محمد النوباني: لماذا يمكن القول أن احتمالات الحرب بين أمريكا وإيران تناهز الصفر في المئة؟!

 

محمد النوباني

 

اذكر انه عندما تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الامريكية وكوريا الشمالية على خلفية تجارب بيونج يانج النووية والصاروخية في بداية عهد الرئيس الامريكي دونالد ترامب وتهديداته الجوفاء بمحو كوريا الشمالية عن خارطة العالم ورد كيم جونغ اون على تلك التهديدات بتهديدات مماثلة بقصف الاراضي الامريكية وكل من كوريا الجنوبية واليابان بالقنابل النووية والهيدروجينيةوتهيأ لبعض الكتاب والمحللين السياسيين ان الحرب بين البلدين واقعة لا محالة، انني كتبت مقالة في صحيفة “راي اليوم” اكدت فيها ان احتمالات الحرب في شبه الجزيرة الكورية تناهز الصفر في المئة.

وببساطة فأنني لم أكن اضرب بالمندل حينما توصلت الى هذه النتيجة القاطعة وانما الى قراءة ملموسة للواقع الملموس حيث انني قدرت بان امتلاك كوريا الشمالية الترسانة نووية وصواريخ باليستية قادرة على حملها الى اهدافها القريبة في كوريا الجنوبية واليابان والقواعد الامريكية المنتشرة فيهما وفي بعض دول آسيا ،والبعيدة في الولايات المتحدة الامريكية، إضافة إلى معارضة صينية روسية الحرب، سوف يرردع ترامب وادارته عن شنهها ولحس كل تهديداته.السابقة.

ودونما حاجة للغرق في التفاصيل فقد اضطر ترامب الذي كان يعربد ويهدد بمحو كوريا الشمالية عن خريطة العالم الى ترطيب الاجواء وتغيير اللهجة بزاوية مقدارها ١٨٠ درجة مع كيم جونغ اون وعقد معه قمتين كان اخرها في فيتنام التي لم يكن اختيارها محض صدفة بل من باب التذكير باكبر هزيمة عسكرية لحقت بامريكا في تاريخها بدل الذهاب الى الحرب كما كان قد وعد، بل واكثر من ذلك فان ترامب غير بنفسه الصورة النمطية التي كان رسمها عن كيم جونغ اون وحوله من ديكتاتور إلى زعيم شاب وشجاع لتبرير اللقاء معه بعد ان شيطنه

وما أشبه اليوم بالبارحه ،فترامب الذي فشل مع كوريا الشمالية، بدليل عودة الاخيرة الى اجراء تجارب صاروخية و مناورات عسكرية تحت إشراف زعيمها تحاكي حربا مع امريكا ، وفشل مؤخرا بالإطاحة بنظام مادورو في فنزويلا وفشل قبل ذلك مع حلفائه الاسرائيليين وعملائه السعوديبن بالإطاحة بالاسد في سوريا، يحاول اليوم تعويض كل ذلك بتحقيق انجاز ما مع ايران.

وعندما نتحدث عن ايران فان ثورتها المظفرة التي اطاحت بنظام االشاه عام ١٩٧٩ وجهت ضربة كبيرة للمصالح الامريكية قي هذه المنطقة الهامة من العالم وشكلت كابوسا لحكام اسرائيل بسب موقفها العقدي الذي يقول بحتمية زوالها وقوتها العسكرية الضخمة ودعمخا لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق واليمن ولذلك فقد كان المطلوب على الدوام هو تقويض تلك الثورة والحاق الهزيمة بها على اعتبار ان تحقيق هذا الهدف ضروري للمصالح الامريكية من ناحية وللحفاظ على امن اسرائيل ومستقبل وجودها.من ناحية ثانية وللحفاظ على امن دول الخليج وضمان تدفق النفط من ناحية ثالثة.

ولذلك فإن المؤامرات الامريكية والصهيونية والسعودية للإطاحة بالثورة الايرانية لم تتوقف طيلة العقود الماضية حتى لساعة واحدة وتركزت في الاونة الاخيرة في مجال تشديد الحصار الاقتصادي وأحيانا بعمليات أمنية وقفت وراءها السعودية على امل ان يؤدي تردي الوضع الاقتصادي وحالة الفقر الناجمة عن الحصار والعمليات الارهابية التي أودت بحياة مدنيين وعسكريين الى احداث قلاقل داخلية(ثورة مضادة) تطيح بالثورة من الداخل كما حدث في تشيلي عام ١٩٧٣ عندما ادى الحصار الاقتصادي والصعوبات الناجمة عنه لتمكين الجنرال بينوشيت المدعوم من المخابرات المركزية الامريكية من الاطاحة بنظام حكم الرئيس سلفادور اليندي وارتكاب مجازر يندى لها جبين الإنسانية.بحق الشعب التشيلي.

. ويمكن القول بكل ثقة بأن حنكة المرشد الايراني علي خامينائي واعتماد حكومات الثورة الايرانية المتعاقبةنظرية الصبر الاستراتيجي في التعامل مع العدوانية الامريكية وتحديدا في مجال عدم توفير الذرائع للادارات الامريكية المتعاقبة للانقضاض على الثورة وإلحاق الهزيمة بها من الخارج. احبط كل المؤامرات الامريكية التي استهدفت اسقاط نظام الثورة عندما كان هذا الأمر ممكنا.اسوة بما فعلته مع نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين .

اما اليوم فانني أجزم بانه لم يعد بمقدور الولايات المتحدة الامريكية اسقاط الثورة الإيرانية بالقوة العسكرية حتى لو استخدمت كل قوة النيران التقليدية التي تملكها وأضيف اليها قوة نيران اسرائيل والسعودية للأسباب التالية:-

اولا:لانها تمتلك قوة عسكرية ضخمة مكونة من سفن حربية وفرقاطات ومدمرات وغوااصات و زوارق سريعة وطائرات مسيرة والاهم من ذلك ترسانة صاروخية ضخمة تقدر بزهاء مليون صاروخ الكثير منها دقيق قادرة على اصابة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة واصابة كل الاهداف في العمق الاسرائيلي ومنظومة دفاع جوي متطورة من طراز اس-٣٠٠ ومنظمات مشابهة لها مصنعة محليا وصواريخ بحر بحر بحر مما يعرض البوارج الامريكية وحاملات الطائرات الامريكية الضخمة في خطر حقيقي .

ثانيا:لكون ايران جزء من محور مقاومة ممتد من طهران مرورا ببغداد ودمشق وبيروت وصولا الى غزة من دون ان ننسى صنعاء بطبيعة الحال واي هجوم على ايران سيؤدي إلى فتح النار من قبل هذا المحور في وقت واحد على كل القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة وكذلك على اسرائيل منذ سيؤدي إلى نتائج مدمرة لا اعتقد بأن أحد يريدها الا اذا فرضت الحرب على ايران ومحور المقاومة.

ثالثا’: لان روسيا التي عادت من خلال البوابة السورية وتحالفها مع ايران منافسا قويا للولايات المتحدة الامريكية على الصعيد الكوني لن تسمح للولايات المتحدة الامريكية بالقيام بإجراءات عسكرية تتيح لها هدم المساعي الجارية لبناء عالم ثنائي القطبية او متعدد الاقطاب لو ادى ذلك الى نشوب حرب نووية حرارية وهذا ما يفسره تاييد موسكو لموقف طهران من الاتفاق النووي.

على هذا الضوء فان المنطق يقول بان تهديدات امريكا غير المسبوقة بتوجيه ضربة عسكرية قوية لايران اذا لم تحسن سلوكها حسب التعبير الامريكي ،ما هي إلا محاولة مكشوفة ومحكمة عليها بالفشل سلفا لإجبار ايران على التفاوض مع واشنطن على اساس الشروط ال ١٢ التي وضعها وزير الخارجية الامريكي جورج بومبيو .

اي ان الامر الذي يدور الحديث عنه في واشنطن ليس اللجوء الفعلي للحرب وانما استخدام الحديث عنها كوسيلة للضغط من أجل التفاوض، وهذا ما عبر عنه الرئيس الامريكي دونالد ترامب قبل يومين عندما صرح بانه ينتظر عند سماعة التليفون مكالمة من طهران تفيد بأن الحكومة الإيرانية مستعدة للتفاوض معه وما نقلته عنه اليوم محطة التلفزة الامريكية بالكوابل (سي.ان.ان) انه تساءل فيما إذا كان قادة ايران يعرفون رقم هاتفه يؤكد بان الحرب ليست من ضمن خياراته الفعلية..

بكلمات اخرى فان ترامب يحلم كما حلم وزير الدفاع الإسرائيلي الاسبق موشيه ديان بعد حرب حزيران العربية الاسرائيلية عام ١٩٦٧ بان يرن رقم هاتف مكتبه ليكون على الخط الاخر الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر معلنا استسلامه لاسرائيل وطالبا من الصهاينة الصفح والمغفرة مع فارق ان يكون على الخط الاخر اليوم روحاني او خامينائي معربين له عن استعدادهم للقبول بالاثتي عشر شرطا التي وضعها عليهم ناظر خارجيته جورج بومبيو وفي مقدمتها عقد اتفاقية نووية جديدة مع واشنطن وتفكيك برنامج ايران الصاروخي وسحب القوات الايرانية من سوريا والتخلي عن دعم حركات المقاومة في المنطقة وغيرها من الشروط المذلة.

بناء على كل ما تقدم فانني اميل للاعتقاد بان الدولة العميقة في الولايات المتحدة الامريكية لن تسمح في اعتقادي لا لترامب الاحمق ولا للمجموعة الصهيونية التي تسيره بالقيام بمغامرة عسكرية ضد ايران قد تشكل تهديدا حقيقيا للمصالح الامريكية في الخليج والشرق الأوسط وخطرا وجوديا جديا غلى اسرائيل ،ليس كرما بل خوفابطبيعة الحال. 

ويبقى السؤال الملح’، فقد مات ديان بغيظه ورد عبد الناصر عليه ليس عبر الهاتف كما تمنى بل بلاءات الخرطوم الثلاث (لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف بإسرائيل ) وبحرب الاستنزاف التي خاضها الجيش المصري مع اسرائيل و استمرت لمدة ثلاث سنوات حطمت خلالها القوات المسلحة المصرية اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر ، فكيف سيرد خامينائي على عنجهية ترامب والذي يعتبر عبد الناصر من الزعماء الذين تأثر بهم وبكاهم كما بكى امه وأبيه عندما سمع بخبر وفاته في ٢٨ سبتمبر عام ١٩٧٠ عندما كان سجينا في احد سجون المخابرات الايرانية “السافاك” في عهد شاه ايران المخلوع انذاك؟ حتما ليس عبر الهاتف .. سننتظر ونرى.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. بالتأكيد أمريكا لا تريد الحرب وكذالك ايران لا تريدها ، كل ما تسعى ايران لتحقيقه ( وهو من حقها كذالك هو من حق أي دولة ) أن تأخذ مكانها الأقليمي في المنطقة ، هذا من الناحية السياسية ، أما من الناحية الأقتصادية فهي بما يتوفر لها من موارد وطاقات تسعى للأرتفاع باقتصادها وتنمية مواردها بين الأمم ، لكن ما تسعى لتحقيقه سياسيا أم عسكريا ان حدث وتحقق سيهمش الدور الذي تلعبه اسرائيل في المنطقة ، ستصبح اسرائيل عبئا على من يدعمها بل ستنتفي الحاجة لها ، رأيي أن الصراع هوبين اسرائيل وايران ، أي لمن ستؤول السيادة في المنطقة ( طالما أخرج العرب أنفسهم من حلبة الصراع ) ، وعليه فلن تقف اسرائيل مكتوفة الأيدي لما يجري ، ستستمر في التحريض لكي تدفع ايران خارج الحلبة مما يجعل المنطقة في توتر دائم ، وهذا بالدرة الأولى يصب لصالح كارتل السلاح الذي تسيطر عليه أمريكا . ما تريده أمريكا توتر دون حرب وما تريده اسرائيل حرب بعيدة عنها لأبعاد ايران عن الساحة ، تماما كما فعلت مع مصر والعراق .

  2. الصهاينة و خدمهم لا يعرفون عزة المناضل و المدافع عن الحق. الشعب الايراني و حكومته المناضلة اعلنوا منذ اللحظة الاولى لقيام ثورتهم المباركة انهم انصار فلسطين و حينها قال الصهيوني بيجن (لقد بدأ عهد الظلمات على اسرائيل).

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here