محمد النوباني: لكي لا نغرق في التفاصيل ألمملة.. لماذا تبدو امريكا مربكة ومتناقضة.. ازاء قضية الانسحاب من سوريا؟!

محمد النوباني

عندما اتخذ الرئيس الامريكي دونالد ترامب قراره بسحب القوات الامريكية من الاراضي السورية التي تحتلها من شرق الفرات قلت في مقال سابق ان ما اعلنه ترامب تم بألتنسيق مع اردوغان وهو اعادة انتشار وليس انسحابا والهدف منه هو خلط الاوراق لزج تركيا في صراع عسكري واسع مع الاكراد والدولة السورية وحلفائها تراق فيه دماء جميع تلك الاطراف خدمة لمصالح امريكاومصالح اسرائيل من دون ان تراق نقطة دم امريكية واحدة.

ورغم ان التطورات التي اعقبت اتخاذ ذلك القرار ومن ضمنها اقالة ترامب لوزير دفاعة بسب اعتراضه على قرار الانسحاب قد اوحت بان ترامب اتخذ القرار بمفرده ومن دون الرجوع الى البنتاغون والدوائر الامنية والسياسبة صاحبة العلاقة المباشرة بهذا الأمر بصفته قائدا اعلى للقوات الامريكية وفي اطار الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور الامريكي الا ان الحقيقة التي لا مراء فيها ان القرار كان مدروسا بعناية لمنع وقوع القوات الامريكية في مرمى نيران ايران وحلفائها فيما لو تم اعتماد خيار المقاومة المجرب لاجبار القوات الامريكية على الجلاء عن سوريا. فترامب يريد باي ثمن ورغم كل فضائحه وعدم اهليته للحكم ان يفوز بفترة رئاسية ثانية في الانتخابات الرئاسية التي ستجري عام ٢٠٢٠ متسلحا بشعبية كسبها عبر تحسن مؤشرات الاقتصاد الامريكي ورفع عدد الوظائف وهو لذلك اراد ان يوائم لضمان تحقيق ذلك بين مسالتين الاولى: عدم وقوع خسائر في صفوف القوات الامريكية العاملة في سوريا في حال اتخذ محور المقاومة قراره بشن عمليات مقاومة مسلحة ضدها قد تؤدي الى سقوط خسائر بشرية في صفوفها مما سيؤدي لخسارته الانتخابات لصالح المرشح الجمهوري والثاني عدم اغضاب الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية الامريكية حتى لا يسقطوه .

وعلى خلفية هذا الموقف الصعب الذي وجد ترامب نفسه فيه فقد اعلن في احدى تغريداته عن اهداء سوريا للرئيس التركي رجب طيب اردوغان بطريقة بولفورية انجليزية فيما فهم انه تخل كامل عن حلفائه الاكراد واعلن عن تمديد فترة الانسحاب من سوريا الى اربعة اشهر لكي يطمأن الاكراد ويمنع عودتهم الى حضن دولتهم لحماية انفسهم بعد ان تخلت عنهم امريكا وقدمتهم قربانا لأردوغان . ولكي يضمن ضبط ايقاع هذه العملية المعقدة فقد ارسل مستشاره للامن القومي الصهيوني جون بولتون في جولة شرق اوسطية شملت اسرائيل وتركيا لكي يقول لاسرائيل انه لن يتخلى عنها ولكي يقول لتركيا افعلي ما تشائي في سوريا ولكن رفقا بالاكراد لكي لا يقال ان امريكا تتخلى عن حلفائها الامر الذي اثارحفيظة وغضب اردوغان الذي رفض استقباله اثناء زيارته وصب جام غضبه عليه ملوحا مجددا بان لديه خيارات اخرى غير امريكية لضمان مصالح تركيا في سوريا.. لقد فشلت زيارة بولتون الى تركيا وربما يؤدي فشل الزيارة الى تعقيد اهداف ومرامي عملية الانسحاب الامريكي من سوريا لان اردوغان قد يلجأ الى ضمان مصالحه في سوريا من خلال روسيا وايران بموجب مخرجات اتفاق استانا كما كان متفقا عليه قبل قرار الانسحاب من سوريا.

ومما يعزز هذا الاعتقاد ان زيارة بولتون المشبوهة للمنطقة قد انعشت طموحات الاكراد الانفصالية مجددا بدليل ان الحزب الوطني الكردستاني قد رفع العلم الكدي فوق مقاره في مدينة كركوك فور مغادرة بولتون للمنطقة الامر الذي اثار حفيظة الحكومة العراقية وبكل تاكيد التركية. اذن فان خطة الانسحاب الامريكي من سوريا قد فشلت ولم يبقى امام امريكا سوى خيارين اما الانسحاب من شرق سوريا دون قيد او شرط وهذه هزيمة مدوية او البقاء هناك وتعريض قواتها ان اجلا ام عاجلا الى مخاطر جدية قد لا يكون تدمير مقر المارينز في بيروت عام ١٩٨٣ ومشهد سحل الجنود الامريكيين في شوارع العاصمة الصومالية مقاديشو عام ١٩٩٣ سوى لعبة صغيرة مقارنة مع قد يجري لها في سوريا والعراق عام ٢٠١٩ او في العام الذي يليه فان قرار ترامب بالانسحاب من سوريا ليس رد جميل للروس على مساندتهم له في الانتخابات الرئاسية السابقة ضد منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون كما يعتقد السيد صبحي غندور كما ان تطويل امده ليس لاسترضاء الاكراد وانما هو تعبير عن مازق امريكي في فقدان سبطرة على العالم والاقليم.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here