر، بمعنى أنها جزء من إرثهم الثقافي. معروفٌ أيضاً أن هناك زعماء يتبرأون من الديموقراطية ويحتقرونها ويتباهون بانتسابهم لواحدٍ أو أكثر من أساليب الحكم المناقضة لها.

    احترامي لكم ولإدارة الصحيفة

  3. نعم، نحن الذين نعيش في مجتمعات مستبدة يقودنا فيها رجالٌ دخلاء أو مدّعون لكل ما يمكن أن يمت للقيم الديموقراطية بصلة؟

  4. الكاتب المحترم،
    احسنت، اعتقد ان للموضوع تكمله وهو البدائل عن هذه الخرده التي ذكرت، ننتظر المزيد.

  5. لله در كاتب المقال فقد ابدع بحق
    لن ينفعنا إلا ما ينتج من بين ايدينا

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here